كشفت دراسة رسمية حديثة أعدها الدكتور عبد الرزاق فارس لبلدية دبي ان نحو 80% من العاملين قطاع البناء والتشييد يتقاضون رواتب شهرية تتراوح مابين 1500 و2000 درهم، «أي ما يعادل مليار درهم تنفقها شركات المقاولات على شكل رواتب شهرياً للعاملين لديها سنوياً وسط توقعات بازديادها خلال الأعوام المقبلة.

وأضافت الدراسة بأن قطاع البناء لا يزال يسيطر على 50% من العمالة الموجودة في دبي ويعد المشغل الأكبر للعمالة بسبب ظهور العديد من المشاريع العملاقة في مجال الفنادق والمراكز التجارية والترفيهية، والعقارات المخصصة للسكن أو المكاتب التي تحتاج إلى عدد ضخم لإنجازها.

لكن الدراسة لفتت إلى ان القطاع يعد في مقدمة القطاعات التي تستخدم عمالة غير ماهرة ما يضر بمصلحة صناعة الإنشاءات ويدفع باتجاه إطلاق مبادرات تدعم توجهات الميكنة وتشغيل العمالة الماهرة على نطاق واسع.

كما دعت الدراسة إلى التحكم في طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تزاول في الإمارة من خلال الرخص وهيئة الإشراف على الاستثمار ومن خلال تقنين سوق العمل بوضع شروط معينة للعاملين الذين يمكن السماح لهم بالإقامة والعمل في الإمارة.

وفي المدى المتوسط والبعيد فإنه سيكون من مصلحة الإمارة زيادة حصة فئات المديرين والمهنيين والفنيين والعمالة الماهرة عموما، وتخفيض حصة العمالة غير الماهرة واليدوية وعمالة البيع والخدمات.

وألقت الدراسة الضوء على أهم التطورات التي حدثت على هيكل القوى العاملة في الإمارة خلال العقد الماضي، بالاستعانة بالبيانات الواردة من المسوح الإحصائية والتي قام بها مركز الإحصاء ببلدية دبي عامي 1995 و2003، وكذلك دراسة واقع الأجور حسب القطاعات الاقتصادية ومقارنة ذلك مع تطور الإنتاجية.

تحولات

شهدت إمارة دبي خلال العقد الماضي تحولات اقتصادية هيكلية واضحة. وقد تمثل ذلك في زيادة دورها كمركز إقليمي وعالمي للأعمال وكوجهة سياحية رئيسية في منطقة الشرق الأوسط، وبروز العديد من المبادرات الاستثمارية في مجال تقنية المعلومات والإعلام والمال والسياحة.

وقد استطاعت إمارة دبي استقطاب جزء مهم من الاستثمار الأجنبي المتوجه للمنطقة، كما أصبحت قاعدة رئيسية لجهود إعادة البناء في الدول المجاورة التي دمرتها الحروب والصراعات الإقليمية.

وكنتيجة لذلك، فقد انعكست هذه التحولات على هيكل السكان والقوى العاملة في الإمارة التي شهدت معدلات نمو عالية وتغيرات جذرية في أنماط العمالة وتوزيعها حسب الأنشطة الاقتصادية وتركيبها المهني والعمري والتعليمي.

وعلى سبيل المثال: ازداد عدد القوى العاملة في الإمارة خلال الفترة 1995 - 3002 بحوالي الضعف، من 4. 246 ألفاً إلى 566 ألفاً، وبمعدل نمو سنوي يبلغ 11% كما شهدت القطاعات الاقتصادية تحولات مهمة في توزيع القوى العاملة تعكس التحولات التي طرأت على الهيكل الاقتصادي في الإمارة.

وهدفت الدراسة إلى إلقاء الضوء على التغيرات الرئيسية التي حدثت لهيكل العمالة من حيث التوزيع العمري والجنسي والمهني والاقتصادي، والأسباب الكامنة وراء ذلك.

وينبغي الإشارة إلى أن إحصاءات عام 1995، والتي تضمنتها نشرة «المؤشرات الاقتصادية وظروف العمل في منشآت القطاع الخاص في مدينة دبي» بنيت على أساس عينة عشوائية.

