ينصرف تركيز منظمة التجارة العالمية عند الحديث عن قضية الإغراق إلى مدى إمكانية تفاعل حكومات الدول الأعضاء مع هذا الملف. وإن كان ذلك لا ينفي أن منظمة التجارة العالمية وضعت ضوابط تجيز لحكومات الدول مكافحة الإغراق من خلال ما يطلق عليها تسمية (اتفاقية مكافحة الإغراق) بهدف حماية لصناعاتها المحلية الوطنية للدول.
وتنص تلك الاتفاقية على أحقية الأطراف المتعاقدة في مكافحة الإغراق إذا كان »المنتج المغرق« يضر بالصناعة المحلية داخل إقليم الطرف المتعاقد الذي قام باستيراد المنتج. ويتأتى ذلك من خلال اتخاذ إجراءات ضد استيراد منتج يقل في قيمته عن القيمة العادية والتي عادة ما تمثل (قيمة المنتج في السوق المحلي للدول المصدرة).
ولا يخفي الكثير من رجال الأعمال بالدولة قلقهم وتوجسهم من شبح الإغراق والذي قد يهدد مستقبل المنتج المحلي بالدولة في ظل التوقعات بقرب توقيع الإمارات لاتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية ودول أخرى عديدة.
ويطالب الكثير منهم بضرورة وضع إجراءات محددة لمكافحة الإغراق بهدف حماية الصناعات المحلية بالدولة، وبضرورة بروز الدور اللازم لهيئة للمواصفات الخاصة بالسلع والبضائع في دول مجلس التعاون الخليجي أسوة بالدور الذي تلعبه الهيئات المناظرة في الولايات المتحدة، بريطانيا واليابان.
من ناحية أخرى، يعتقد البعض الآخر من رجال الأعمال أن الإغراق غير وارد ولن يتعارض مع اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة أو المزمع توقيعها ما بين الإمارات والولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال لأسباب عددوها.
»البيان الاقتصادي« يسلط الضوء في هذا الاستطلاع على ملف الإغراق حيث توجهنا بأسئلتنا إلى عدد من المسؤولين ورجال الأعمال بالدولة للتعرف على سبل مكافحة الإغراق وعلى آثاره السلبية على الصناعات الوطنية.
ــ أهمية وجود إجراءات لمكافحة الإغراق
عبدالله سلطان عبدالله ــ الأمين العام لاتحاد غرف التجارة والصناعة: للإمارات علاقات تجارية مع غالبية دول العالم. واتخاذ إجراءات مكافحة الإغراق ضد ما يمكن أن يلحق ضررا بالمنتجات الوطنية يكون مطلوباً لكن بعد دراسة وافية مدروسة حتى لا تؤثر الإجراءات المتخذة علي سياسة الدولة القائمة على احترام حرية التجارة والانفتاح على العالم الخارجي.
وحتى في حالة توقيع الإمارات لاتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى فإن ذلك لا يمنع من اتخاذ بعض الإجراءات الوقائية تجاه حالات الإغراق السلعي المتعمد من بعض الدول أو المناشئ وهذا التوجه هو محط اهتمام دول مجلس التعاون الساعية إلى إصدار نظام أو قانون لمكافحة الإغراق.
رجل الأعمال عبدالجليل درويش: قبل أن نتحدث عن إجراءات مكافحة الإغراق أرى أن نسلط بعض الضوء أولاً على الخلفية التي يمكن أن ينطلق منها إبرام اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى.
فلماذا تفكر أية دولة في إبرام مثل هذه الاتفاقية؟ لا شك أنها ترى في ظل ظروفها وأوصافها الاقتصادية أنها سوف تحقق لها مزايا مهمة تعود عليها وعلى أبنائها بمردود ايجابي من حيث التنمية الاقتصادية وما يستتبع ذلك من آثار اجتماعية.
والولايات المتحدة ذاتها لم تكن تعطي هذا الموضوع اهتماماً يذكر في الخمسينات والستينات من القرن الماضي لأن اقتصادها كان قوياً للغاية حيث كان الناتج المحلي الإجمالي الأميركي يقارب نصف الناتج العالمي. وكانت وارداتها لا تتعدى 5% من ناتجها المحلي الإجمالي حسبما تشير بعض التقارير.
