يخيم القلق في سماء شركات المقاولات المحلية عقب الزيادات السعرية التي طالت بعض أسعار مواد البناء الرئيسية وأبرزها الحديد والخشب وبنسب تراوحت مابين 5% و7%.وتخشى شركات المقاولات الصغيرة تحديداً أن تكون تلك الزيادات إشارات قوية على تكرار أزمة عام 2004 عندما ضربت أسعار مواد البناء كل المستويات السعرية لتهدأ بعد تدخل حكومي وتتوقف عند مستويات سعرية مرتفعة.

وطبقا لتصريحات خاصة أدلى بها تجار مواد بناء وشركات مقاولات لـ »البيان الاقتصادي« فقد ارتفعت أسعار مواد البناء الرئيسية في السوق المحلي بشكل مفاجئ حيث وصل سعر المتر المكعب من الخشب إلى ما بين 750 درهما و800 درهم.

فيما قفز سعر طن الحديد المحلي والتركي من 1750 درهما في الأسابيع القليلة الماضية إلى 1900 درهم للطن في نهاية الأسبوع الماضي. بالإضافة إلى عدم بقاء سعر طن الحديد القطري عند مستواه المعروف بــ 2000 درهم قبل أيام ليصل إلى ما بين 2100 و2200 درهم للطن.

في حين حافظ الاسمنت على أسعاره وسط إشارات متضاربة على بقائه عند مستوياته أو تحركه ليرتفع بنسبة لن تقل عن 5 % ولا تزيد على 7% خلال الأيام العشرة المقبلة.

وطبقا لأحاديث أولئك التجار فقد تراوحت تلك الزيادة السعرية ما بين 5% و7% وطالت مواد الحديد والخشب فيما حافظ الاسمنت على استقرار (هش) في سعره طبقا لوصف تجار مواد البناء.

وتوقع إبراهيم الرحماني مدير شركة الرحماني لتجارة مواد البناء ان يشهد سعر الاسمنت زيادة قد تصل إلى 5% بسبب زيادة الطلب في السوق وأكد أن سعر الخشب الذي قفز 5% خلال الشهر الماضي سيعاود الارتفاع بــ 5% أخرى في الشهر الجاري بسبب شح المواد الأولية من ماليزيا التي تعد المصدر الأول له في الأسواق.

وقال عبدالله راشد مدير عام شركة »البادية للمقاولات« إن العرض والطلب وجشع بعض التجار يلعب دوراً مؤثراً في تحديد أسعار السوق والتي أجبرت المقاول على تعديل تسعير تنفيذ المشاريع في العام الحالي بنسبة 23% عن العام الماضي.

لكن علي خماس رئيس الهيئة التنسيقية لمصانع الأسمنت بالدولة، طمأن في تصريحات سابقة لـ »البيان الاقتصادي« المقاولين من أن »أزمة الأسمنت« التي اجتاحت سوق مواد البناء المحلي، وعرقلت سير الأعمال في قطاع البناء والتشييد، وتسببت في تكبيد شركات المقاولات خسائر مالية فادحة في العام الماضي، لن تتكرر مستقبلا، عقب إجراءات فنية تتعلق بالإنتاج اتبعتها مصانع الأسمنت مؤخراً تضمن عدم حصول شح في الأسواق أو صعود صاروخي للأسعار.

وتخشى شركات المقاولات من حدوث أزمة مماثلة كتلك التي ضربت قطاع البناء والتشييد في العام الماضي عندما ارتفعت أسعار كل مواد البناء عقب ارتفاع أسعار الاسمنت والحديد إلى مستويات غير معهودة منذ أكثر من ثلاثة عقود.

