لم يعد الأمر يقتصر على سرير مريح وموظفة استقبال لبقة. ليس تماما، ومسوّقو الفنادق في دبي، والإمارات بشكل عام، لم يتخلوا عن اعتقادهم الراسخ أن الوردة على الوسادة وقطعة الشوكولاته، كما لباقة الابتسامة، أمران ضروريان وأساسيان، إلا أن هناك ما هو مواز في الأهمية.
المنافسة شديدة، المساحات تتسع كل يوم لاستقطاب أفخر العلامات التجارية في قطاع الفنادق بالعالم، هناك مدن كاملة تشيّد من أجل هذه الغاية، وما على الراغب بالتأكد الا تفحص اللوحات الاعلانية على طول طريق الشيخ زايد ومصادفة أسماء لفنادق، لم نكن نعرفها إلا عبر كتب السياحة وأدلتها، حتى وقت قريب. م
ن جهة أخرى، توقعات المستهلك لا أحد يردعها عن الصعود، بحرارة التطلب وحماسة «الانفلاش». ما كان كافيا قبل خمس سنوات من اليوم، لم يعد مقبولا لعميل الفندق في يومنا هذا. ما كان رائعا ومبهجا صار تقليديا، وانزوت فنادق كثيرة تكاسل مسوقوها عن مواكبة مؤشر توقعات المستهلك الذي لا تعرف له قمة ولا يلحظ له رأس.
في الآونة الأخيرة، خطت مجموعة من الفنادق، في دبي وأبوظبي، خطوات لافتة على مسيرة تطوير واتباع استراتيجيات تسويقية جديدة، تشمل برامج خدمة العملاء والجودة واعطاء أبعاد جديدة جاذبة لعلاماتها التجارية، كما توسيع شريحة العملاء المستهدفين وعقد الشراكات التسويقية، وصولا إلى تسويق الفندق بوصفه وجهة «بيئية» أو «ترفيهية» تربح الجوائز أو «اقتصادية» توفّر المال. فيما يلي، استعراض لبعض تلك التجارب.
«المرفأ» بأبوظبي.. وأنياب الفيلة
حين فكّر القيمون على فندق «المرفأ» في أبو ظبي بالتجربة التسويقية الأمثل التي بإمكانها أن تجذب العملاء إليهم، اكتشفوا أنه كل ما يتوجب عليهم فعله هو الخروج إلى أقرب شرفة والتأمل في المنطقة التي تحيط الفندق. على مساحات واسعة، تمتد حدائق غنية بتنوع هائل من الحياة الفطرية والنباتية والحيوانية النادرة.
بعض الطيور التي شوهدت في سبتمبر الماضي في محيط الفندق، هي من الطيور المهاجرة والمقيمة التي يبحث عنها الخبراء ويتابعون مسيرتها من مكان إلى آخر. هي طيور نادرة. بعض الحيوانات التي يظن كثر أنها انقرضت، سيكون من المفاجئ التعرف عليها مختبئة في مكان ما من حدائق الفندق، أو جزر المحميات الطبيعية المحيطة به والقريبة منه.
واليوم، حين تزور «المرفأ»، الذي يتكون من 50 غرفة ويبعد 160 كيلومتراً عن مدينة أبوظبي، سيبادرك موظف لطيف في صالة الفندق باهدائك كتابين يحتويان مجموعة خلابة من الصور والمعلومات عن الحياة البرية والفطرية والنباتات المحيط بمنطقة الفندق.
وحال استلامك الكتابين، الذين استغرق اعدادهما سنة كاملة من الدراسة والتطوير، سوف تكون قد استلمت على الفور راية «السياحة البيئية» (ايكو توريزم) التي تشهد اقبالا متزايدا في دولة الإمارات.
في هذا السياق، يقول علي صالح، مدير الفندق، إن «المنتج البيئي بات يشكل ركيزة أساسية في المنتج السياحي، الا أن الأمر لم يصل بعد إلى تحول كامل من سياحة الشمس والشواطئ إلى السياحة البيئية».