لكن مع تغير الأوضاع وتقدم الدول وإنتاجها لكثير من السلع التي كانت تستوردها من أميركا أصبحت تلك الأسواق في وضع تنافسي مع السوق الأميركية في العديد من المنتجات، التكنولوجية والزراعية وخلافه. وليس معنى ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت دولة ضعيفة، فلا تزال الولايات المتحدة أقوى دولة وأقوى اقتصاد في العالم، وهي أكير مستورد للبترول من منطقتنا.
ولهذا بدأت الولايات المتحدة في منتصف الثمانينات من القرن الماضي في اتباع استراتيجيات متعددة للمحافظة على مستوى التعاون الدولي ودخلت في مفاوضات تجارية عديدة أسفرت عن إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995 ثم اتبعتها بعقد مجموعة من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية مع بعض الدول بما فيها دول عربية.
وما أريد قوله من هذا العرض الموجز هو أن كل دولة تنطلق من مصلحتها في إبرام تلك الاتفاقيات للاستفادة من المزايا التي ترى أنها ستحصل عليها من جهة وحماية لمنتجاتها وأسواقها والحدّ من أي آثار سلبية يمكن أن تطالها من جهة أخرى. ونحن في الإمارات لسنا استثناء من هذه القاعدة.
الاتفاقيات إذاً ليست قدراً محتوماً أو هي إذعان من طرف لطرف آخر ولكنها رغبة مشتركة لتحقيق مصلحة للطرفين، دون أن تخلو بطبيعة الحال من سلبيات قد تنطوي عليها، ولهذا تكون المفاوضات فيها شاقة ومضنية، وتكون الحنكة والذكاء والخبرة والدراسة المسبقة عوامل مهمة للغاية للحصول على الحد الأقصى من الإيجابيات والحد من أية سلبيات. ونحن نثق في قدرات فريقنا المفاوض إلى أبعد حد.
يقودنا هذا السياق إلى موضوع الإغراق الذي ورد في السؤال، فالخشية من الإغراق تكون لسلعة يتم إنتاجها محلياً ونرغب في حمايتها، وهنا يأتي دور المفاوض في إمكانية استثناء السلع أو الخدمات التي لا يرغب في أن تشملها الاتفاقية أو النص صراحة على استثنائها.
وبالطبع فإن هذا الموضوع ربما يقابل بالرفض من الطرف الآخر لأن المفترض في هذه الاتفاقيات هو الانفتاح الكامل بمعنى إعفاء أية منتجات أو سلع أو خدمات من أية رسوم باستثناء تلك التي تطلب الدولة عدم إدراجها. ويجوز للدولة أن تؤخر إعفاء بعض السلع والمنتجات والخدمات لمدد لا تزيد على عشر سنوات حسبما تقضي قواعد تلك الاتفاقيات.
وفي هذه الأثناء سوف يتعين علينا أن نبذل قصارى جهدنا لتطوير منتجاتنا وخدماتنا بما يضمن لها المنافسة أمام المنتجات الأجنبية فإن مبدأ التنافسية هو من صميم عناصر هذه التجارة الحرة. ولكن التنافسية سلاح ذو حدين لأنها قد تكون محفزاً جيداً للتقدم وقد تكون عاملاً محبطاً إذا لم يُحسن استخدامها.
والمستهلك في النهاية لا يهمه سوى الجودة والسعر المنافس في عالم لم يعد ينفع فيه مبدأ الحمائية والرعاية، هذا إذا التزم كل طرف بتعهداته واتفاقاته. رجل الأعمال سالم الموسى: في نظري ليس هناك تصادم بين الإغراق وتوجه الإمارات لتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول الأخرى، وذلك لأنه لو لم يكن لمنتجاتنا القدرة على الوقوف في وجه المنتجات الغربية ومنافستها لما دخلنا في مرحلة تفاوض لتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مع تلك الدول.
وأريد أن أتساءل هنا إن كانت لدينا هيئة مسؤولة عن الإنتاجية لحماية المستهلك ووضع شروط الجودة، فعلى سبيل المثال لا يمكن أن أنتج أي منتج ولا تكون لدي مرجعية، لذلك فالمطلوب هنا تفعيل أكبر لدور هيئة المواصفات والمقاييس.
كما أرى أن دول مجلس التعاون الخليجي ملزمة بسلسلة اتفاقيات قوية فيما بينها، ويجب أن تكون هناك هيئة باستطاعتنا الرجوع إليها فيما يلزم من إجراءات في حال رفض أحد منتجاتنا في الأسواق الأميركية.
