»الديمقراطية والرأسمالية تسيران جنباً إلى جنب منذ نهاية الحرب الباردة« تلك حكمة قالها البعض وترتب على ذلك أن حرية التجارة وحرية حركة رأس المال تفيد جميع الدول.
غير أن هذه الحكمة تجد من يطعن فيها الآن في كل من أميركا وأوروبا، المصدر الرئيسي لها. فقد عادت رياح الحمائية والمخاوف من جديد بسبب ضغوط البطالة الناتجة عن المنافسة الأجنبية.
وبدأت السياسة والوطنية المبالغ فيها تحل محل اقتصاد السوق خاصة في مجال الاستثمارات الأجنبية وازداد عدد المطبات على أرض العالم التي كانت منبسطة أمام حرية تنقل رأس المال.
وطغت في العامين الماضيين قضية السيطرة الأجنبية على شركات أميركية وأوروبية على أسواق رأس المال والأنظمة السياسية، وآخر الأمثلة على ذلك قضية شركة كنوك الصينية للطاقة التي سعت إلى شراء شركة بترول أميركية.
هي أونوكال ورفضها الكونغرس الأميركي وقصة موانئ دبي العالمية التي انتقلت إليها موانئ أميركية بناء على شراء الأولى لشركة بي آند أو البريطانية وتعرضت أيضاً لحائط الصد في الكونغرس الأميركي.
وفي فرنسا تدخلت الحكومة في العام الماضي لحماية شركة دانون لمنتجات الألبان من براثن شركة أميركية كانت تريد شراءها وتحاول فرنسا حالياً حماية شركة سويز الفرنسية البلجيكية من البيع لشركة إينل التي تسيطر عليها الحكومة الإيطالية.
وتسعى شركة ميتال للصلب المملوكة لعائلة هندية إلى شراء أرسيلور الأوروبية للصلب لكن الصفقة تواجه معارضة شعبية قوية.
وفي بريطانيا ثارت شائعات حول اهتمام شركة جازبروم الروسية بشراء شركة غاز بريطانية مما أثار عواصف من المعارضة.
وتقول صحيفة هيرالد تريبيون إن هذه التطورات تعكس تحولاً كبيراً في الثروة العالمية وسوف يعاد تدوير رأس المال الذي تراكم لدى الدول المصدرة الرئيسية في العالم (الصين واليابان والدول المنتجة للبترول) في شراء أصول أميركية والاستثمار في اقتصاد دول العالم النامية.
في أميركا الاعتماد على رأس المال الأجنبي لتمويل عجز شديد جداً لدرجة أن الإجراءات الحمائية يمكن أن يكون لها تأثير كارثي على الاقتصاد الأميركي إذا سعت أميركا إلى خفض تدفق الأموال الأجنبية إليها.
ومن جانب آخر تعرضت صفقة موانئ دبي العالمية لمخاوف بشأن الأمن القومي، التي يمكن تبريرها باحتمالات تعرض الموانئ الأميركية للخطر فقد عارضت رياح الحمائية في الكونغرس لصفقتي موانئ دبي العالمية وكنوك الصينية لأنها كان لها علاقة بأصول أميركية حساسة من وجهة النظر الأميركية .
وعلاوة على ذلك هناك اختلاف يتغاضى عنه كثيرون بين استثمار كيان تابع لحكومة أجنبية مثل كنوك الصينية أو موانئ دبي العالمية، وبين استثمارات الشركات الأجنبية الخاصة فعندما يدخل في اللعبة شركات حكومية تنقلب القواعد وقد يكون للشركات الحكومية أغراض غير تجارية تعود لحكوماتها.
غير أنه على أي حال في وضع أميركا، فإن الصفقات التي ظهرت حتى الآن هي مجرد قمة الجبل الجليدي الغاطس في المياه. فسوف يتراكم لدى الصين قريباً فائض قيمته تريليون دولار أميركي واقتربت اليابان والدول المنتجة للبترول أيضاً من هذا الرقم في فوائضها.
وفي الوقت الذي تسدد فيه أميركا عجزها المالي والتجاري بسندات الدين للبنوك الأجنبية فسوف يقرر الذين يقرضونها من الأجانب إن آجلاً أو عاجلاً الاحتفاظ بهذا الفائض في شكل أسهم بدلاً من سندات الدين الأميركية وإذا حدث ذلك قد يتضاءل أو حتى يتقزم رد الفعل الذي ثار حول صفقة موانئ دبي العالمية بالنسبة لرد الفعل على ذلك.
وملاحظة ذلك ليس نوعاً من الخوف المرضى من الأجانب بل حان الوقت للتفكير فيما يعنيه ذلك لأميركا وما هي الآليات للتعامل مع هذا الوضع والآثار السياسية والأمنية والاجتماعية على ما يمكن أن يحدث.
وتمارس الشركات الأميركية نفوذاً على الحياة الاجتماعية والسياسية في أميركا فهي الآن أكثر من مجرد مؤسسة لإنتاج السلع وتسويقها فهذه المؤسسة التجارية لها نفوذ سياسي من خلال تنظيم الأعمال في الداخل وجماعات الضغط، فهي تؤيد ممثليها عن الولايات، وتدعم المنظمات غير الربحية مثل الصليب الأحمر والكشافة ومؤسسات دينية وتعليمية.
لذلك يثير بيع شركة أميركية لشركة أجنبية قلقاً يتطلب انتباهاً حذراً، فهي ليست مجرد كيان اقتصادي بل هذا البيع يعني تغييراً اجتماعياً ونفوذاً سياسياً في سلطة اتخاذ القرار.
والسيطرة على الشركات دائماً قضية حساسة، والسيطرة الأجنبية أكثر حساسية، وإذا كانت الشركة المسيطرة حكومية تزداد الحساسية، حتى في الولايات المتحدة أكثر الدول انفتاحاً أمام رأس المال الأجنبي، هناك حدود للملكية الأجنبية في قطاعات مثل الدفاع والطيران والإعلام.
ولم تواجه أميركا منذ القرن الـ 19 استثمارات محتملة تابعة لحكومة أجنبية بهذه الكثافة لكن هذا الاحتمال قد يتحقق من الصين في السنوات القليلة المقبلة.
ومكنت مشتريات الصين من سندات الخزانة الأميركية الولايات المتحدة من تمويل وارداتها من السلع الصينية وإن آجلاً أو عاجلاً قد تفكر الصين في استثمارات أكبر أثراً لأموالها وقد يأخذ ذلك شكل الاستثمار في الأسهم الأميركية وبالتالي امتلاك حصص سيادية في شركات أميركية.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى التفكير بشكل أعمق في سياسات لمواجهة هذا الوضع وانتقال الأصول الأميركية لمالكين أجانب بلا مشكلات ويتوافق مع المصالح السياسية والاقتصادية الوطنية في الوقت نفسه.
ترجمة: أشرف رفيق