وعلى الرغم من ذلك، فكثير من زيائن الفندق يمكن تصنيفهم ب«العملاء الأوفياء» الذين يترددون على المكان باستمرار ويخبرون أصدقاءهم: «نستهدف بالدرجة الأولى الشريحة العائلية التي تهتم بقضاء وقت لطيف في بيئة نظيفة، كذلك الراغبين بالاكتشاف والمتحمسين لتجربة الحياة البرية والنباتية وأخبار الحيوانات والطيور النادرة.
أما المهتمون بالآثار والأحفورات القديمة، فسيجدون في المنطقة القريبة من الفندق أنياباً لأفيال وأحفورات أخرى يعود تاريخ اكتشافها إلى 5 ملايين سنة». «القليل من الأشخاص تمكنوا من تجربة الاطلاع على الحياة البرية والفطرية الطبيعية في هذه المنطقة.
والانهماك في العمل يقف عائقاً أمام الحصول على فرصة التمتع بمشاهدة الصحراء ورمالها الذهبية. وتأتي كتبنا البيئية كأداة تعليمية ووسيلة ممتعة لاكتشاف ما تخفيه الطبيعة في المنطقة المحيطة بالفندق».
هكذا، استفاد الفندق، الذي تتم ادارته من قبل فنادق ومنتجعات دانات وهي قسم تابع للمؤسسة الوطنية للسياحة والفنادق في إمارة أبوظبي، من المجال الطبيعي الحيوي النادر لموقعه، واستطاع أن يسوق تلك الإمكانيات الطبيعية في منتج فندقي متكامل،
لا يخلو من وجوه الإثارة والمعرفة والترفيه: «يأتينا طلاب المدارس ونوزع عليهم أدلة عن الحيوانات والطيور والنباتات، يأخذونها معهم إلى الصف ويطلقون نقاشا مفيدا حول محتوياتها»، يقول صالح مشيرا إلى توسيع مروحة الهدف «التارغيت» الذي يركز عليه الفندق، ليشمل أكثر من شريحة: «يأتي الناس إلى الفندق، يقيمون فيه، يتعرفون على محيطه،
كما نصحبهم أيضا إلى جزر المحميات القريبة، التي اتفقنا مع هيئة السياحة في أبوظبي على أن تكون الزيارة اليها جزءا من منتجنا الفندقي، ولاقت الخطوة استحسانا كبيرا من قبل زوار الفندق وزبائنه».
«أردنا أن نخوض تجربة لافتة وحضارية تعكس كيف يصبح مفهوم المحافظة على البيئة جزءا من التجربة الفندقية»، يقول علي، منتظرا النتائج «لأنه في حال نجاحنا، قد نعمد إلى مضاعفة الإمكانات المادية لتطوير مشاريع أخرى منوعة». الفندق قريب من البحر، وقد تدخل الأسماك قريبا إلى «كاتالوج المرفأ للحياة الطبيعية المتنوعة».
«ريتز كارلتون دبي» وجنرال التفاصيل الذهبية
«التفاصيل يسكنها الشيطان». تلك مقولة غير نهائية. وفندق «ريتز كارلتون دبي»، لشدة اعتنائه بسياسة التفاصيل الدقيقة، يثبت عدم نهاية تلك الفترة، بل وأهمية التفاصيل وملائكيتها. الموظفون الذين يستقبلونك في المنطقة، يعلمونك على الفور دروسا صارخة في حسن خدمة العملاء وذكاء التعامل معهم.
«برقاي» التركي العامل في مطعم «لابي»، ميخائيل الفنزولي مدير المطعم، لوري التي تعكس ذكاء وجمالية مهنة العلاقات العامة، ثلاثة من فريق متكامل يوحي بأن التجربة الفندقية تستطيع أن تتسع لتشمل الحكايات كلها: الثقافة، التاريخ، الراحة، الهدوء، العناية و«التدليل».