ونحن في دول مجلس التعاون الخليجي نفتقر لوجود هيئة مواصفات خاصة بإتحاد دول مجلس التعاون الخليجي على غرار هيئة المواصفات الأميركية، البريطانية واليابانية .
وعلينا أيضا أن نحدد المفهوم الصحيح للإغراق: فعلى سبيل المثال إذا كان الإغراق قادما من قبل شركات عالمية معينة تريد فعلا إغراق أسواقنا بسلعة معينة عندئذ يجب التصدى لها ووضع ضوابط لمحاربتها، أما استيراد سلعة معينة لها وكلاء هنا وهي عادة ما تخضع في تسويقها للعرض والطلب فذلك لا يمكن أن نطلق عليه إغراقا.
وعلينا هنا أن نتحدث عن غلاء الأسواق، فهناك شريحة اقتصادية معينة، تقوم برفع أسعار سلع وبضائع في أسواق الدولة بصورة مبالغ فيها، ونتساءل هنا من سيتصدى للوقوف في وجه تلك الشريحة والتي تتبع سياسة »الإثراء على حساب الغير« فقانونيا لا يجوز لتلك الشريحة تطبيق تلك النظرية والعمل بها ولكن للأسف لا يوجد من يحارب تلك الظاهرة.
رجل الأعمال عيسى الأنصاري: مما لا شك فيه ان العالم يتجه نحو التجارة الحرة وإزالة الحواجز أمام التجارة في العالم وانسياب السلع والبضائع بسهولة وذلك نظراً للتطور السريع الحاصل في الاتصالات والمواصلات. فمثلاً يمكن طلب بضاعة معينة من أميركا عن طريق الانترنت وتكون البضاعة على باب منزلك خلال أيام فالتوجه نحو التجارة الحرة هو خيار لا مفر منه ولكن الخطر يكمن في فقدان السيطرة على التجارة وليست التجارة بحد ذاتها.
والحكومات هي الجهات المخولة بحماية المجتمع عن طريق فرض القوانين المنظمة لحركة التجارة وعند انحسار دور الحكومة تصبح مصلحة المجتمع بيد الشركات العالمية الكبيرة. ومن السلبيات التي سنواجهها عدم إمكانية رفض بضائع مثلاً لا تتماشى مع التقاليد والقيم المحلية أو عدم إمكانية رفض مواد غذائية معالجة جينياً، أو بضائع مصنعة في بلد أو مواصفات تضر بالمجتمع.
ضمن السلبيات عدم إمكانية حماية بضائع وخدمات محلية. ومن هنا أجد انه من المهم جداً وجود إجراءات لمكافحة الإغراق ولكن قد يتطلب ذلك أساليب جديدة في ظل العولمة وقد تختلف من قطاع إلى آخر ولكن على الحكومة ضمان حماية البضائع والخدمات المحلية في ظروف العولمة.
رجل الأعمال راشد حميد المزروعي: أعتقد أن الحكومة ستولي اهتمامها لمكافحة الإغراق باتخاذها جميع الإجراءات لحماية إقتصادها الوطني وهي تدرك ذلك .
رجل الأعمال شرف الدين شرف: أعتقد أنه من الضروري وضع سقف لحجم المواد المستوردة ووضع نظام الكوتا خاصة بالنسبة للمواد المصنعة في الإمارات وخاصة المواد الغذائية.
رجل الأعمال عبدالله بن حمد بن سوقات: بادئ ذي بدء أحب أن أؤكد أهمية إبرام اتفاقية للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة والإمارات حيث إن إبرام مثل هذه الاتفاقية سينعكس على الاقتصاد الوطني الإماراتي بشكل ايجابي من خلال السماح للمنتجات الإماراتية بالدخول إلى اكبر سوق استهلاكي في العالم
وأسرع الأسواق العالمية نموا مما سيؤدى إلى تعزيز مستوى الصادرات الإماراتية وزيادة حجم التبادل التجاري إلى معدلات غير مسبوقة وخلق فرص عمل جديدة واجتذاب استثمارات أجنبية جديدة تريد الاستفادة من المزايا التي تمنحها هذه الاتفاقية.
كما أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست أول دولة تعقد اتفاقية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة، فقد سبقتنا دول أخرى عديدة في منطقة الشرق الأوسط مثل سلطنة عمان والبحرين والأردن ومصر.
