أظنّ القليل القليل من الناس يدركون كم أنّ الارتباك الحالي الحاصل أن في مجال الهندسة يصبّ في تصوّرنا عن الكون. فإذا باعتقاد ينمو في نفسي بأنّ الهندسة مشوّشة حتّى الاحتضار لأنّناـ نحن مهندسي الزمن الحالي- نناضل بتصوّر عن العالم، عالم الصورة، تصوّر يجعل في الأساس من المستحيل بناء المباني بشكل حسن.

وأظنّ هذه المشكلة من العمق ما يجعل بناء أكثر المباني تواضعاً وإفادة بطريقة عادية صعباً حتّى أقصى الدرجات. فكثيرون منّا لا يعون أنّ إدراكنا الأشياء ـ صورتنا عن الكون ـ يمكن أن يكون له أيّ أثر ملموس أو مباشر على نشاطنا كمهندسين. فنقوم بأعمالنا ونحن نبذل قصارى جهدنا لنبني مباني جيّدة- بأيّ أسلوب نَخالُه «جيّداً».فالمهمّة صعبة.

نكافح بها ولكنّنا لا نعي، في ظنّي، أنّ جهدنا يتأثّر بأيّ طريقة جوهريّة بالصورة التي نملكها عن الأشياء، بالصورة التي نملكها عن العالم. ولعلّنا، بأغلبيّتنا، لا نعي حتّى أنّ لدينا أيّ صورة عن العالم.

وإن حدث أن تفحّصنا بانتباه صورتنا عن العالم، فإنّنا سنجد، بدون أدنى شكّ، مزيجاً معقّداً من الأشياء أكثر من أيّ شيء آخر: إدراكات مبهمة عن الذرّات، المجرّات، والنجوم؛ حياة عضويّة كما تظهر على الأرض، بحسب ما قيل لنا، من سحاب كثيف بدائيّ من حامض الأميني.

ممزوج بذلك، فلا شكّ في وجود نوع من الاهتمام في أترابنا من الكائنات البشريّة، نوع من الولاء، نوع من الإدراك بأنّ بعض الأشياء أكثر جمالاً وبعضها أقلّ جمالاً. فكيف تراها تكون كلّ هذه الفوضى المشوّشة الكامنة في تصوّرنا عن العالم مسؤولةً عن أيّ شيء؟

كيف تراه يكون صحيحاً أنّ هذا التصوّر يتدخّل تدخّلاً عميقاً بمجهودنا كبنّائين، حتّى يجعل بناء المباني بشكل جيّد كلّ شيء إلاّ ممكناً؟ يبدو ما يتضمّن ذلك من معنى مدهشاً. ولكنّه ظنّي فحسب. ظنّي أنّ في داخلنا بقايا صورة عن العالم ميكانيكيّة بطبيعتها- ما يمكننا أن نطلق عليه صورة عالميّة عقليّة ميكانيكيّة.

وإن ظنَنّا أم لم نظنّ أنّنا نشترك في هذه الصورة، وإن أدركنا أم لم ندرك تأثير بقاياها فينا، حتّى متى اعتبرنا أنّ المسائل الروحيّة أو البيئيّة تؤثّر في مشاعرنا، فإنّ معظمنا لا يزال ـ كما أظنّ ـ بدرجة أكثر أو أقلّ، في قبضة بعض بقايا الصورة العالميّة الميكانيكيّة.

وكأنّها عدوى تغلغلت فينا، فراحت تؤثّر بأعمالنا، تؤثّر بأخلاقيّاتنا، تؤثّر بحسّنا عن الجمال. إنّها تسيطر على الطريقة التي نفكّر فيها عندما نحاول أن نبني مبنى وقد جعلَتْ ـ برأيي ـ صنع مبان جميلة أشبه بالمستحيل.

وفي محاولتي سبر غور طبيعة اللغز المحيط بانهيار الهندسة، توصّلتُ إلى الخلاصة بأنّ الأحلام الغريبة في المباني خُلِقت بسبب شرك بين طبيعة الهندسة وممارسة الهندسة، والتصوّر الميكانيكيّ للكون. وأظنّ، لأكون أكثر دقّة، أنّ الخطأ والارتباك في صورتنا عن فنّ البناء هما نتيجة إدراكنا لماهيّة المادّة.

فما يحكم فكرتنا عن المادّة إنّما هي فكرتنا عن النظام. وماهيّة المادّة تحكمها فكرتنا عن كيفيّة تنظيم المدى؛ وكيفيّة تنظيم المدى تحكمها فكرتنا عن كم أنّ الترتيب في المدى يخلق المادّة وبأيّ تنظيم. وبالتالي، فإنّ طبيعة النظام هي ما يكمن في أساس مشكلة الهندسة.

فعندما ندرك ما هو النظام، يتحسّن إدراكنا لما هي المادّة ومن بعدها ما هو الكون بحدّ ذاته. ولكن طالما أنّنا ـ وإن غير مدركين ـ سجناء صورة ميكانيكيّة بالغة البساطة عن المادّة، فلا مفرّ لنا ـ وللهندسة التي نخلقها ـ من أن نستمرّ في هذا الارتباك الأعمى، ارتباك اختبره الكثير الكثير منّا منذ أكثر من نصف قرن.