بدأت الشركات في انحاء أميركا الانفاق على الاستثمارات من جديد، أو على الأقل تنوي أن تفعل ذلك، وسجلت الشركات نمواً قوياً وأرباحاً مرتفعة خلال السنوات القليلة الماضية، غير أن هناك ما يجبرها على ذلك، اما أن تتوقف عن النمو، أو تنفق على العمالة والمصانع والمعدات.

وتفيد البيانات بأن الشركات تلجأ إلى الخيار الأخير، وقد أضافت الشركات 2.1 مليون وظيفة جديدة في العام المنتهي في فبراير، وذكر بحث حديث ان 300 من رؤساء الشركات قالوا إنهم ينوون رفع الإنفاق الاستثماري بنسبة 6.5% في المتوسط خلال العام المقبل، مقابل 4.7% في سبتمبر الماضي.

ويقول جون جراهام أستاذ التمويل في فوكوا : الأمر كما لو كنا بانتظار فتح الخزائن، فهي لم تنفتح على مصراعيها لكنها أكثر انفتاحاً من ذي قبل. وقد يؤدي هذا الاتجاه إذا استمر إلى معالجة نوع من التضارب، فالشركات الأميركية كانت تميل إلى الإدخار منذ بداية القرن الجديد، على عكس ما يفعله الناس والحكومة.

وقد يضيف ارتفاع انفاق الشركات وقوداً لمحرك الاقتصاد العالمي أو على الأقل يساعده على الاستمرار في النمو إذا جعل انخفاض أسعار المنازل الأميركيين يشعرون أنهم فقراء ويتوقفون عن الإنفاق حسب توقعات خبراء الاقتصاد للعام الجاري، في ظل ارتفاع النمو في اليابان وأوروبا.

ويقول ديفيد مكي الخبير الاقتصادي في جي بي مورجان لندن ان ارتفاع انفاق الشركات علامة مشجعة وسيوفر عاملاً مساعداً للنمو الاقتصادي في الوقت الذي يبكي فيه قطاع المنازل بلاء حسناً.

التناقض:

وقد بدأ الناس في السنوات الأخيرة والشركات يتصرفون بطريقة عكس اتجاه الاقتصاديات المألوفة فالشركات من الناحية التقليدية تعيد تدوير مدخرات البلاد عن طريق اقتراض المال للاستثمار في معدات جديدة وبرمجيات ومصانع وأي شيء تحتاجه لتوسيع نطاق عملها، ويساهم ذلك في توازن أسعار الفائدة لأن رغبة الشركات في الاستثمار يرفعها ورغبة الناس في الإدخار يخفضها.

غير انه في السنوات الأخيرة تبادل الناس والشركات الأدوار في أميركا. انخفضت مدخرات الناس إلى حد أنهم ينفقون الآن أكثر من دخولهم مما رفع أرباح الشركات بشكل كبير. وفي الوقت نفسه انخفض انفاق الشركات مقارنة بدخولها، فتراكمت أكوام من النقد لديها.

وبهذه الطريقة ادخرت الشركات 560 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، مما يعزز تخمة المدخرات العالمية.ويعتقد خبراء اقتصاديون أن هذه التخمة جعلت أسعار الفائدة تظل منخفضة لفترة طويلة. وخلال الفترة نفسها، انخفض استثمار الشركات. وزاد مخزون رأس المال في أميركا بنسبة 8% فقط عقب التضخم أي أكثر قليلاً من نصف معدله من 1998 حتى 2001.

ويفسر خبراء الاقتصاد سلوك الشركات بأن رؤساءها يتوخون الحذر عقب الاقتراض بكميات كبيرة في التسعينات من أجل استثمارات ضخمة وحيازات انتهت بكوارث مالية أحياناً. ويقول ديفيد هارجريفس رئيس الشؤون المالية في هاسبرو للعب الأطفال انه يعتقد أن هناك مزيداً من الحيطة، فهو مستوى أعلى من المسؤولية.

وقد راكمت هاسبرو نحو مليار دولار نقداً، أي نحو 29% من إجمالي أصولها. ويحتمل أن تكون شركات أخرى لم تجد مبرراً للإنفاق على رفع الطاقة أو التوظيف. ويقول مسؤول بشركة كورنينج لصناعة الزجاج انهم ينفقون حسبما يجدون الفرص مواتية. تنفق الشركة 1.5 مليار دولار خلال العام الجاري حيث تتوسع في مصنع الشاشات البلورية السائلة العملاقة. وبلغ إنفاقها في 2003 نحو 360 مليون دولار فقط.

تغير الأوضاع

تغيرت الظروف الآن، فقد وجدت كورنينج أنه من الأجدى التوسع في الاستثمار بسبب نمو أسواق جذابة للشاشات السائلة وشاحنات الديزل صديقة البيئة. ويقول هارجريفس ان ثروة الشركة النقدية ستجعلها ترغب في الإنفاق والتوسع من خلال صفقات الحيازة، مثل شراء شركة كندية مؤخراً.

وتنوي جيس للملابس زيادة الإنفاق بأكثر من 20% في العام الجاري، لفتح 38 منفذاً جديداً وتحديث 30 قائمة حالياً. ويقول كارلوس البيرني رئيس عمليات الشركة انهم اكتسبوا ثقة أكبر في التوسع الجرئ.

كما أن الصناديق التحوطية وأصحاب الأسهم يضعون قيوداً أخرى على الشركات لإنفاق النقد غير المستغل. مثلاً هجوم كارل إيكهان الأخير على مؤسسة وارنر مما جعل الشركة تعيد شراء مزيد من الأسهم من أجل إعادة المال للمساهمين مرة أخرى.

وأنفقت الشركات المسجلة في مؤشر ستاندارد ألف بورز 104 مليارات دولار لإعادة شراء الأسهم خلال الربع الأخير من 2005، بارتفاع 58% على العام السابق له.

وإعادة شراء الأسهم ليس إشارة طيبة فهي تمثل سلوكاً حصيفاً من الشركات التي لا تستطيع أن تجد سبلاً مربحة لاستثمار الأموال. وعلى أسوأ الفروض يكون رؤساء الشركات كسالى ولا يستطيعون الوفاء بأهداف الأداء من خلال تعزيز العائد الحسابي على الأسهم، وبالتالي أسعار الأسهم. لكن النقد المتراكم لدى الشركات، إذا تم استغلاله في استثمارات جديدة، سيكون دفعة قوية للاقتصاد العالمي.

ترجمة: أشرف رفيق