ثانياً بالنسبة لموضوع الإغراق، فأنا أشدد على أهمية اتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الإغراق. ومعنى الإغراق ببساطة شديدة هو: الحالة التى يكون فيها سعر تصدير السلعة إلى دولة معينة يقل عن قيمتها المعتادة عند تصديرها إلى دولة أخرى، وكثير من الدول اتخذت التدابير اللازمة لحماية اقتصادها الوطني من الإغراق بكثير من الوسائل أهمها: فرض رسوم جمركية أو القيود الكمية..
وقد كان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة »حفظه الله ورعاه« بعيد النظر إذا أدرك بحكمته السديدة أهمية وجود قوانين لحماية الاقتصاد الوطني لدول مجلس التعاون الخليجي من الإغراق بصفة عامة واقتصادنا الوطني بصفة خاصة ، حيث قام سموه بإصدار مرسوم اتحادي بالمصادقة على قانون النظام الموحد لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مارس من العام الماضي.
• هل انتم مع فرض رسوم استيراد إضافية على السلعة المغرقة لإزالة الضرر عن الصناعات المحلية وما الرسوم التي تقترحونها؟
عبدالله سلطان عبدالله: في ظل النظام الذي تبنته دولة الإمارات العربية المتحدة وهو الحرية الاقتصادية والانفتاح على اقتصاديات العالم وعلى عدم فرض إجراءات أو قيود معطلة أو معرقلة لحركة التبادل التجاري ضمن الضوابط التي تتماشى مع سياسة الدولة في ضمان حقوق رجال الأعمال والمستثمرين وتوجهاتها نحو دعم وتطوير صناعاتنا الوطنية
وتمكينها من منافسة السلع الأجنبية المثيلة في السوق المحلية وأسواق المنطقة وحمايتها من الإغراق المتعمد أحيانا أو غير المتعمد في أحيان أخرى وفي كلا الحالتين فإن المنتج الوطني الذي استطاع إيجاد موضع له في السوق المحلية وكسب ميل المستهلك يكون عرضة لموجات الإغراق مما يستدعي معالجة هذه الحالات وتجاوز الضرر الذي قد يلحق بالمنتجات الوطنية.
والقاعدة الرئيسية التي اعتمدتها معظم الاتفاقيات تتلخص بإجازة فرض رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية إذا اتضح من خلال التحري وجود زيادة واضحة في الواردات الإغراقية أو الواردات المدعومة سواء بصورة مطلقه أو بالتناسب مع الإنتاج أو الاستهلاك
وكذلك إذا اتضح أن أسعار تلك السلع المستوردة هي أقل بكثير من أسعار المنتجات المحلية المماثلة لها وإنها قد خفضت من سعر المنتج المماثل أو حالة دون زيادة سعره وإن نتيجة ذلك حصول ضرر بالصناعات المحلية أو هناك تهديد بالضرر قد يصيب هذه الصناعات في البلد المستورد وبذا فإن توجه دول مجلس التعاون الخليجي في إصدار قانون ( نظام ) لمكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والوقائية لدول المجلس هو ضرورة تستدعيها متطلبات المرحلة.
عبدالجليل درويش: ذكرت أن الاتجاه في العالم الآن هو الأخذ بمبدأ التحرر الاقتصادي بعيداً عن الحمائية والرعاية في تجارة المنتجات والخدمات. أو هذا على الأقل ما يفترض أن يحدث بين الدولتين الموقعتين على اتفاقية التجارة الحرة وفقاً لما تنص عليه بنود الاتفاقية،
ولكن يحدث أن يكون هناك استثناءات لبعض المنتجات حسبما يتم الاتفاق عليه أثناء التفاوض كما ذكرتُ سابقاً وهذه تخضع للرسوم التي تقررها الدولة إذا لم تكن خاضعة أيضاً لرسوم محددة بموجب أي اتفاقية إقليمية أو ثنائية أخرى.
أما في ظل وجود اتفاقيات موقعة بين الإمارات والولايات المتحدة، وهو ما يُتوقع أن يحدث في المستقبل القريب ً، فسوف نكون ملتزمين بتطبيق بنود الاتفاق ولن تكون هناك فرصة لفرض رسوم استيراد لم يُتفق عليها لحماية السلعة المغرقة وإزالة الضرر عنها.