وقد اشتملت هذه العينة جميع المنشآت العاملة في المناطق الصناعية وعينة عشوائية من المنشآت العاملة في المناطق غير الصناعية. أما المسح الاقتصادي لمنشآت القطاع الخاص لعام 2003، فقد بني على أساس المسح الشامل لجميع منشآت القطاع الخاص العاملة في الإمارة.

هيكل العمالة

في دبي قطاعات اقتصادية رئيسة ثلاث وهي: قطاعات الإنتاج السلعي (الزراعة والصناعات التحويلية والتشييد والبناء) قطاعات الخدمات الإنتاجية (التجارة والفنادق والمطاعم والنقل والمواصلات والتمويل والتأمين والمصارف) وقطاعات الخدمات الاجتماعية (التعليم والصحة والخدمات الشخصية).

وخلال الفترة المذكورة (1995 - 2003( شهد هيكل العمالة تحولات مهمة في اتجاه زيادة حصة قطاعات الخدمات الإنتاجية. فحصة قطاعات الخدمات الإنتاجية ازدادت من 53% عام 1995 إلى 7. 60% عام 2003، وبالمقابل فإن حصة قطاعات الإنتاج السلعي قد انخفضت من 5,41% إلى 45. 32% خلال الفترة ذاتها.

وهناك عاملان رئيسيان وراء هذا التحول، الأول هو الزيادة الكبيرة التي شهدتها أنشطة قطاعات الخدمات مثل السياحة والتجارة والخدمات العامة والخدمات الحكومية. فخلال هذه الفترة ازدادت أهمية إمارة دبي كمركز تجاري عالمي يستقطب الشركات والمؤسسات الدولية العاملة في الدولة أو تلك التي تشمل بأنشطتها دول الجوار.

كما ازدهرت صناعة المعارض والمؤتمرات، ونما القطاع السياحي بجميع أنواعه بمعدلات عالية أما الثاني هو أن هذه الأنشطة تتميز بكثافة العمل فيها حيث إنها تعتمد على القوى العاملة بشكل كبير وخاصة في قطاعات السياحة والتجارة والخدمات الشخصية.

أما في مجال قطاع الإنتاج السلعي فإن قطاع التشييد والبناء لا يزال هو المسيطر ضمن هذه القطاعات، وذلك بسبب استمرار الحاجة لأعمال البنية الأساسية، ولظهور العديد من المشاريع العملاقة في مجال الفنادق والمراكز التجارية والترفيهية، والعقارات المخصصة للسكن أو المكاتب.

وضمن قطاعات الخدمات الإنتاجية يهيمن نشاط التجارة على بقية الأنشطة حيث استحوذ على نحو 3. 30% من إجمالي العاملين في القطاع الخاص في إمارة دبي أو ما يعادل حوالي 48% من العاملين في قطاعات الخدمات الإنتاجية،

ويلي ذلك في المرتبة الثانية نشاط البنوك والتمويل والتأمين بنسبة 1. 8% من إجمالي العاملين أو ما يعادل 5. 15% من العاملين في قطاعات الخدمات الإنتاجية، ويحتل نشاط الفنادق المرتبة الثالثة بنسبة 3. 8% أو ما يعادل 9. 13% من مجموع العاملين في قطاعات الخدمات الإنتاجية.

وتستوعب قطاعات الإنتاج السلعي حوالي 32% من مجمل العمالة في القطاع الخاص في إمارة دبي، منهم حوالي 63% يعملون في قطاع التشييد والبناء، وحوالي 36% في الصناعات التحويلية بما فيها الصناعات الحرفية.

وشهد التركيب المهني للقوى العاملة تحولات واضحة. من حيث تضاعف نسبة المديرين مما يعكس قدرة الإمارة على استقطاب مؤسسات مهمة تعتمد في توظيفها على فئات عالية التعليم ومرتفعة الدخل، أما الفئة الثانية التي شهدت زيادة واضحة في جدول التركيب المهني فهم عمال التشغيل والسائقين، التي ازدادت حصتهم بمقدار الثلث تقريبا. ويعكس هذا أيضا ازدهار قطاع المواصلات الذي يرتبط بمعظم القطاعات، وبالذات القطاع السياحي.

ويمكن القول بشكل عام ان هيكل التركيب المهني للقوى العاملة في دبي قد شهد تطورا إيجابيا خلال الفترة 1995 - 2003 باتجاه زيادة حصة المديرين والمهنيين والعمالة المتدربة عموما. ومما يدلل على ذلك الانخفاض الواضح في حصة العمال غير المهرة.