وتراقب شركات المقاولات المحلية بحذر أسعار مواد البناء في السوق عقب الإشارات المستمرة التي تنذر بارتفاع وشيك في أسعار الحديد ــ التركي والقطري تحديدا ــ وتتعامل العديد من الشركات بشكل طبيعي مع ارتفاع أسعار الخشب الذي ارتفعت أسعاره بنسبة 20% بينما تشهد باقي أسعار المواد كالاسمنت والحديد والألمنيوم والخرسانة، استقرارا على الرغم من ارتفاع أسعار الحديد في الأسواق المجاورة.

نقص وليس جشعاً

إبراهيم يوسف الرحماني مدير واحدة من اكبر شركات تجارة مواد البناء في الدولة يرى ان الأسعار الجديدة تعكس حجم النقص الحاصل في السوق والكل يعرف ان العرض والطلب يتحكمان بالسوق.

واستبعد الرحماني أن يكون بعض التجار قد بيتوا النية لاستغلال ملامح الأزمة الجديدة ليوسعوا من نطاقها ويكررون مأساتها على غرار مأساة عام 2004 ولفت إلى ان النقص الحالي في الحديد والخشب وهو نقص من الصعب أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى أزمة.

وأضاف بأن اسعار الخشب قفزت بنحو 5% وربما سيطالها ارتفاع جديد بالنسبة ذاتها في غضون الأيام القليلة المقبلة نتيجة نقص المادة من المنشأ وليس بسبب احتكارها كما يتناهى إلى أسماع المقاولين أو كما يتداولون ذلك في تقييمهم لأسعار السوق خلال الفترة الحالية.

ولفت الرحماني إلى أن أسعار الخشب عادة ما تكون مرتبطة بين وضع العملة الماليزية إزاء الدولار وبين ارتفاع أسعار الخشب الذي غالبا ما تستورده الأسواق المحلية من موردين ماليزيين.

وأشار الرحماني إلى ان من المبكر الحديث عن ارتفاع في أسعار الاسمنت. وقال »لا إشارات على ارتفاع أسعار الاسمنت بالرغم من ارتفاع أسعاره في الأسواق المجاورة والعالمية بنسبة تترواح مابين 10% و20%".

ولكنه المح إلى احتمال أن ترتفع أسعار الاسمنت إلى 5% عن أسعارها التي استقرت عندها بعد قرار إلغاء الرسوم الجمركية على واردات الاسمنت. وذكر أن سعر كيس الاسمنت قد يتجاوز 15 درهما في غضون الأيام القليلة المقبلة.

زيادة غير مؤثرة

المهندس عماد عزمي المدير المفوض والشريك في شركة الشعفار للمقاولات يرى أن الزيادات الجديدة لا تثير المخاوف إلى حد كبير ولكنها إذا استمرت بالارتفاع فلربما تصبح سببا قويا لتحريك مشاعر القلق لدى شركات المقاولات العاملة في القطاع.

ويضيف عزمي ان أسعار بعض مواد البناء الرئيسة متباينة في الأسواق المحلية ونحن نراقب الأسعار بحذر كما نتحسس مخاوف أبدتها بعض شركات المقاولات العاملة في قطاع الإنشاءات.

وقال بعض تجار مواد البناء إن دخول مشاريع البناء التي سبق وتم الإعلان عنها مؤخرا، هي السبب الرئيس وراء الارتفاع المحدود في أسعار بعض مواد البناء. ولكن من المهم أن نلفت إلى أن ارتفاع أسعار الخشب على سبيل المثال جاء على خلفية المعروض منه في السوق المحلي. ونفى عزمي أن يكون الارتفاع الجديد ناجماً عن احتكار لتلك المواد ورأى أن اقرب وصف إلى الحقيقة هو شح تلك المواد في الأسواق المحلية والعالمية أيضاً.

ضمانات

قال علي خماس رئيس الهيئة التنسيقية لمصانع الأسمنت بالدولة، مدير عام مصنع الفجيرة للأسمنت، إن »أزمة الأسمنت« التي اجتاحت سوق مواد البناء المحلي، وعرقلت سير الأعمال في قطاع البناء والتشييد، وتسببت في تكبيد شركات المقاولات خسائر مالية فادحة في العام الماضي، لن تتكرر مستقبلا، عقب إجراءات فنية تتعلق بالإنتاج اتبعتها مصانع الأسمنت مؤخرا تضمن عدم حصول شح في الأسواق أو صعود صاروخي للأسعار.