العناية بالتفاصيل، عادة قديمة متجددة في المعجم التسويقي، ورغم أن سلسلة الفنادق التي تدير حاليا 60 فندقا فاخرا في أفريقيا وآسيا ومنطقة الكاريبي وأوروبا والشرق الاوسط وأميركا الشمالية، تواكب أحدث الخطط في عالم التسويق وخدمة العملاء، الا أنها تعتبر أن «جودة العناية بالتفاصيل هي الأهم».
لذلك لا عجب أن تعلق على صدر «ريتز كارلتون» نياشين ذهبية من هيئات عالمية ومحلية. فالشركة، من جهة، هي الوحيدة في العالم التي حصلت على جائزة مالكولم بالريدج الفاخرة للجودة مرتين، في العامين 1992 و1999.
ومن جهة أخرى، وعلى مستوى الإمارات، حاز فندق الريتز-كارلتون في دبي على جائزة دبي للجودة 2005 من الفئة الذهبية، ليكون أول فندق في دولة الإمارات العربية المتحدة يحصل على هذا التقدير الرفيع منذ اطلاق الجائزة عام 1994.
وتنبع أهمية الجائزة، التي تأسست تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ورئيس دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، من كونها تقوم على تقييم تسع نقاط من خلال مجموعة من الخبراء والمحكمين لدى جائزة دبي للجودة وهي القيادة، والسياسة والاستراتيجية، وإدارة العاملين والنتائج، والشراكة والموارد والاجراءات.
وساهمت الممارسات الفضلى المتبعة وفق المعايير المحلية والعالمية في كل الاجراءات بحصول فندق الريتز-كارلتون، دبي على تقدير مستمر في فئات خدمة العملاء والحماس للعلامة.يقول المدير العام الإقليمي ونائب رئيس شركة فنادق الريتز-كارلتون لمنطقة الشرق الأوسط مارك داردين: «التفاصيل تؤدي إلى الجوائز.
وحصولنا على الذهبية كأول فندق في تاريخ الجائزة، وادراجه في هذه القائمة الراقية التي تبرز أهم المؤسسات في الدولة، يعتبر شرفا كبير يعزز الاطراء المستمر الذي نلقاه من قبل نزلائنا يوميا. ان حصولنا على هذه الجائزة يؤكد أن التزامنا تام بجودة الخدمات التي نقدمها».
استهداف الباحثين عن «النجوم الثلاث»
وتتجه التجربة الفندقية في الإمارات، إلى طرح نموذج قيادي في المنطقة، في مجال تعميم تجربة فنادق الميزانيات المحدودة، وتطويرها. ويتوقع خبراء الفنادق بأن يكون هذا القطاع هو الفائز بحقبة النمو المستقبلي في قطاع الفنادق لاستقطاب الضيوف والزوار لمنطقة الشرق الأوسط.
يقول كريس مولوني، رئيس قسم العمليات في مجموعة فنادق انتركونتيننتال: «يعاني سوق الفنادق من فجوة كبيرة تتمثل قلة عدد الفنادق الاقتصادية، والتي تعد مهمة جداً من أجل المحافظة على زيادة نمو عدد زوار منطقة الخليج خلال السنوات العشر المقبلة».
ومع نمو شريحة الطبقة المتوسطة في دول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى ازدهار عدد السائحين القادمين من الدول العربية، بادرت انتركونتيننتال إلى تقديم سلسلة فنادق اكسبريس ان في منطقة الشرق الأوسط، وسيتم افتتاح أول فندق هوليدي اكسبريس في قرية المعرفة في دبي العام المقبل،
وسيحتوي الفندق على 240 غرفة، وتنوي المجموعة التوسع وافتتاح 20 فندقاً في دول الخليج العربي، إضافة إلى 20 فندقاً آخر في لبنان وسوريا، وهي خطة توسع مماثلة تمت من قبل سنترو التابعة لروتانا التي قامت بطرح هذه المجموعة مؤخراً في دولة الإمارات العربية المتحدة.
