»إذا دفعت أعلى الأجور، زادت البلاد رخاءً وازدهاراً«. قال هنري فورد، مؤسس مصانع سيارات فورد الشهيرة، هذه العبارة للصحافيين الذين جمعهم في مكتبه يوم 5 يناير عام 1914. دعا فورد الصحافيين إلى مؤتمر صحافي في ذلك اليوم وأعلن أنه سيضاعف الأجور بحيث لا يقل الحد الأدنى عن 5 دولارات يومياً لآلاف العمال في مصانع فورد.

أثار ذلك رعباً في نفوس منافسي فورد واتهمه البعض بأنه يريد تطبيق قواعد سماوية على الأرض، وسأله مندوب »نيويورك تايمز« إن كان يؤمن بالاشتراكية. لكن الناس أعجبت بهذا التصرف، حيث كانت أميركا تعاني من الكساد وأعطاهم ذلك أملاً في المستقبل.

واصطف 10 آلاف رجل أمام مكتب فورد للتوظيف في اليوم التالي. وفي العام التالي انتشرت شائعات قوية بأن هنري فورد سوف يرشح نفسه للرئاسة لكن هذا لم يحدث.فحوى هذه القصة أن هنري فورد أراد أن يدفع للعاملين لديه ما يكفي ليستطيعوا شراء المنتجات التي ينتجونها. لكن الحقيقة أن هذا لم يكن السبب الوحيد، لكن هذا المبدأ أصبح يُعرف في الصناعة باسم »الفوردية«.

إن زيادة الإنتاج يمكن أن تؤدي إلى رفع الأجور، وبالتالي يؤدي ذلك إلى زيادة الإنفاق، لكن زيادة الإنتاج يجب أن تأتي أولاً، حسب مقال »نيويورك تايمز«. وقال هنري فورد بعد ذلك بسنوات: لا بد أن يكون العاملون لديك هم أفضل العملاء.

وأضاف يقول: »ادفع أجوراً أعلى تزدد البلاد رخاءً«. وتحوّلت هذه المقولة إلى عماد الحكمة الاقتصادية في القرن العشرين، لكن هل تناسب هذه الفكرة القرن الجديد؟لقد كان العام الماضي وما قبله من الأعوام السيئة من حيث الأجور لغالبية العاملين في صناعة السيارات.

وبلغ متوسط أجر العمالة العادية والتي تشكل 80% من قوة العمل في أميركا، أقل مما كان عليه منذ أربع سنوات. وانخفض أجر غالبية العمال الأميركيين منذ عام 2002. لكن هذا لا يتضح في أرقام النمو الاقتصادي

من وجهة نظر اقتصادية أوسع، فإن الاقتصاد الوطني الأميركي كان بصحة جيدة، وبرغم خوض حربين وانتشار فضائح تجارية كان الاقتصاد يسجل نمواً بنسبة 3% سنوياً. ولم يكن لدى هنري فورد فكرة عمّا يفعله حيال ذلك.

لكن الممتاز في مبدأ »الفوردية« هو أنه افترض أن الاقتصاد يدور بناء على دورة ذاتية، ويعني ذلك أنه عندما تتحسن الطبقة المتوسطة، يتحسّن اقتصاد البلاد، وكلما زادت البلاد ثراءً، زادت الطبقة المتوسطة دخلاً أيضاً.

غير أنه في السنوات القليلة الماضية ظل الاقتصاد ينمو بسبب العائلات مرتفعة الدخل، أعلى 20% دخلاً من السكان، الذين ينفقون أكثر من غيرهم. وساعدت العولمة والتكنولوجيا كثيراً أصحاب الوظائف المكتبية على رفع الدخول، رغم أن هذه العوامل نفسها أغلقت مصانع وخفضت أجوراً أخرى.

وارتفعت أسعار الأسهم والمنازل أكثر مما كانت عليه، مما جعل أصحاب هذه الأصول يرغبون في زيادة الإنفاق.والحقيقة أن العائلات الغنية هي التي كانت تقترض وتخفض مدخراتها بزيادة إنفاقها في السنوات الأخيرة.

وفي عام 1992، كانت أعلى خامس شريحة من حيث الدخل تمثل 47% من الإنفاق الاستهلاكي، وزاد هذا النصيب إلى 46% عام 2000. وهذا الإنفاق الكبير البالغ 300 مليار دولار تحوّل من الطبقة الفقيرة والمتوسطة إلى الطبقة الغنية.

في مدينة ميشيغان، تغلق »فورد موتورز« و»جنرال موتورز« مصانع وتسرِّح آلاف العمال، ما يعني أسوأ اقتصاد محلي ويؤثر في الضواحي الغنية، لكن »سوبربان كوليكشن« باعت 90 سيارة بنتلي العام الماضي مقابل 70 في عام 2004، وتوقع الوكيل بيع 100 سيارة في العام الحالي، تكلفة السيارة على الأقل 180 ألف دولار، وفتحت الوكالة أيضاً معرضاً لسيارات »لامبورجيني« في يناير.

وبالطبع لا تبيع »رولز رويس« أعداداً كبيرة، لكن السبب أن عملاء وكالة »سوبربان كوليكشن« لا يريدون أن يراهم الناس يركبون سيارة بسعر 300 ألف دولار في الوقت الذي تعاني فيه الولاية. وقال الوكيل إنهم يستطيعون دفع ثمن السيارة لكنهم لا يريدون الإضرار بمشاعر الآخرين.

ويحتمل أن ترتفع الأجور في العام الحالي، لكن شبح الركود قابع على المدى البعيد. وعلى مدى 30 عاماً مضت لم تتحسن الأجور بمعدل أعلى من معدل التضخم. ودورة الفوردية ليست الوحيدة التي يمكن أن تحافظ على دوران عجلة الاقتصاد الأميركي. ويقول خبير اقتصادي: ليست هناك حاجة إلى المساواة في توزيع الدخل حتى يحدث الانتعاش.

وسببت طفرة التسعينات ارتفاع الأجور، وسبَّب تأخر الدفع سلسلة من الهزّات. والآن بعد زوال الطفرة من الذاكرة تتزايد النبرة الحمائية وتنخفض شعبية الرئيس جورج بوش. لذلك يبدو أن الوقت مناسب لبدء الحديث عن الحلول.

وهناك كثير من الأفكار مثل مساعدة المزيد من الشباب على إنهاء التعليم الجامعي وتدريب العمالة متوسطة العمل على تغيير اتجاهها المهني وبدء مشاريع مثل تحسين الطرق السريعة والقطارات فائقة السرعة، والا تتظاهر أميركا بأنها لا تزال في عام 1914.

ترجمة: أشرف رفيق