وأكد خماس في تصريحات سابقة لـ »البيان الاقتصادي« أن دخول مشاريع البناء التي تم الإعلان عنها مؤخرا، مرحلة التنفيذ سترفع الطلب على مادة الأسمنت إلى نحو14 مليون طن، ما يحمل أنباءً سارة لشركات ومصانع الأسمنت والمساهمين فيها لحصد أرباح جديدة ربما تصل إلى نحو 660 مليون درهم بزيادة 10% عن الأرباح التي حصدتها في العام الماضي والتي حققت زيادة بنسبة 200% ولامست سقف 600 مليون درهم،

لكن خماس كشف لـ »البيان الاقتصادي« مخاوف منتجي الأسمنت من أن تلك الفرحة لن تدوم بحلول عام 2007 الذي سيشهد زيادة في نسبة المعروض من مادة الأسمنت، مقابل انخفاض الطلب عليه، لاسيما في ظل استمرار استيراد كميات غير قليلة من الأسمنت وضخه إلى السوق المحلي، إلى جانب شروع بعض الشركات والمصانع برفع طاقتها الإنتاجية وافتتاح خطوط إنتاج جديدة،

بالإضافة إلى أن مشاريع بناء عديدة ستكون قاربت على الانجاز، ما قد يعيد إلى الأذهان ما وصفها خماس بـ »مأساة« الثمانينات عندما تكبدت شركات الأسمنت ومصانعها خسائر فادحة جراء تدني الطلب على الاسمنت بسبب الركود الذي خيم على قطاع البناء والتشييد في تلك الفترة،

وأفقد سوق مواد البناء شهيته، حتى عام 2002 الذي شهد بدء العد العكسي لانطلاقة الطفرة العمرانية الجديدة، لتعاود شركات الأسمنت لعب دور حيوي مهم في المساهمة في المسيرة العمرانية، محققة زيادة غير مسبوقة في الأرباح.

ونفى خماس أن تكون شركات ومصانع الأسمنت المحلية قد استغلت »أزمة« العام الماضي لتحقيق أرباح كبيرة على حساب شركات المقاولات، ووصف حصاد المساهمين لتلك الأرباح بأنها نتيجة طبيعية لزيادة الطلب على الأسمنت في السوق المحلي.

وكانت مصادر موثوقة كشفت لـ »البيان الاقتصادي« في وقت سابق عن »السيناريو« المحتمل الذي طبقته مصانع وشركات الاسمنت المحلية عندما رفعت في أسعار الاسمنت بنسبة 8% للطن السائب و10% للكيس أواخر العام الماضي.

ولكن المصادر لفتت إلى أن مصانع الاسمنت المحلية لا تتمتع بأي دعم حكومي على صعيد أسعار المحروقات والكهرباء اللذين كانا من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع أسعار الاسمنت بنسبة وصلت إلى 200% في عام 2004.

وطبقا للمصادر فإن شركات ومصانع الاسمنت تجتمع بشكل مستمر لبحث أوضاع السوق وحاجته من الاسمنت ولكنها تواجه مشكلة عدم الوقوف على الحاجة الحقيقية للمشاريع لتتمكن من تدارك أي نقص في الإنتاج من جهة أو التحكم به لعدم ضخه بكميات تجعله في مرمى »نيران« التراجع السعري.

وكانت آخر زيادة سعرية فرضتها شركات الاسمنت تمحورت لرفع سعر الطن بنسبة 7% ليصل إلى 280 درهماً، ورفعه بنسبة 10% للكيس ليصل إلى 17 أو 18 درهماً. ورأت المصادر أن الزيادات السعرية الأخيرة كانت أمرا لا مفر منه عقب زيادة أسعار المحروقات وتنامي الطلب على هذه المادة الحيوية بسبب دخول مشاريع بناء ضخمة إلى حيز التنفيذ.