فنحن دولة تحترم تعهداتها وتلتزم بتنفيذها. ولو أننا كثيراً ما نقرأ هذه الأيام أن هناك دولاً بالرغم من تطبيقها مبدأ التجارة الحرة، ما زالت تقوم بفرض رسوم جمركية عالية على المنتجات الأجنبية التي تنافس منتجاتها، وهو أخذ بمبدأ الحمائية.
حدث ذلك في دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً عندما قررت فرض رسوم عالية على وارداتها من الأحذية الصينية، وشكوى الولايات المتحدة من الصين أيضاً لا تتوقف، متهمة إياها بإغراق أسواقها بالسلع الرخيصة.
ولماذا نذهب بعيداً ونسوق الأمثلة ونحن أمامنا مثل حي ما زالت أصداؤه تدوي في الآفاق، وأعني بذلك صفقة موانىء دبي العالمية بشراء »بي آند أو« والتي أقامت الولايات المتحدة بسببها الدنيا ولم تقعدها. صحيح أننا لم نوقع بعد اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة ولكننا في المراحل الأخيرة من المفاوضات،
والولايات المتحدة باعتبارها رائدة العولمة ورافعة راية التجارة الحرة في العالم كان يجب أن تقبل الصفقة بتجرد وعقلانية كصفقة تجارية بحتة بعيداً عن تسييس الحدث وتغليب مبدأ الحمائية تحت ذريعة الأسباب الأمنية.
سالم الموسى: نحن لدينا صناعة وطنية نحاول تطويرها ولكن نحن مازلنا سوقاً استهلاكية نستورد من الخارج كنتيجة للأسعار وعدم وجود بضاعة ما، أو بسبب جودة بضاعة ما.
وهنا دعينا نرجع لبيت القصيد وهو ( حماية المستهلك بالدرجة الأولى ) حيث هو من يتحمل رسوم الاستيراد الإضافية، وإذا ما طالبنا المستهلك بدفع القيمة الإضافية فيجب أن يكون لديه مردود إضافي بحيث يستفيد المستهلك ولا يدفع فقط.
فلا يمكن إذا مكافحة الإغراق لأن المكافحة يجب أن تنبع من صاحب التجارة فهو من يحدد حجم العرض والطلب. وعلينا أن لا ننسى بأن اتفاقية الجات وجدت بالدرجة الأولى لحماية الدول المصنّعة .
عيسى الأنصاري: فرض رسوم استيراد هو إحدى الوسائل التي تتبعها الكثير من الحكومات لحماية المنتج المحلي ولكن قد تكون هناك وسائل أخرى لحماية المنتج المحلي ودعم الصناعات والخدمات المحلية. يجب دراسة النشاطات الحيوية للدولة وتقديم الدعم اللازم والفرصة للنمو في ظل العولمة.
راشد حميد المزروعي: لابد وأن تكون هناك حماية للمنتج الوطني إذا ما تعرض للإغراق، وقد تكون هناك رسوم استيراد إضافية بمستوى الضرر. شرف الدين شرف: لست مع فرض رسوم إضافية على السلع الغرقة حيث أن ذلك يتعارض مع سياسة الدولة عامة في فرض رسوم.
عبدالله بن سوقات: بالطبع من حق كل دولة اتخاذ التدابير وسن القوانين اللازمة لحماية صناعتها الوطنية، وأنا بالتأكيد أؤيد فرض رسوم استيراد إضافية على السلعة المغرقة في حالة إثبات حدوث إغراق حسب القوانين المنظمة لذلك.
و بالنسبة للرسوم الإضافية فمن الصعب تحديدها في الوقت الحالي لأنها تختلف طبقاً لكل حالة على حدة وتعتمد على عدة عوامل منها: هامش الإغراق المحتسب كنسبة من سعر التصدير، طبيعة السلعة المغرقة وما إلى ذلك.
• برأيكم ما التأثيرات السلبية المحتملة من جراء توقيع اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والتي ستضاعف حرية انسياب السلع والخدمات بين الدول الموقعة ؟
عبدالله سلطان عبدالله: من المعروف أن معظم دول العالم هي الآن قد انضمت إلى منظمة التجارة العالمية (WTO ) ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة ومن أولى خطوات هذه المنظمة تحرير التجارة العالمية وإلغاء التعرفة الجمركية لذلك فإن احتمالات السلبية والإيجابية واردة وتتفاوت حسب متانة وقدرة اقتصاديات الدول وخاصة النامية أو تلك التي ما زالت في طريقها إلى النمو.
