نجحت دبي خلال بضع سنوات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة في إحداث تغيير ملموس داخل المجتمع الجيبوتي، في تلك الدولة الصغيرة والبكر، القابعة في شرق إفريقيا عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.

والمثير أن وراء هذا التغيير عددا محدودا أيضاً من الكوادر المواطنة الشابة التي يمثل كل منها سفيرا نموذجيا لبلاده، يتميز بالموهبة والخبرة واتقان العمل، والاندماج الإنساني في نسيج المجتمع الذي يعمل خلاله، نجحوا جميعاً في اكتساب ثقة الجميع في جيبوتي ومحبتهم وتقديرهم،

سواء كانوا قيادات سياسية، أو زملاء عمل، أو البسطاء من عامة الشعب، مستندين إلى تجربة عظيمة تخوضها إمارة دبي، التي لا تكف عن مواصلة الإنجازات وتواتر عجلة التطور، وتنطلق من خلالها إلى كل بقاع العالم.

هذا ما يمكن بسهولة أن يلمسه الزائر المهتم لمطار جيبوتي أو موانئها أو المنطقة الحرة، أو حتى في شوارع العاصمة ومقاهيها وفنادقها ومطاعمها.

ولكن كيف ومتى بدأت الشراكة بين دبي وجيبوتي؟ وفي أي مجالات؟ وما هي تفاصيل القصة؟

طموح وثقة

البداية كما يقول المواطن الجيبوتي عبد الرحمن محمد بورييه، رئيس مجلس إدارة سلطة المنطقة الحرة وميناء جيبوتي، كانت في مايو 1988 عندما بدأت الحرب بين اثيوبيا واريتريا، وبدأ المستثمرون الاثيوبيون يستخدمون ميناء جيبوتي، هذا الظرف الموضوعي طرح ضرورة تطوير الميناء وتحديث أنظمته،

هنا بدأ تفكيري في دبي، توجهت إليها، وتحدثت مع المسؤولين في موانئ دبي، وكان دافعي لإقناعهم أن السنغافوريين في ذلك الوقت كانوا قد بدأوا يستثمرون في صلالة بسلطنة عمان، فلماذا لا تأتي دبي إلينا، وتنقل إلينا خبرتها الإدارية.

ويضيف بورييه بثقة: »إننا نطمح أن نكون البوابة الاقتصادية والتجارية لشرق وجنوب إفريقيا، ولدينا سوق رئيسي في اثيوبيا، ونحن لدينا طموحات كبيرة في أن نكبر مع دبي، ومتأكدون من استعدادنا وجاهزيتنا للمنافسة في منطقتنا«.

وأشار إلى أن هناك 16 مليون حاوية تمر في باب المندب، قائلاً: »نحن نريد تطوير الميناء وزيادة عمق الغاطس به إلى 18 متراً للتسهيل على البواخر الكبيرة، ونحتاج لرافعات حديثة، ودبي يمكن أن تنقل لنا خبرتها الإدارية والتقنية الحديثة، ولهذا كانت الاتفاقية التي وقعناها مع موانئ دبي العالمية،

تنص على إدارة موانئ جيبوتي، بما في ذلك المطار، لمدة 30 سنة، قابلة للتجديد لمرتين، كل منها عشر سنوات، ونفكر في مشروع أنابيب نفط، وتقدر تكلفتها بحوالي 200 مليون دولار، وهناك حماس وموافقة من حكومة جيبوتي، ولكن هذا يتطلب استثمارات وموافقات من الدول المجاورة«.

نمو وتوسع

القصة يكملها عبد الله عيسى أميري مساعد المدير العام لجمارك جيبوتي ممثل جمارك دبي العالمية، التي بدأت فعلاً ممارسة دورها في التحديث الإداري وتطوير النظام الجمركي لموانئ جيبوتي منذ 16 يونيو الماضي، عندما بدأ تطبيق النظام الجمركي الإلكتروني في جمارك ميناء جيبوتي، أحد المنافذ الجمركية التسعة الموجودة في الدولة، وخلال تلك الأشهر القليلة زاد الدخل من جمارك ميناء جيبوتي بنسبة 40%.