ولم تستبعد المصادر أن يقفز سعر الطن إلى 320 درهماً إذا ما دخلت مشاريع أبوظبي ورأس الخيمة التي تم الإعلان عنها حيز التنفيذ.كما لم تستبعد مصانع وشركات الاسمنت التعرض لموجة انتقادات مماثلة لتلك التي واجهتا العام الماضي، لكن »هيئة مصانع وشركات الاسمنت« ترى صعوبة في الإبقاء على الأسعار الحالية للاسمنت في ظل زيادة كلفة التشغيل والإنتاج وأجور الأيدي العاملة.

العرض والطلب والجشع

عبدالله راشد مدير عام شركة »البادية للمقاولات« لا يخالف القائلين ان العرض والطلب يتحكمان بأسعار مواد البناء في السوق المحلي لكنه يضيف إلى تلك الآليات آلية أخرى يحلو له تسميتها بــ »آلية جشع بعض التجار« وهي الأخرى تلعب دورا مهما ومؤثراً وحساساً إلى جانب العرض والطلب في تحديد أسعار السوق والتي أجبرت المقاول على تعديل تسعير تنفيذ المشاريع في العام الحالي بنسبة 23% عن العام الماضي.

وأضاف راشد أن الحال قد ينقلب على المقاولين إذا استمرت الزيادة في مؤشرها التصاعدي لان المقاولين تعلموا من دروس الماضي وقاموا بتسعير مشاريعهم الجديدة مع الأخذ بنظر الاعتبار الزيادات المتوقعة ولكن سيبقى الحال مطمئنا إذا كانت الزيادات في إطار ما يفرضه نقص المادة من السوق وفي حدود توقعات المقاولين التي على أساسها وضعوا تصوراتهم السعرية لتنفيذ المشاريع في الفترة الحالية.

وأكد أن المقاولين عموما ليسوا على استعداد للتعامل مع أي أزمة جديدة عقب الأزمة التي أطاحت بالعديد منهم ودفعت بالعديد من الشركات إلى تسريح موظفيها وإغلاق أبوابها والإقلاع عن تنفيذ المشاريع العمرانية لعدم مقدرتهم على تحمل الخسائر أو المضي تحت اثقال الديون المترتبة بذمتهم لموظفيهم أو البنوك.

التدخل المطلوب

رجل الأعمال علي موسى رئيس مجموعة شركات علي موسى وأولاده يطرح رأيه بعيداً عن التعبير عن المخاوف ويتعداه إلى دعوة الجهات المعنية إلى ضرورة الحزم في حال تجاوز الأسعار ما وصفه بالخط الأحمر الذي قد يحقق للتجار والمضاربين في سوق مواد البناء ارباحاً على حساب المقاولين.

ولفت موسى إلى ما حدث في عام 2004 فعندما تدخلت حكومة دبي لتفتح الباب أمام استيراد الاسمنت توقفت نيران الأسعار عن ابتلاع المزيد من شركات المقاولات وهدأت الأمور.

ويختلف موسى مع الرافضين للتدخل الحكومي على أساس تقاطع هذا النوع من التدخل مع سياسة السوق المفتوح التي تطبق في السوق المحلي، وقال عندما تصل الأمور إلى درجة استغلال مفاهيم وآليات السوق المفتوح لتحقيق أرباح شخصية على حساب الآخرين فإن التدخل الحكومي مطلوب لحماية الضحايا من استغلال البعض.

وأضاف العديد من الدول التي تمتلك أسواقاً مفتوحة ومن بينها أميركا على سبيل المثال تدخلت عندما وجدت أن بعض الواردات إلى أسواقها تهدد مصلحة صناعتها المحلية.

كتب مشرق علي حيدر