عبدالجليل درويش: قبل أن نتناول التأثيرات السلبية يجدر بنا أولاً أن نشير إلى بعض النقاط الإيجابية. فلا شك أن الاتفاقية ستكون لها ايجابيات عديدة نذكر منها على سبيل المثال أن الاتفاقية سوف تؤدي إلى تدعيم الروابط الاقتصادية بين دولة الإمارات والولايات المتحدة، والمعروف أن ربط أي اقتصاد في العالم باقتصاد الولايات المتحدة الذي يعتبر أكبر اقتصاد في العالم يؤدي بالتالي إلى مضاعفة حجم اقتصاد ذلك البلد وتقويته.
كذلك ستؤدي الاتفاقية إلى فتح الأسواق الأميركية أمام الصادرات الإماراتية وعلى وجه الخصوص الصناعات الوطنية المهمة مثل البتروكيماويات والألمينيوم مما يؤدي إلى زيادة إنتاج هذين القطاعين بجانب القطاعات الأخرى بالطبع، التي تبحث عن أسواق كبيرة بحجم الأسواق الأميركية.
كذلك يمكن أن تؤدي الاتفاقية إلى زيادة التنافسية في أسواق الدولة واتباع معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بالشفافية مما يزيد من جاذبية الدولة أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ولكن في المقابل هناك بعض الأمور التي سوف تكون الدولة مُلزمة بتطبيقها بموجب الاتفاقية والتي ربما تدخل تحت التأثيرات السلبية التي يشير إليها السؤال.
منها معاملة الشركات الأميركية معاملة الشركات الوطنية، وكذلك معاملتها على نفس مستوى معاملة الشركات التي ترتبط دولها بعلاقات خاصة مع الإمارات بموجب اتفاقيات ثنائية أو إقليمية كشركات دول مجلس التعاون مثلاً، وهو ما يطلق عليه بمعاملة الدولة الأولى بالرعاية.
وتندرج تحت هذين البندين أمور كثيرة فرعية نذكر منها أن يكون من حق الشركات الأميركية شراء وتملك الأراضي في الدولة وعدم اشتراط أن يكون غالبية أعضاء مجالس إدارة الشركات المساهمة مواطنين، وتملك حصص في الشركات تزيد على النسبة التي حددها قانون الشركات للأجانب وهي 49%،
وهذان البندان، عضوية مجالس الإدارة ونسبة تملك الحصص يتعارضان مع قانون الشركات الحالي. كما تتطرق الاتفاقية إلى العمالة وربما وضع حد أدنى للأجور مما قد يؤدي إلى زيادة تكلفة الصناعات المحلية.
يتضح مما سبق أن الاتفاقية تتطرق إلى العديد من الأمور في مختلف جوانب النشاط الاقتصادي وسوف تغير كثيراً من المفاهيم، وعلينا أن ندرك أننا أصبحنا في عالم يختلف عن عالم الأمس ولا بد أن نستفيد من إيجابياته ونحاول قدر الإمكان أن نتفادى أو على الأقل نخفف من سلبياته بحيث تكون المحصلة النهائية لصالحنا وهذا هو جوهر أي اتفاق بين طرفين، كلٌ يقيسه من وجهة نظره ووفقاً لمصالحه.
وكما قلنا ثقتنا كبيرة في فريقنا المفاوض في تحديد الأولويات التي تعود على الدولة بالنفع وتأثير الاتفاقية على جميع القطاعات الاقتصادية والصناعية وغيرها وكذلك تحديد ما يمكن القبول به من عدمه من مطالب الطرف الآخر
سالم الموسى: من الأمور السلبية في نظري؛ افتقادنا لهيئة مواصفات للسلع والبضائع مقارنة بالولايات المتحدة،
حيث أننا نوصف بكوننا دولة استهلاكية فيما تعد الولايات المتحدة دولة صناعية، لذلك أرى أنه إذا ما أردنا الاتجاه للتصنيع علينا التوجه نحو التصنيع الجماعي وليس الفردي، وعلى دول مجلس التعاون تحقيق ذلك الهدف، ولكن مع الأسف الشديد دول المجلس تروي البعيد ونظمي القريب. كما يجب أن يكون للتجارة البينية بين دول المجلس آلية كبيرة تصب في المصلحة العامة لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي.
