ما بال عاصمة الضباب ضاقت ذرعاً بتقاليدها وعراقتها التاريخية.. ما بالها دبت بها الغيرة من غلاسكو الاسكتلندية عاصمة الحداثة ودبي الإماراتية عاصمة الأبراج؟

لا بل ما بال دليلتنا اللندنية آن مارك تصر على التباهي بين جملة واخرى بدولاب «لندن آي London EYE» الضخم الذي يكشف من كبائنه معالم لندن بالعين المجردة، والتذكير بإلحاح ببرج «جيركن» الزجاجي البيضاوي كرمز للحداثة في لندن؟

انني أدرك تماماً أن هذا التقديم لن يرضي قليلا أو كثيراً رفيقنا ومرشدنا في الرحلة اللندنية مدير الإعلام والعلاقات العامة في هيئة السياحة البريطانية في الإمارات محمد منصور، ولكنني واثق تمام الثقة بروحه الديمقراطية العالية وبحسه المهني المرهف.

رحلتنا السياحية إلى لندن كانت تحت عنوان «الترويج لموسم التسوق» في العاصمة البريطانية، وهي تمت بدعوة من هيئة السياحة البريطانية بالتعاون مع طيران الاتحاد وسلسلة فنادق «ستار وود» حيث بدت ان مارك دليلنا السياحي في أول أيام وصولنا إلى لندن، مترددة في ان تملي علينا ما يعرفه بعضنا، وما لا يريد ان يعرفه بعضنا الآخر، عن أشهر معالم المدينة التاريخية واعرق متاجرها التي يقصدها العرب عادة.

ولأنها مرشدة سياحية مؤهلة ومن حملة الشارة الزرقاء كان لابد لآن من ان تقوم بالمهمة التي تكفلت بها، وهي بذلت جهدا في اضفاء بعض الحماس على نمطية سردها، حين راحت تروي عن بعض المعالم الحديثة في لندن وعن أسواق المال فيها.

قراءتنا السلبية في حماس آن مارك المفتعل تراجعت حين التقينا أدريان بيفن مدير تنمية الانتاج السياحي في هيئة السياحة البريطانية في لندن، عند أبواب متحف (V&A) أي متحف فيكتوريا والبرت، والحق يقال ان بيفن هو كتلة من الحيوية في حركته وفي وضوح شروحاته أما زيارتنا الى هذا المتحف فقد اكتسبت أهميتها من الإعلان عن الاستعدادات لافتتاح «غاليري الجميل للفنون الإسلامية» في 20 يوليو 2006.

ولأن الجهات البريطانية المعنية تعلق أهمية خاصة على مهرجان الثقافة الإسلامية الذي انطلقت فعالياته في مطلع العام 2006 (يناير)، وتعتبر انه يمثل انفتاحا مثمراً على الإسلام والمسلمين، فقد كانت محطتنا في متحف فكتوريا والبرت طويلة ومثلت المحاضرات التي خضعنا لها ردا غير مباشر على مقولات كثيرة، ربما كان أبرزها ان التحالف السلبي الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا ضد المصالح العربية في فلسطين والعراق، انما هو تحالف ضد الإسلام في ابعاده.

الأجواء الأكاديمية والنظرية التي عشناها في متحف (V&A) نجح ادريان بيفن في تطعيمها بعضا من حيويته وديناميكيته، حين كان يقاطع نمطية المحاضر بأسئلته وطروحاته مستعينا بما أكتسبه من الحياة العملية التي عاشها خلال فترة عمله في هيئة السياحة البريطانية في دبي.

خارج هذا الاطار، لابد من الاعتراف بأن متحف فيكتوريا والبرت، هو متحف يتمتع بلمسات من الحداثة بما تضمه أجنحته من مؤشرات لتطور الكثير من التصاميم التي استخدمها ويستخدمها الإنسان في حياته اليومية كالأثاث والمفروشات والأزياء وأدوات الزينة وحتى الأدوية وصولا إلى صالة العرض والبيع الخاصة بالمتحف والتي تعيدنا إلى أجواء التسوق اياها.

حيوية ادريان بيفن طالت جولة رافقنا خلالها في «سوق بوروخ» الشعبي الذي أصبح معلما من معالم لندن ومقصدا لجميع الطبقات حيث يرتاده الغني والفقير وصاحب الدخل المتوسط، إلى جانب السياح والمشردين والعشاق.

الصدر الرحب لمدينة لندن تستطيع أن تلمسه من ارتفاع 132 مترا تحملك إليه مقصورة «لندن آي» التي تشبه كابينة «التلفريك» حيث يمكنك ان تستمتع بآفاق عاصمة الضباب وروعة مبانيها التاريخية إذا كانت الرؤية منقشعة،

إلا انك لا تلبث ان تخرج من أحلامك ومن مشاعر الراحة التي تنتابك بمجرد هبوطك وانتقالك إلى زحمة شارع اوكسفورد، مهد التسوق العربي، لا بل العالمي. والحق يقال ان العرب عموما، والخليجيين خصوصا،

مارسوا ويمارسون التسوق في لندن وغيرها من العواصم الأوروبية المعروفة، منذ ان اقتلعتهم سياحيا الأحداث المتعاقبة على العواصم العربية في مصر ولبنان وسوريا والعراق وعلى الرغم من ذلك فان مهرجانات التسوق هذه لم تغير كثيرا في المعادلات السياسية السلبية التي تحكم العلاقة بين الغرب والإسلام منذ احداث 11 سبتمبر 2001،

ولذلك فان السؤال الذي يبقى قائما هو: هل مهرجان الثقافة الإسلامية في لندن الذي تمتد فعالياته على مدى نصف عام، ويتوج بافتتاح غاليري الجميل للفنون الإسلامية في «متحف فيكتوريا وألبرت» سيتمكن في النهاية من تصحيح الخلل الذي أصاب المعادلة الحضارية بين الغرب والإسلام؟

لندن ـ غسان الحبال