وهناك علاقة وثيقة بين هيكل العمالة والنشاط الاقتصادي حيث يهيمن نشاط التجارة في تشغيل العمالة في القطاع الخاص يقابله هيمنة مهنة عمال البيع، واستحواذ قطاع التشييد والبناء على نسبة مرتفعة من العمالة يقابله وجود نسبة عالية من العمال غير المهرة.

حوالي ثلثي المديرين يعملون في التجارة والبنوك والتمويل، ويشغل نشاط التجارة حوالي 27% من المهنيين والفنيين، بينما يستوعب التعليم نحو 20% من المديرين، ويعمل نحو 24% من المساعدين المهنيين والفنيين في التجارة، ويعمل حوالي 11% منهم في الصناعات التحويلية وحوالي 11% أيضا في التعليم.

وتستحوذ البنوك والتمويل على حوالي 38% من مهنة الكتبة وتستحوذ التجارة على حوالي 25% منهم. وعلى نحو 56% من مهنة عمال البيع والخدمات. ويحتل نشاط التشييد والبناء المركز الأول بتشغيل العمال المهرة والحرفيين والعمال غير المهرة.

ومما ينبغي التركيز عليه هنا، هو أنه بالرغم من حدوث تطور إيجابي في هيكل التوزيع المهني للقوى العاملة، إلا أن ذلك لا يبدو كافيا لتحقيق طموحات الإمارة في التحول نحو مركز متقدم للاقتصاد والمال. وتبدو هناك حاجة ماسة لتدخل السلطات في الإمارة نحو تشجيع الأنشطة ذات التقنية العالية والتي تعتمد على عمالة أقل ومستويات تعليم وتدريب أعلى ومن ثم أجور أعلى.

والمزايا النسبية لمثل هذه الأنشطة من الوضوح بمكان، فهي تعمل على زيادة القدرة التنافسية للإمارة في المدى المتوسط والبعيد، وتعمل على رفع المستوى المعيشي والحضاري في الإمارة، كما أنها توفر فرص عمل لأبناء الإمارة خاصة في ظل انكماش فرص العمل في القطاع الحكومي والقطاع العام.

وإحداث التغيير في التركيب المهني يمكن أن يتم من خلال التحكم في طبيعة الأنشطة الاقتصادية التي تزاول في الإمارة (من خلال الرخص وهيئة الإشراف على الاستثمار) ومن خلال تقنين سوق العمل بوضع شروط معينة للعاملين الذين يمكن السماح لهم بالإقامة والعمل في الإمارة.

وفي المدى المتوسط والبعيد فإنه سيكون من مصلحة الإمارة زيادة حصة فئات المديرين والمهنيين والفنيين والعمالة الماهرة عموما، وتخفيض حصة العمالة غير الماهرة واليدوية وعمالة البيع والخدمات.

هيكل العمالة حسب الجنسية

تسيطر العمالة غير العربية على سوق العمل في القطاع الخاص في إمارة دبي بشكل واضح. ومن بين كل مئة عامل هناك 2,88 عاملاً غير عربي، و4. 9 عامل من العرب و4. 2 عامل مواطن، وذلك حسب إحصاءات عام 2003. ويشكل الآسيويون أغلبية مطلقة في سوق العمل في دبي، حيث يشكلون أربعة أخماس جملة العاملين، وحوالي 81% من جملة العاملين غير المواطنين.

وبمقارنة تطور العمالة حسب الجنسية خلال الفترة 1995 - 2003 (الجدول 3) بالملحق نلاحظ وجود زيادة مهمة في التحاق المواطنين في وظائف القطاع الخاص، حيث بلغت نسبة نموهم السنوية 4. 39%. وبالرغم من أنهم لا يزالون يشكلون أقلية صغيرة في سوق العمل، إلا أن الإحصاءات تنبئ بأن المزيد منهم بدأوا بالقبول في العمل بمؤسسات القطاع الخاص.

وقد يكون لذلك أسباب منها تشبع مؤسسات القطاع العام وعدم قدرتها على استقطاب المزيد من العاملين المواطنين، وتحسن ظروف العمل، ومنها ساعات العمل والأجور في بعض مؤسسات القطاع الخاص مما جعلها أماكن استقطاب للمواطنين، وبروز التشريعات الخاصة بمد مظلة الضمان الاجتماعي لمؤسسات القطاع الخاص مما وفر حافزا إضافيا للعاملين المواطنين 180%

والملاحظة الثانية هي أن العاملين العرب حققوا معدل نمو يفوق نمو العمالة بشكل عام 5. 20% سنويا للعاملين العرب مقارنة مع إجمالي العمالة. وبالرغم من أن العمالة العربية لا تزال تشكل أقل من عشرة بالمئة من جملة العاملين في القطاع الخاص في دبي، إلا أن معدل نموهم المرتفع قد يؤدي إلى نتائج ايجابية في المدى المتوسط والبعيد إذا ما كتب له الاستمرار.

وضمن مجموعة العمالة الآسيوية التي تشكل حوالي 79% من مجمل العاملين في القطاع الخاص في دبي كما تم بيانه، تسيطر العمالة الهندية حيث تشكل حوالي 63% من العمالة الآسيوية يلي ذلك العمالة الباكستانية بنسبة تقارب 16%.

جنسيات العمال ومهنهم

يعرض الجدول رقم (5) هيكل العمالة في القطاع الخاص في دبي عام 2003 حسب المهنة والجنسية، حيث يلاحظ الآتي:

* تحتل الجنسية الهندية المركز الأول في مهنة المديرين بنسبة 2. 45% من مجمل شاغلي وظيفة مدير، ويأتي العرب في المرتبة الثانية بنسبة 3. 14%، ويحتل المواطنون المرتبة الثالثة. ونذكر هنا أن العاملين من الجنسية الهندية يسيطرون على هيكل العمالة بنسبة% 1. 53 من جملة العاملين في جميع الفئات.

* وتحتل العمالة الهندية المراكز الأولى لجميع فئات المهن الأخرى، وتتراوح النسب لهذه الفئات بين حد أعلى يبلغ 2. 75% لمهنة العمال المهرة وحد أدنى يبلغ 4. 45% لعمال التشغيل والسائقين.

* أ ما المركز الثاني، فتحتله العمالة العربية في المهن التالية: المهنيون الفنيون، المساعدون المهنيون، الكتبة، عمال البيع. وتحتل العمالة الباكستانية المركز الثاني في المهن الأخرى. ويتناوب العمال من الجنسيات الأخرى على المركز الثالث.

في هذا المجال تشير البيانات المتاحة في المسح الاقتصادي لمنشآت القطاع الخاص لعام 1995 لا تبين الجنسيات المختلفة، ولكنها توزع العمالة حسب المهن والجنسية على أساس مواطنين وعرب وغير عرب حيث يلاحظ الآتي:

* يحتل غير العرب المركز الأول في جميع المهن، ويأتي العرب في المركز الثاني في جميع المهن باستثناء المهن الأخرى غير المحددة التي احتل المواطنون فيها المركز الثاني.

* المقارنة العامة بين هيكل العمالة حسب المهن والجنسية تبين أن نسبة المواطنين ارتفعت عام 2003 عما كانت عليه في عام 1995.وبالنظر إلى هيكل العمالة حسب توزيع العاملين من جنسية واحدة على المهن، كما يلاحظ الآتي:

* بالنسبة لتوزيع العمالة المواطنة في عام 2003، تحتل مهنة الكتبة المركز الأول بنسبة 2. 38% من جملة المواطنين، يلي ذلك في المركز الثاني مهنة المديرين بنسبة 9. 21%، وتحتل مهنة المهنيين والفنيين المركز الثالث بنسبة 0. 18%. وفي عام 1995 كانت مهنة المديرين في المركز الأول بنسبة 6. 27%، وفي المركز الثاني مهنة المهنيين والفنيين، وكانت مهنة الكتبة في المركز الثالث.

* بالنسبة لتوزيع العمالة العربية في عام 2003، تحتل مهنة عمال البيع المركز الأول بنسبة 6. 25% من جملة العاملين العرب، ومهنة المهنيين والفنيين في المركز الثاني بنسبة 1. 22%، ومهنة الكتبة المركز الثالث بنسبة 99. 14%. وفي عام 1995 احتلت المراكز الثلاثة الأولى مهن مهنيين وفنيين، وكتبة، وعمال بيع بنسب 8. 28%، و7. 18%، و4. 18% على التوالي.

* بالنسبة للعمالة الهندية عام 2003، احتلت المراكز الثلاثة الأولى مهن عمال البيع والمهن البسيطة والحرفيون بنسب 1. 22% و0. 19% و6. 10% على التوالي.

* بالنسبة للعمالة الأوروبية، احتلت الثلاثة مراكز الأولى مهن المهنيون والفنيون، والمديرون، وعمال البيع بنسب 8. 34%، و3. 23%، و5. 20%على التوالي.

* بالنسبة للعمالة غير العربية عام 1995، احتلت الثلاثة مراكز الأولى مهن عمال مهرة، وعمال غير مهرة، وعمال بيع، بنسب 1. 27%و 9. 23% و1. 23% على التوالي.

الإنتاجية وتطورها

تشكل الإنتاجية عاملا حاسما في التقدم الاقتصادي وفي القدرة التنافسية للدول على المستوى العالمي. وبالرغم من أن بعض مفاهيم الإنتاجية قد برزت في تواريخ مبكرة في التفكير الاقتصادي إلا أن زيادة الاهتمام بها لم يأت إلا في العقود القليلة الماضية. وقد استخدمت الإنتاجية كأداة تحليل لتفسير التباين في الأداء الاقتصادي بين الأمم التي تتشابه ظروفها الاقتصادية،

كما أنها استخدمت أيضا لتفسير ظاهرة ضعف الأداء الاقتصادي لبعض الدول بالرغم من امتلاكها لحجم كبير من الموارد الطبيعية. وتحرص الآن الدول المتقدمة على اتخاذ السياسات المناسبة لزيادة كفاءة تخصيص الموارد وزيادة الإنتاجية وذلك لأنها العامل الحاسم في زيادة القدرة التنافسية.

وهناك مفاهيم عديدة للإنتاجية، كما أن هناك طرقا مختلفة لقياسها. وفي الوقت الذي يركز فيه البعض على العمل باعتباره العنصر الإنتاجي الأهم، يذهب آخرون إلى النظر إلى العناصر الأخرى التي لا تقل أهمية ومنها رأس المال.

ولا شك أن معظم الدراسات التطبيقية تركز على العمل، باعتبار أن تحسين إنتاجيته تحتل مركز الصدارة في سياسات الدول.ولن تكون هذه الدراسة استثناء اذ أنها ستتناول إنتاجية القوى العاملة فقط.

والملاحظة الرئيسية الأولى التي يستخلصها الباحث من النظر في نتائج المسح الاقتصادي لمنشآت القطاع الخاص في إمارة دبي هي تدني معدلات نمو الإنتاجية للعمالة خلال الفترة 1995 - 2003، مقارنة بمعدلات نمو القوى العاملة ونمو الناتج ونمو متوسط معدلات الأجور.

فقد ارتفع عدد العاملين في القطاع الخاص في دبي من 359. 246 عامل عام 1995 إلى 026. 566 عامل عام 2003، أي بمعدل نمو سنوي مقداره 11% تقريبا. وارتفع صافي القيمة المضافة من حوالي 1. 41 مليار درهم عام 1995 إلى 7. 106 مليارات درهم عام 2003 او ما يساوي معدل نمو سنوي مقداره حوالي 13%.

ويستدل من هذه البيانات أن متوسط إنتاجية العمالة في القطاع الخاص في دبي (القيمة المضافة الصافية مقسومة على عدد العاملين) ارتفع من حوالي 167 ألف درهم عام 1995 إلى حوالي 188 ألف درهم عام 2003، أي بمعدل نمو سنوي قدره حوالي 5. 1%. أما متوسط أجر العامل فقد بلغ حوالي 1. 21 ألف درهم عام 1995 وحوالي 9. 35 ألف درهم عام 2003.

أي بمعدل نمو سنوي يبلغ 9. 6%. ويخفي متوسط إنتاجية العامل التفاوت الكبير بين إنتاجية العامل في الأنشطة الاقتصادية. فقد تراوحت هذه الإنتاجية بين حد أقصى بلغ 578 ألف درهم في نشاط التأمين والخدمات المساعدة وحد أدنى بلغ 40 ألف درهم في النشاط الزراعي في عام 2003.

أما المتوسط العام لإنتاجية العامل في الأنشطة الاقتصادية فقد بلغ 193 ألف درهم وبانحراف معياري مقداره 207 آلاف درهم. ويعزى هذا التفاوت الكبير في إنتاجية العامل بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة إلى نوعية العمالة والمهن في الأنشطة، حيث الإنتاجية منخفضة في القطاعات التي يهيمن عليها عمال التشغيل وغير المهرة،

وفي المقابل ترتفع الإنتاجية نسبيا في القطاعات التي تهيمن عليها فئات المديرين والمهنيين من العمالة. وبالنسبة لمتوسط أجر العامل في الأنشطة الاقتصادية فقد تتراوح بين 110 آلاف درهم كحد أقصى في نشاط البنوك والتمويل و22 ألف درهم إماراتي كحد أدنى في النشاط الزراعي وبمتوسط بلغ حوالي 40 ألف درهم وبانحراف معياري بلغ حوالي 29ألف درهم.

ويشير معامل التباين سواء كان للإنتاجية أو للأجر أن التفاوت في إنتاجية العامل وفي أجره في الأنشطة الاقتصادية أصبح أكبر في عام 2003 عما كان عليه عام 1995.

و خلال الفترة 1995 ـ 2003. يظهر أن معظم الأنشطة الاقتصادية قد شهدت تدهورا في معدلات الإنتاجية فيها خلال الفترة المذكورة (عشرة قطاعات من جملة خمسة عشر قطاعاً).

وأشد معدلات تدهور الإنتاجية حدثت في قطاعات الزراعة والصناعات الحرفية وقطاع السياحة (الفنادق والمطاعم والمقاهي) وقطاع الخدمات (التعليم والصحة والخدمات). والسبب الرئيسي لهذا التدهور هو أن معدلات نمو العمالة في هذه القطاعات يفوق معدلات نمو الناتج.

ولا يكفي القول بأن طبيعة الأنشطة في بعض هذه القطاعات يعتمد على كثافة العمالة، مما يحتم زيادة القوى العاملة بشكل مستمر. فمن الواضح، واعتماداً على تجارب الدول الأخرى، أنه يمكن تحقيق زيادة في الإنتاجية من خلال رفع مستويات التعليم والتدريب ومن خلال الميكنة.

ومما ينبغي الإقرار به هو أن تدهور الإنتاجية يعود بسبب رئيسي لسياسات الباب المفتوح التي تنتهجها دولة الإمارات على وجه العموم وإمارة دبي على وجه الخصوص في وجه العمالة الوافدة.

وفي ظل هذه السياسات يجد القطاع الخاص أنه من الأوفر له استخدام العمالة لضآلة تكاليفها (مقارنة مع الاستثمار الرأسمالي)، وسهولة التخلص منها في حالة عدم نجاح المشروع. ويوفر العرض اللامتناهي من العمل من الدول المجاورة، قوى عاملة بمهارات مختلفة ومستويات أجور متدنية نوعا ما.

وبسبب عدم وجود ضرائب على الدخل فإن القطاع الخاص لا يزال يعمل في ظل ظروف تتميز بحالة عدم وجود حوافز تدفعه باتجاه تغيير أنماط الاستثمار الحالية القائمة على كثافة العمل.

وبالمقابل فإن القطاعات التي شهدت أعلى معدلات نمو في الإنتاجية هي القطاعات المتصلة بالموارد الطبيعية (النفط والغاز) وكذلك الصناعات التحويلية والتشييد والبناء. وإذا كان للبعض أن يقول بأن طبيعة القطاعين الأول والثاني تحتم زيادة الإنتاجية وذلك بسبب أنماط الإنتاج فيهما، والتي تعتمد بشكل أساسي على التقنية الحديثة في الصناعات التحويلية،

وبسبب الطبيعة الريعية في قطاع التعدين واستخراج الثروات الطبيعية، فإن التطورات التي حدثت في قطاع التشييد والبناء لابد وأن تجذب الانتباه. فهذا القطاع كان يعتمد تاريخيا على أنماط الإنتاج كثيفة العمالة، مما جعله واحدا من أكثر القطاعات استخداما للقوى العاملة بعد القطاع الزراعي نسبة إلى حجم الإنتاج فيه.

إلا أنه وبسبب المنافسة الشديدة في هذا القطاع، والاتجاه لوسائل الإنتاج الحديثة، وسياسات حكومة دبي في تقنين الممارسات، أدت هذه مجتمعة إلى تحول كبير في وسائل الإنتاج في هذا القطاع. وخلال الفترة 1995 ـ 2003 تضاعفت إنتاجية العامل في هذا القطاع، دون أن يؤثر ذلك سلبا في قدرته التنافسية حتى على مستوى دولة الإمارات ككل.

تطور مستويات الأجور

زادت فاتورة أجور العاملين في القطاع الخاص في دبي بنحو 291% بين عامي 1995 و2003 لتصل إلى حوالي 3. 20 مليار درهم إماراتي عام 2003، كما أن عدد العاملين ارتفع بحوالي 130% ليصل إلى 026. 566 عامل في عام 2003. وارتفعت حصة الأجور في القيمة المضافة من 65. 12% عام 1995 إلى 05. 19% عام 2003.

ويتضح من هيكل العمالة والأجور حسب الأنشطة الاقتصادية أن نشاط التجارة احتل المركز الأول على أساس نسبة تشغيل العمالة أو نسبة فاتورة الأجور حيث بلغت 8. 31% و1. 30% على التوالي في عام 1995. واحتل نشاط التشييد والبناء المركز الثاني بنسبة تشغيل العمالة أو نسبة فاتورة الأجور حيث بلغت 86. 26% و29. 23% على التوالي.

ويلاحظ أن نسبة الأجور أقل من نسبة العمالة في هذين النشاطين الرئيسيين. ويمكن تعليل ذلك بانخفاض أجور العمال وكثرتهم في هذين النشاطين حيث بلغ متوسط أجر العامل الشهري في التشييد والبناء نحو 1524 درهماً وفي نشاط التجارة حوالي 1663 درهماً في عام 1995.

واحتل نشاط الصناعات التحويلية ونشاط العقارات المركز الثالث والرابع على التوالي مع ملاحظة أن نسبة الأجور في هذين النشاطين أعلى من نسبة تشغيل العمالة فيهما. وكذلك نسبة الأجور أعلى من نسبة التشغيل في نشاطي التعليم والصحة بسبب مهارات وتخصصات العاملين في هذين النشاطين.

وفي عام 2003 استمر نشاط التجارة ونشاط التشييد والبناء ونشاط الصناعات التحويلية باحتلال المراكز الأولى والثانية والثالثة على التوالي على أساس نسبة تشغيل العمالة أو نسبة فاتورة الأجور.

ولكن هاتين النسبتين كانتا أقل في عام 2003 مقارنة بعام 1995 لنشاطي التجارة والتشييد، بينما ارتفعتا في نشاط الصناعات التحويلية. وباستثناء أنشطة التعدين والعقارات والصحة، فقد انخفضت نسبة الأجور عن نسبة تشغيل العمالة في الأنشطة الاقتصادية الأخرى.

تطور أجر فئات المهن

ارتفع الأجر الشهري لفئات المهن باستثناء مهن العمال المهرة والسائقين، وكانت أكبر زيادة نسبية في فئة المديرين بنسبة 4. 61%، تلتها فئة الكتبة بنسبة 2. 48%، ففئة المهنيين والفنيين بنسبة 4. 27%. وانخفض الأجر الشهري لفئة العمال المهرة بحوالي 4. 15% و13% لفئة السائقين كما هو مبين في جدول رقم (16) بالملحق.

حسب النشاط الاقتصادي

ارتفع متوسط الأجر السنوي في جميع الأنشطة الاقتصادية من حوالي 26 ألف درهم في عام 1995 إلى حوالي 40 ألف درهم عام 2003، أي بزيادة حوالي 54%، في الوقت الذي ارتفع فيه متوسط إنتاجية العامل من حوالي 126 ألف درهم عام 1995 إلى 193 ألف درهم عام 2003، أي بزيادة 16. 53%.

وبلغ متوسط الأجر السنوي حوالي 21% من متوسط إنتاجية العامل عام 1995 وعام 2003. ولقد ارتفع الأجر السنوي في جميع الأنشطة الاقتصادية باستثناء الفنادق والعقارات والخدمات. وقد جاء هذا الانخفاض في الأجر مصاحبا لانخفاض الإنتاجية في نشاطي الفنادق والخدمات المجتمعية.

ومن الجدير بملاحظته هو انخفاض متوسط إنتاجية العامل في نشاطات الزراعة والصناعات الحرفية وإصلاح المركبات والمطاعم والنقل والمواصلات والتعليم والصحة، واحتلت نسبة زيادة متوسط أجر العامل في نشاط التعدين المركز الأول حيث بلغت حوالي 143%، وجاءت نسبة الزيادة في نشاط الصناعات التحويلية في المركز الثاني بمعدل بلغ حوالي 28%، واحتل نشاط التشييد والبناء المركز الثالث.

هيكل العمالة حسب الأجر الشهري

ويتضح من هيكل العمالة في القطاع الخاص في دبي حسب النشاط الاقتصادي والأجر الشهري عام 2003 التالي:

* حوالي 82% من جملة العاملين في نشاط الزراعة يحصلون على أجر شهري يقل عن 000. 2 درهم في الشهر، وأقل من 2% يحصلون على أجر أعلى من 000. 8 درهم في الشهر.

* حوالي 15% من جملة العاملين في نشاط التعدين يحصلون على أجر شهري أقل من 000,2 درهم، بينما يحصل حوالي 53% على أجر شهري يزيد على 000. 8 درهم.

* حوالي 80% من جملة العاملين في نشاط التشييد والبناء يحصلون على أجر شهري يقل عن 000. 2 درهم، بينما يحصل حوالي 2% على أجر شهري يزيد على 000. 8 درهم.

* بشكل عام معظم العمالة في أنشطة التجارة وإصلاح المركبات والصناعات التحويلية والحرفية والمطاعم والنقل والتخزين (النسبة تتراوح بين 50% و90% من جملة العمالة العاملة في النشاط) تتقاضى أجرا شهريا أقل من 000. 2 درهم.

* بالنسبة لنشاطي التعليم والصحة، فإن معظم العاملين فيهما يحصلون على أجر شهري يقل عن 000. 4 درهم، واقل من 3% من العاملين في التعليم يحصلون على أجر شهري يزيد على 000. 8 درهم، وحوالي 15% من جملة العاملين في نشاط الصحة يتقاضون أجرا شهريا يزيد على 000. 8 درهم.

الخلاصة

تعكس التحولات التي طرأت على هيكل القوى العاملة في إمارة دبي، التحولات الهيكلية التي مر بها اقتصاد الإمارة. وتتمثل أهم هذه التحولات في معدل نمو القوى العاملة الذي فاق معدلات النمو الاقتصادي ومعدل نمو الأجور.

وقد كان من نتائج ذلك تدهور معدلات نمو الإنتاجية في معظم قطاعات الإنتاج، وفي مقدمتها القطاعات التي تعول عليها الإمارة في سياساتها المستقبلية مثل قطاع السياحة والتجارة. والسبب الرئيسي في ذلك هو عدم وجود سياسات حكومية تشجع زيادة الإنتاجية، وتحد من استخدام القطاع الخاص لوسائل الإنتاج كثيفة العمالة.

وتتسم العمالة في القطاع الخاص في دبي بالذكورة حيث بلغت نسبة الذكور في مجمل العاملين حوالي 89%، كما أنها تتسم أيضا بالغربة حيث بلغت نسبة العاملين المواطنين، ذكورا وإناثا، 37. 2% فقط.

وتسيطر الجنسية الآسيوية على العمالة بشكل عام حيث بلغت نسبة العمالة الآسيوية حوالي 85% في حين بلغت نسبة العاملين العرب 37. 9% ونسبة الأوربيين 92. 1%. ويعمل حوالي 68% من اجمالي العمالة في قطاع الخدمات وحوالي 32% في قطاع الصناعة.

وحوالي 50% من اجمالي العمالة في القطاع الخاص في دبي تشتغل في نشاطي البناء والتجارة. ونحو 59% من العمالة يحصل على أجر شهري أقل من 000. 2 درهم. وبلغ متوسط أجر العامل الشهري حوالي 700. 2 درهم. وبلغ متوسط إنتاجية العامل حوالي 188 ألف درهم في السنة، وكانت أدنى إنتاجية في النشاط الزراعي وأعلى إنتاجية في نشاط التعدين.

ويعمل حوالي 53% من مجمل العمالة في مهن البيع والسائقين وغير المهرة. بلغت نسبة العمالة الأنثوية المواطنة من مجمل العاملين المواطنين نحو 41%، وهي الأعلى بين نسب العمالة الأنثوية العاملة من الجنسيات الأخرى.

دبي ـ مشرق علي حيدر