يقول مدير العمليات في «روتانا» عماد إلياس بأن هدف المجموعة هو تقديم 20 فندقاً من فنادق سنترو على النطاق الإقليمي خلال سنتين، وستكون البداية بافتتاح فندق في دبي وآخر في أبوظبي.
ويفيد قائلاً «لقد شهدت معدلات أسعار الغرف على النطاق الإقليمي، وبشكل خاص في الأسواق الرئيسية زيادة مستمرة، لكن ما تفتقد له المنطقة هو وجود سلسة فنادق من فئة الثلاث نجوم تعمل في منطقة الشرق الأوسط، ويتوجب حالياً على المسافرين دفع الأسعار العالية للإقامة في فندق من فئة أربع أو خمس نجوم، أو دفع مبلغ اقتصادي والإقامة في فندق لا يفي بمستوى الخدمة التي يتطلعون إليها».
وتتوافق جهات التشغيل على هذا المفهوم، لكن توفر الفنادق الاقتصادية في المنطقة سيلتزم بمعايير مختلفة عن المعايير المعمول بها في الدول الأخرى. يقول ميلوني «سيقوم فندق اكسبريس من هوليدي ان بالتأقلم وفقاً لمتطلبات السوق في دول مجلس التعاون الخليجي،
وخصائص تشمل الغرف الواسعة، المزيد من الخزائن، الحمامات الكبيرة، خدمة المصبغة وخدمات التوصيل السريع مع الإنترنت. وسيشمل الفندق منطقة استقبال وخدمات المطاعم على مدار اليوم، وغرف الاجتماعات والنادي صحي ومركز رجال الأعمال والغرف المتصلة ببعضها البعض وخدمات الحافلات من وإلى المطار».
وفي نفس الوقت تركز نظرية فنادق سنترو على توفير غرف مساحتها 22 متراً مربعاً ومطعماً يقدم الوجبات على مدار اليوم، ومقهى ومتجر حلويات للمناسبات الخارجية، نادٍ صحي وبركة سباحة إضافة إلى مركز خدمات الأعمال والاجتماعات التي تشمل التوصيل اللاسلكي مع الإنترنت.
من جهة أخرى، تسلك بعض الفنادق المتواجدة بالسوق، نهج توفير الخدمات الشاملة بأسعار منخفضة. وقد أعلنت مجموعة أكور عن خططها في إضافة 000,200 غرفة فندقية خلال السنوات الأربع المقبلة، نصفها سيكون مخصصاً لقطاع الفنادق الاقتصادية، وقد يظهر عدد من الفنادق التي ستتمكن من إثارة زوبعة في قطاع الفنادق الاقتصادية بمنتجات جديدة كلياً.
وأعلن ستيلوس حاجي لوناو، رئيس مجموعة إيزي عن طرحه لمفهوم الفندق الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط ببداية ستشهدها دبي في محاولة منه لتخفيض تكلفة الإقامة في إمارة دبي.
ومن المتوقع أن توفر هذه الفنادق بعد الانتهاء من المفاوضات تقديم سلسلة من الفنادق ذات التكلفة المنخفضة توفر غرفاً تصل تكلفة الإقامة بها إلى 20 دولاراً أمريكياً لليلة الواحدة فقط.
وقامت مجموعة IFA الكويتية للفنادق والمنتجعات في الاستثمار الرئيسي في فندق يوتيل الذي تعد غرفة صغيرة واقتصادية، ومن المقرر لهذا الفندق الكائن في مطار هيثرو وجاتويك في المملكة المتحدة أن يفتتح أبوابه خلال فصل صيف هذا العام الجاري، وجلب هذا المفهوم لاحقاً لمنطقة الشرق الأوسط.
دبي ـ البيان الاقتصادي