عيسى الأنصاري: أكبر التأثيرات السلبية هي تحول سلطة حماية المنتج من الحكومة إلى الشركات العالمية. صحيح أننا في دولة الإمارات نتميز بتطبيق نظام اقتصادي حر ولكن يجب أن نتنبه إلى أن الحرية المطلقة ليست دائماً في صالح المجتمع وهنا لا اعني الجانب المادي فقط وإنما الجوانب المعنوية والمبادئ والقيم التي قد تصبح ضحية العولمة وقد تضيع في ظروف تنافس الشركات على الربحية والتفوق في المبيعات.
يجب أن نكون حذرين أن لا يتم استغلال حرية انسياب السلع والخدمات إلى وسيلة لتهميش دور القيم الأصيلة للمجتمع وأيضا ألا نسمح للشركات العالمية باستغلال حرية التجارة لتمرير بضائع لا تكون لمصلحة المجتمع، سلبية أخرى هي الاتفاق المنفرد فأنا مع الاتفاق الخليجي كمنطقة واحدة عندئذ سيكون موقفنا أقوى.
أما سلبية أخرى فتكمن في تأثير العولمة على أرباح الشركات المحلية بسبب التنافس والتي قد تؤثر سلباً على خطط هذه الشركات في توظيف وتنمية الطاقات البشرية المواطنة وبالتالي تأثيرها على المواطنين من ناحية حصولهم على فرص الوظيفة المناسبة والتطور الوظيفي.
راشد حميد المزروعي: أعتقد أن التأثيرات السلبية من جراء توقيع الإمارات لاتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة سيكون محددا. شرف الدين شرف: في اعتقادي أن دولة الإمارات ستكون من الدول المستفيدة في المجال الصناعي لأن حجم وارداتها خلال العام في ارتفاع وحجم الاستثمارات الدولية في القطاعات المختلفة في ازدياد مما سيشجع على هذا النمو.
عبدالله بن سوقات: في رأيي أن أهم السلبيات المتوقعة لهذه الاتفاقية خصوصا المترتبة على حرية انسياب السلع والخدمات بين الدول الموقعة هي تحويل التجارة وهو أمر معروف في الاقتصاد بمعنى انتقال حجم التبادل التجاري من المورد الأقل تكلفة »الأكثر كفاءة« خارج منطقة اتفاقيات التجارة الحرة إلى مورد أكثر تكلفة »أقل كفاءة« داخل منطقة اتفاقيات التجارة الحرة،
لذلك من الممكن أن نجد أن مسار تحويل التجارة قد أصبح أعلى من زيادة التجارة بعد توقيع الاتفاقية، لذلك يجب على الدولة أن تدرس إمكانية عقد المزيد من اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية الجديدة مع دول أخرى تمثل وجهات تصدير رئيسية للدولة والذي سيساهم جلياً في تخفيض مخاطر »تحويل التجارة«.
٭ التوقعات بتأثير الإغراق إذا ما حدث على النشاط التجاري بالدولة
عبدالله سلطان عبدالله: الإغراق السلعي قد يحدث على صعيد سلعه معينة أو مجموعة سلعية ولا يمكن أن يحدث على مستوى جميع فروع النشاط التجاري مجتمعة وبذا كان آثاره ستكون جانبية تنعكس على تلك السلعة أو المجموعة السلعية فان تكون منتجات الدواجن والبيض أو مجموعة الألبان أو مادة الاسمنت ومواد البناء، الملابس الجاهزة أو ما شابه ذلك،
وإن الإجراءات الاحترازية في مثل هذه الحالة ممكنة والحقيقة أن الإمارات تتعامل تجاريا مع مختلف الدول والمناشئ وبذا توجد في الأسواق مئات البدائل للسلعة والمجموعة السلعية الواحدة المعرضة للإغراق حيث يبقى الاختيار مفتوحا أمام رغبات التاجر أو المستهلك في شراء سلعته في ظل معطيات عديدة أهمها الأسعار أو الجودة أو بلد الصنع أو الماركة التجارية. وبذا فان أسواق الإمارات كانت ولا تزال ميدانا لمختلف المنتجات السلعية التي غالبا ما تأخذ طريقها الخارج من خلال إعادة التصدير.