يقول عبد الله: »مرت قصة التعاون بين جمارك دبي العالمية وجمارك جيبوتي عبر ثلاث مراحل، في المرحلة الأولى ناقش الجانبان أموراً تتعلق بتكييف النظام الجمركي المعمول به في دبي مع قوانين وأوضاع جيبوتي، وبعض المسائل الفنية، وتم إعداد الدراسات المتعلقة بذلك،

وفي المرحلة الثانية تم عرض الأمر على حمد فاضل المزروعي مدير عام جمارك دبي العالمية، وتم الاتفاق علي كل الأمور، وتركيب النظام الإلكتروني وتشغيله واللقاء مع التجار، وبعد التجريب دخلنا المرحلة الثالثة والأخيرة، وتم ترشيحي في يوليو 2005 لتولي المسؤولية الإدارية والتنسيق مع الجهات المعنية في جيبوتي،

ولم يكن معي من دبي سوى ناجي مطر عبيد الذي تم ترشيحه لتولي موقع مدير إدارة التفتيش والأمن الجمركي في ميناء جيبوتي، وحافظنا على العمالة الجيبوتية الموجودة، ونظام التقاعد والمعاشات المعمول به في الدولة، وعمل عقود للعمالة الموجودة، رغم أنهم كانوا يعملون بنظام يدوي يعتمد على العديد من الأوراق، وأصبح العمل الآن إلكترونياً.

ورغم صعوبات البداية، والتغيير في نظام العمل، خاصة مع وجود ثلاث فئات في المجتمع الجيبوتي، الأولى تؤيد التغيير، والثانية تترقب، والثالثة تعارض، والتجار يجدون صعوبة في تقبل النظام الإلكتروني،

إلا أننا وبمساعدة 40 شاباً من جيبوتي تم تدريبهم على النظام الحديث في دبي، تمكنا من شرح الأمور وتوصيل المعلومات الصحيحة للمسؤولين والتجار، وبدأ مؤيدو هذا النظام يتزايدون وانضم إليهم المترقبون، ومع كل نمو وتقدم نحققه يقل المعارضون«.

ويواصل عبد الله: »خلال أشهر قليلة لاحظ المسؤولون في جيبوتي، وخاصة رئيس الجمهورية، أن إيرادات الميناء ارتفعت، مع خفض الرسوم الجمركية من 33% إلى 8%، مما كان له أثر إيجابي، خاصة وأن ميزانية الدولة هنا تعتمد بنسبة 100% على الجمارك. كما أن التجار لاحظوا أن تخليص الحاوية يتطلب شهراً أو شهرين أحياناً، ورسوماً جمركية كبيرة، وتقديم حوالي 17 ورقة،

بينما صار ذلك الأمر يتم بعد التحديث خلال يوم واحد، وعبر تقديم ورقتين فقط، وبرسوم جمركية أقل كثيراً، مما أدى إلى زيادة نشاط التجار والمستثمرين، وزاد الاستيراد والتصدير، وبالتالي دخل الدولة، وارتفع عدد البيانات الجمركية من 70 بياناً يومياً في السابق إلى 240 بياناً يومياً الآن«.

ويضيف: »هناك خطة لتحديث المنافذ الجمركية الأخرى في الدولة، تبدأ بإدخال النظام الحديث خلال شهر أبريل الجاري في مطار جيبوتي وقرية الشحن، يلي ذلك تطبيقه في البريد قبل أغسطس المقبل، وخلال العام المقبل سيتم تحديث بقية المنافذ الجمركية، وذلك بعد قيام اتصالات جيبوتي بإدخال نظام لاسلكي مع مركز الاتصالات الرئيسي في العاصمة«.

ميناء جديد

وكان من الطبيعي مع نمو حركة التجارة والاستيراد والتصدير عبر جيبوتي، أن تفرض ضرورة توسيع الموانئ والمطار نفسها على الجميع. وهكذا تم إنشاء ميناء جديد، هو ميناء دورالييه، التابع لميناء جيبوتي، والمتخصص في تخزين النفط ومشتقاته وبعض أنواع الزيوت، بطاقة تخزين قدرها 350 ألف متر مكعب،

وبتكلفة 110 ملايين دولار، وعمق الغاطس في الميناء 20 متراً، وهناك رصيفان للميناء الأول بطولة 180 متراً والثاني 250 متراً وسيتم افتتاحه بعد شهر. ويقول الان سيوزاك، المدير العام لشركة هورايزون جيبوتي ترمينال، التي تعمل في الميناء، إن أقصى حمولة من قبل كانت 40 ألف طن، وصارت الآن 100 ألف طن، وتدرس إدارة الميناء حالياً إنشاء منطقة صناعية تابعة للمرفأ.

تجار ومديرون

وفي ميناء جيبوتي التقينا محمد عمر الشاذلي، وبرهان محمد علي، مديري شركتي شحن، بالإضافة إلى حسن أحمد دعالي رئيس نقابة عمال الشحن، وأجمع الثلاثة أن تخليص الشحنات يتم الآن في يوم وصولها نفسه، وأن العمل من قبل في الميناء كان ينتهي يومياً في الواحدة ظهراً، والآن يتم تخليص الشحنات طوال اليوم، بما يمثل تسهيلات كبيرة للعملاء.

وفي مقر شركته بالعاصمة جيبوتي، قال جميل عبد الكريم علي، تاجر، إن التجارة في جيبوتي زادت الآن بأكثر من 30% وأصبح التجار غير مترددين وواثقين في تخليص معاملاتهم بسرعة وسهولة، وزاد الإقبال على شراء مخازن في المنطقة الحرة، مما يعني تشغيل عمالة جديدة، وهذا كله يؤثر إيجابياً على المجتمع الجيبوتي وينميه.

وبمزيد من الصراحة يقول جميل عبد الكريم: »من قبل عندما كان نظام الجمارك يدوياً كان هناك عمال يفتشون على الحاويات مما يفتح الباب للمشكلات والفساد، أما الآن وبعد تحديث نظام الجمارك أصبح الرصد إلكترونياً وانتهت هذه المشكلات«.

المنطقة الحرة تتوسع

وكالأواني المستطرقة يمتد التوسع والنمو في الموانئ إلى نمو وتوسع في المنطقة الحرة لجيبوتي، ويقول سيمونو سونو، مدير المنطقة الحرة لجيبوتي: »توجد 23 شركة حالياً تعمل من خلال المنطقة الحرة، منها 10 شركات أجنبية، تضم أربع شركات من دبي تعمل في مجال الخدمات اللوجستية، والسجائر، والأغذية، والغاز، وشركة من الشارقة تعمل في مجال الطاقة والمولدات، وسادسة من عجمان في مجال الأغذية،

بالإضافة إلى شركتين من البحرين للخدمات اللوجستية، والأغذية، وشركة أردنية للسجائر، وأميركية لمواد البناء والأثاث والمكاتب، كما أنه يوجد بالمنطقة الحرة 13 شركة من جيبوتي، وتوجد مخازن تحت الإنشاء لـ 23 شركة أخرى، سيتم الانتهاء منها خلال الفترة القليلة المقبلة، وهي شركات من كينيا وفرنسا والهند وماليزيا واثيوبيا وأميركا ومصر والعراق ودبي وسوريا والسودان وجيبوتي«.

ويتوقع سونو أن يصل عدد الشركات العاملة في المنطقة الحرة إلى مئة شركة خلال العام 2007، ويضيف انه سوف يتم التوسع بإنشاء منطقة حرة أيضاً في ميناء دورالييه، مشيراً إلى الدور المهم للإدارة، ممثلة في المنطقة الحرة لجبل علي بدبي، في توسع ونمو المنطقة الحرة لجيبوتي.

زيادة طاقة المطار

وكما ذكرنا في الجمارك، فإن موانئ دبي العالمية، التي تدير مطار جيبوتي منذ عام 2002، رشحت أيضاً مواطنين فقط لنقل الخبرة الإدارية لها إلى جيبوتي، كما يقول جان زيفنبرجن المدير العام لمطار جيبوتي، بينما يعمل بالمطار 280 عاملاً من جيبوتي.

ويضيف جان: »نحن نخطط لفصل مبنى المغادرين عن القادمين، لزيادة طاقة المطار، من 200 ألف راكب حالياً إلى مليون راكب سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، كما يجري الآن إنشاء مهبط جديد للطائرات سيتم الانتهاء منه خلال أبريل الجاري.

وسيتم الانتهاء من خطة توسعة طاقة المطار بالكامل خلال 4 سنوات، بالتزامن مع الانتهاء من الفندق والمنتجع الذي تنشئه نخيل في جيبوتي. فالتحديث هنا يتم بالتوازي بين المطار والموانئ والمنطقة الحرة والجمارك والفنادق«.

فندق ومنتجع ترفيهي

وتشارك »نخيل« في عملية تحديث وتطوير المجتمع الجيبوتي، من خلال إنشاء فندق خمسة نجوم ومنتجع على أحدث طراز، يسمى »فندق قصر جيبوتي«، ويتكون من 400 غرفة، بالإضافة إلى نادي شاطئي، ومركز أعمال، وفيلات وشقق فندقية على مساحة 200 ألف متر مربع.

ويقول أندروجوردان، مدير التطوير في »نخيل« والمشرف على المشروع، إن المرحلة الأولى ستنتهي في أكتوبر المقبل بإنشاء 200 غرفة بالفندق، وشاليهات، ومنتجع ومرسى، ومركز الأعمال، وذلك لاستقبال اجتماعات قمة الكوميسا، التي ستستضيفها جيبوتي خلال نوفمبر المقبل، وتكلف تلك المرحلة 150 مليون دولار،

بينما يتم الانتهاء من المشروع بالكامل عام 2010، والمساحة التي ستشغلها المنشآت في المرحلة الأولى تبلغ 50 ألف متر مربع.وتتواصل قصة النجاح التي تسطرها خبرات دبي، بسواعد جيبوتية، وتفتح آفاقاً جديدة للنمو في ذلك البلد الصغير بالقرن الإفريقي.

رسالة جيبوتي: حسن بدوي