لعل أكثر الأوجه أساساً وضرورة لأي عملية حية هو الواقع بأنها عملية تسير تدريجياً. فالعملية الحية تنبثق، على مهل، تدريجياً، وفيما تمضي تدريجياً العملية قدماً، يتواجد رد فعلٍ مستمر يسمح للعملية بأن تقود النظام نحو كلية أعظم، وترابط أعظم، وتكيف أعظم. وذلك بديهي بالطبع. وهو بديهي بالنسبة إلى عالِم في البيولوجيا أو البيئة.

ولكنه في الهندسة أبعد ما يكون عن البداهة. فلا عملية التصميم ولا عملية البناء تعملان على هذا الشكل، بل، بدلاً من ذلك، هناك تصور عن حال نهائية مرغوب فيها (أي التصميم)، ونظام العمليات الهندسية والبنائية معَد على إنتاج هذه الحالة النهائية المرغوب فيها، التي غالباً ما تكون خالية كلياً من رد فعل وتحسين وتكيف واقعي، في حين تتواصل العمليات.

وتغيير الهندسة إلى شكل جديد، يحصل فيه بالفعل رد فعل، يتطلب تحويلاً هائلاً. ويمكن إدراك لب الموضوع عبر التركيز على الطابع الهندسي لهيكلية حية - إن في المباني او في أي شيء آخر.

لنقوم بمقابلة بين مبنى وزهرة النرجس. فلنفترض أننا نريد صنع زهرة نرجسٍ كاملة، جميلة، حية. ولنفترض، أننا نستطيع تحديدها، خليةً خلية، ذرة ذرة. ولنفترض أيضاً أن بين ايدينا أداةً، ملقاطاً صغيراً يبلغ من الدقة حدا يسعنا فيه وضع أي ذرة حيثما نريد.

فهل يُعقَل عندئذ أن نضع تصميمًا لكل ذرة من مليارات الذرات في زهرة النرجس، ثم أن نستعمل الملقاط الصغير لجمع زهرة النرجس وفق التصميم؟ وهل ستكون عندئذٍ ميتةً أم حيةً؟ قد يقول حدْسُنا إنها ستكون ميتةً شكلاً، جوهرياً، حتى وإن أولِيَت اهتماماً كبيراً، وكما سبق وذكرت في مقال سابق، فإنها ستكون ميتة في الأغلب لأنها تكون قد احتوت على الملايين والملايين والملايين من الأخطاء.

باختصار، لو أردنا صنع زهرة نرجس حية، لزرعنا بالطبع بصلة هذه النبتة وتركناها تنمو بكل بساطة. فنحن نعرف، غريزياً، أن عملية النمو هي سر زهرة النرجس. فالزهرة الحية تأتي من الواقع بأنها أخذت تتفتح، تدريجياً.

وما يهم هو أنها تفتحت بشكل صائب، وكل طبقة تلو الأخرى أخذت تخلق أنسجة حية لها معنى. تلك هي زهرة النرجس التي تطير مع النسيم، وتحرك مشاعرنا بلبها الأصفر.وليس بناء مبنى - مبنى ينبض بالحياة - بمسألة مختلفة كلياً عن تلك.

فهو أيضاً يجب أن تُتاح له فرصة التفتح. وذلك يعني أن عليه، شأنه شأن زهرة النرجس، أن يأخذ شكله تدريجياً، في الوقت المناسب، إن قبل البناء أم خلاله. فلا يمكن أن نخلق هندسةَ هيكلية حية عبر التصميم والإنتاج الجامدين.

فهي، كما زهرة النرجس، لا يمكن أن تُخلَق إلا عبر عملية التفتح بحد ذاتها؛ وهذا واقع؛ واقع لا يمكننا الغش فيه؛ واقعٌ لا يمكننا تزييفه. ولا يمكننا أن نخلق هيكلية حية متفتحة ومن ثم أن نبنيها عبر وسائل مختلفة. فما عليها إلا أن تتفتح، في حينها.

ما يفشل في عظمة وصلابة مباني عالمنا العربي الحديث، ليس فقط الواقع القائل إنها تحطم الهيكلية. فهي تحطم الهيكلية، بجزء كبير، لأن الإطار الإجرائي حيث حدثت فيه تلك المشاريع العظيمة في القرنين العشرين والحادي والعشرين - حتى عملية التصميم بحد ذاتها خلال مراحلها المبكرة - لم يسمح بكل بساطة للتكيف التدريجي بأن يحدث، لا خلال التصميم، ولا خلال البناء، ولا حتى بعد البناء أو خلال الصيانة.

في هندسة جيدة وفي مبنى جيد أيضاً، يكمن لب أي هيكلية حية في أن تتكيف تدريجياً - التعديل والنمو اللذان يحصلان تدريجياً جواباً على معلومات تتعلق بمدى ما تدعم فيه هيكلية منبثقة الكل وتجمله. وهي تختلف عن هيكلية الصورة التي سعى كثير من المهندسين إلى دمغها على مدننا العربية كقاعدة العصر الحديث.

فمن الأفضل لنا مشاهدة العمليات الطبيعية، على مثال زهرة النرجس، فهي تترك في نفوسنا أثراً ملهماً، لأنها تجعلنا نرى نتيجة ما يحدث عندما نقوم بالأشياء بطريقة صائبة.