عبدالجليل درويش: أشرنا إلى موضوع الإغراق قبل ذلك وقلنا ان كل دولة تسعى إلى حماية منتجاتها بشتى الطرق المشروعة ولها في سبيل ذلك أن تسن من القوانين والأنظمة ما تشاء بما في ذلك فرض رسوم جمركية وخلافه على الواردات ولكن علينا في هذه الحالة أن نأخذ في الاعتبار عدة أمور أولها ألا تكون الدولة مرتبطة باتفاقيات ملزمة تمنعها من اتخاذ هذه الخطوة
وثانيها ألا تؤدي هذه الإجراءات إلى المغالاة في تطبيق مبدأ الحماية والرعاية للمنتج وثالثها ألا يمنعنا ذلك من تطوير منتجاتنا للتفوق على مثيلاتها الواردة من الخارج وأعتقد أن هذه الأمور كلها مأخوذة في الاعتبار في الإمارات. فاقتصاد الإمارات اقتصاد حر أصلاً ولا توجد قيود تُذكر على استيراد السلع في سوقنا المفتوح لكل منتجات العالم
ونحن نطبق أعلى معايير الجودة في منتجاتنا وخدماتنا وفي كل مشاريعنا بما ينافس أرقى المستويات في العالم. إذن لا خشية من احتمال حدوث إغراق، والمهم أن نواصل مواكبة التطور المتسارع الذي يشهده العالم، فمعايير الجودة اليوم غيرها بالأمس وبالتأكيد ستختلف غداً وعلينا أن نواصل المسيرة بثقة نحو الأفضل كما عهدنا دائماً.
سالم الموسى: أولا، لا أعتقد أن الإغراق سيحدث إذا ما وقعت اتفاقيات التجارة الحرة للإمارات مع دول العالم، وإذا ما وقعت الدولة ذلك النوع من الاتفاقيات سيكون توقيعها مبنياً على أسس مدروسة من قبل المسؤولين بالدولة وفي النهاية هم من سيتحمل مسؤولية هذا التوقيع.
وعادة في أمور كهذه يكون المختص بها وزارة التجارة والصناعة بعد التمحيص والدراسة المستوفية وبعد التوصل إلى نتائج ترسل تلك النتائج إلى غرف التجارة والصناعة بالدولة والتي تقوم بدورها بإعلام التجار عما ستقوم بصدده الوزارة،
وتسأل هؤلاء التجار إن كانوا يرغبون بالإدلاء بدلوهم في هذا الموضوع ومن ثم تقوم الغرف التجارية بالدولة باستدعاء التجار ممن يرغبون بالتعبير عن وجهة نظرهم ومن ثم تقوم كل غرفة تجارية في كل إمارة من إمارات الدولة بوضع توصياتها ومن ثم يتم تقدم إلى وزارة الاقتصاد بالدولة.
عيسى الأنصاري: الدولة تعتمد على نظام الاقتصاد الحر والمنافسة لتقديم الأفضل ولذلك لا نجد الكثير من الحواجز والرسوم المفروضة على استيراد البضائع والسلع أصلا ومن هذا المنطلق لا أرى تأثيراً سلبياً كبيراً على النشاط التجاري وبالعكس قد يساعد على زيادة حركة التجارة ولكن كما ذكرت يجب الانتباه إلى نوعية التجارة، أما من ناحية الإغراق فلكل نشاط حالته الخاصة والتي يجب دراستها وحماية الأنشطة الحيوية للاقتصاد الوطني.
راشد حميد المزروعي: يجب علينا توقع تأثير الإغراق، وعلينا أن نبادر باتخاذ ما يلزم، والتجار في الإمارات يعرفون ذلك.
شرف الدين شرف: سيكون تأثير الإغراق ضيقا بالنسبة لدولة الإمارات لأن التجارة فيها حرة ولا توجد أي قيود البتة على أي واردات إليها وفي حال التوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة سيتم تنظيم الحركة المتبادلة بين الطرفين.
عبدالله بن سوقات: إذا ما حدث إغراق على أي من الصناعات الوطنية، سيؤدي ذلك بالطبع إلى تحقيق هذه الصناعات خسائر وذلك لانخفاض حصتهم السوقية نتيجة لدخول المنافسين الأجانب السوق الوطني ومنافسة المنتجات الوطنية بأسعار منخفضة ولنا في السوق السعودي خير مثال على ذلك، إذ منيت صناعات الدواجن بخسائر ضخمة في عام 2003 نتيجة استحواذ المنافسين الأجانب على الحصة الكبرى من السوق السعودي بالإضافة إلى عدم وجود التشريعات المناسبة (في ذلك الوقت) لمكافحة الإغراق.
استطلاع كفاية أولير:
