يشهد الاستثمار في دول الخليج وتيرة متصاعدة من النمو، بل إن هناك قفزات كبيرة على مستويات وأنواع الاستثمار كافة، ما يدعم الاقتصاد الوطني لكل دولة من دول مجلس التعاون.
لكن يجب الإقرار بأن هناك تفاوتا في اقتصادات هذه الدول فمنها من بدأ مبكراً ومنها من بدأ في وقت متأخر مستفيداً من تجارب الدول الخليجية المجاورة، غير أن المؤشر الايجابي هنا أن هذه الدول بدأت في بناء اقتصادها بشكل صحيح من خلال إعداد بنية تحتية مستفيدة من الثروات الطبيعية التي انعم الله بها على هذه الدول.
وهناك من يسأل: ما هي أسباب شح المشاريع الخليجية بين دول المجلس ؟ وقد تكون إجابتنا عن هذا التساؤل مختلفة عما صرح به بعض الزملاء والمختصين ذلك نجد أن الوقت الذي لم يحن لإقامة الشراكات الخليجية الخليجية رغم أن هذه الشراكات بدأت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة وتتبدى مثلا بالشراكة السعودية الإماراتية في بناء مدينة الملك عبد الله، وبمشروع دولفين القطري بتحالفاته مع الإمارات وعمان وغيرها من المشاريع التي تم التوقيع عليها بين الإمارات والبحرين.
ورغم قلة هذه المشاريع غير انها تمثل انطلاقه حقيقية وقوية تم بناؤها على أسس صحيحة من خلال الاعتماد أولاً على تهيئة البني التحتية لكل دولة من دول الخليج، وهذا أخذ وقتا كبيرا حيث كانت دول الخليج في دور النشوء والتكوين وبناء بناها التحتية.
ولكي تكون هناك شراكات خليجية خليجية استراتيجية كان لابد لهذه الدول أن تبني اقتصادها الداخلي جيداً وتحصنه وتقيمه على أسس رصينة يمكن معها الانطلاق نحو الشراكات الخليجية الخليجية بقوة.
ومن الطبيعي جداً ونحن نصف هذه الصورة الايجابية والتي تدلل بشكل واضح إلى حكمة القائمين على قيادة اقتصاد هذه الدول وحرص مجلس التعاون الخليجي على التنمية الاقتصادية لدولها من خلال التكامل الاقتصادي والملاحظ أن مجلس التعاون لم يكن يريد أن يقفز بهذه الدول نحو الشراكات الخليجية دون تخطيط علمي مدروس وإنما تكون خطوات التقدم الاقتصادي لكافة الدول متوازنة مع مقدراتها مع الحرص على تقارب قوانينها نحو فتح الأبواب لهذا التعاون.
وقد تكون الحاجة قائمة في هذه المرحلة أكثر من غيرها إلى إيجاد قوانين تجارية ذات أبعاد معاصرة تخدم عملية التنمية الاقتصادية لدول المجلس وقد آن الأوان لصدور قوانين تجارية موحدة لهذه الدول وإزالة العقبات من طريق المستثمرين الخليجيين خاصة والمحافظة على بناء رؤوس أموالهم في المنطقة،
لذا نجد أن تأخر انجاز هذه المشاريع القانونية التجارية أو عدم نفاذها حتى الآن من شأنه أن يعرقل العملية الاستثمارية في المنطقة وقد يؤثر سلباً عليها في المستقبل وفي اقل تقدير ستصيب بعض دول هذه المنطقة إن لم نقل جميعها،
ونجد ايجابية صدور هذه القوانين الموحدة من شأنها أن تطلق أعمالا استثمارية من بلد غني وفيه من المشاريع الكبيرة والكثيرة إلى بلد اقل غنى يحتاج إلى رؤوس الأموال هذه، وهذه الأعمال الاستثمارية في بلدانها كما أن رؤوس الأموال المتزايدة في بلد ما ستجد ضالتها في بلد خليجي آخر، إذن الفائدة تعم على الجميع دون استثناء.
وهكذا فإن تأخير إطلاق مشروع توحيد القوانين التجارية في دول الخليج جعل الاستثمار أقل من حجمه المتوقع حالياً لما تتميز به هذه الدول من اقتصادات قوية، فتكون هناك استثمارات محجمة وتحتاج إلى انفتاح قوي نحو دول الخليج.
والسؤال عن أسباب انتقال رؤوس الأموال الخليجية للاستثمار في الغرب بدلاً من موطنها، وهل يستفرد الغرب بكعكة الاستثمارات الخليجية ؟ قد تتضارب الآراء بشأن رؤوس الأموال المهاجرة، وكذلك بشأن الاستثمارات الأجنبية في الخليج، والبعض يذهب برأيه إلى ابعد من حدوده فيكون هذا الرأي مغلفا بالتشاؤم الذي يشمل انفتاح دول الخليج للاستثمارات الأجنبية في بلدانها.
لكننا على العكس من ذلك نجد أن من الايجابية جداً أن تكون هناك استثمارات لرؤوس أموال خليجية في الغرب والعكس صحيح وذلك لعوامل اقتصادية ومالية تدخل فيها أسباب كسب الخبرة وتنمية الأموال ونقل التجارب الناجحة إلى دول الخليج والاستفادة منها.
وعلى سبيل المثال كانت رؤوس الأموال الخليجية قبل عقدين أو ثلاثة لا تجد لها مجالا للاستثمار في دولها لعدم اكتمال بناها التحتية ولو حبسناها في دولتها لما تطورت رؤوس أموالها وبقيت على حالها جامدة في حين أن مغادرتها إلى الغرب طورت نفسها واكسب رجالها الخبرة اللازمة وعندما توفرت البيئة المناسبة في الوقت الحاضر في دولهم نجد أن هناك رؤوس أموال عادت والأخرى بقيت والحالتان صحيحتان ومطلوبتان.
أما الاستثمارات الغربية في منطقة الخليج فهي حالة صحية أيضا ساعدت بشكل وبآخر في دعم التنمية الاقتصادية لدول الخليج العربي التي استطاعت بحنكتها استثمار هذه الاستثمارات الغربية وهناك الكثير من رؤوس الأموال الأجنبية استقرت في المنطقة بعد أن وجدت البيئة الصحيحة للاستثمار
وكذلك إن وجود مثل هذه الاستثمارات في أية دولة من شأنها أن تكسبها الخبرة والممارسة والتعلم مما يعني الاستفادة مـن هذه العملية، والحق يقال انه بفضل الاستثمارات الأجنبية وبفضل حكمة القيادة الاقتصادية استطاعت هذه الدول أن تنهض باقتصادها مع توفر الأسباب الأخرى لنجاح العملية الاقتصادية.
الأسواق المالية والهزات المتوقعة
كما هو معروف عن الأسواق المالية فانه ومنذ أمد بعيد تتعرض لهزات كبيرة ليس في دول الخليج فقط وإنما في كل دول العالم وهذا يرجع إلى أسباب سياسية داخلية وخارجية وأسباب اقتصادية وأسباب أمنية وقد تكون هناك أسباب طبيعية (كوارث) لا قدر الله ولا ننسى الحروب. هذه الأسباب هي التي تتحكم بأسواق المال وقد يكون هناك سبب واحد فينتكس معها السوق انتكاسة ضعيفة أو لوقت قليل ترجع بعدها العافية له.
وقد تكون هناك عدة أسباب مجتمعة تعصف بالسوق وتفقده العافية لفترة ما. لذا فان هناك دراسات ونظريات تحدد مسارات السوق واختبارات اللاعبين فيها والتوقعات المحتملة في كل يوم وساعة بل وفي كل دقيقة. غير أن في الغالب تسترد الأسواق عافيتها خصوصاً إذا تدخلت الدولة بثقلها الاقتصادي لإعادة التوازن إلى سوقها المالي.
ونجد أن أسباب الهزة الحالية إنما هي الأحداث السياسية العاصفة في المنطقة (الدول المجاورة لدول الخليج العربي) مع نقص في السيولة نتيجة الاكتتاب على شركات كبرى في مختلف دول الخليج والاكتتاب في زيادة رأسمال الشركات والبنوك، ولكن نعتقد أن الأسواق المالية ستتعافى عما قريب.
من الطبيعي أن نشجع إقامة تحالفات وشراكات خليجية تدخل في منافسات للتحالفات العالمية في ظل نظام العولمة الجديد. وان هذا التشجيع يجد أسبابه في فهم هذا النظـام الجديـد والذي يشير بكل وضـوح بالإمكان للضعيف فـي ساحة اللعب الاقتصادي،
لذا نجد أن من الضروري العمل بسرعة الآن وليس في أي وقت آخر بإقامة هذه التحالفات القوية بشرط بنائها على أسس قوية تستطيع معها مواجهة عصر العولمة وتصد عنها أية هجمة اقتصادية. أما بقاء الشركات الخليجية على حالها تعمل منفردة وبتحالفات صغيرة تكون من شأنها عرضة للخسارة والخروج من الساحة.
ونحن نشجع هذه التحالفات أينما نجدها وكما ذكرنا في موضوع التكوين والنشأة الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي أنها بنيت على أسس صحيحة تكون مهيأة للدخول في تحالفات كبيرة في هذا الوقت وفي ظل النظام الجديد لكي تفعل من اقتصادها ولأجل المحافظة على استمرار تقدمه وتطوره ونموه الكبير.
وهذا الحديث يجرنا إلى موضوع التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الذي نجد أن تفعليه في الوقت الحاضر مهم جداً لاقتناص فرص التقدم وفتح آفاق التعاون بين دول المجلس على مصراعيه لتدارك أية هفوة قد تصادف المنطقة، لذا نجد من المناسب أن يكون هناك تحرك سريع ودقيق في إكمال النقص التجاري الخليجي
وتوحيد عناصر اقتصادها من خلال التنوع في الاستثمار والانتشار في أرجاء هذه الدول دون قيود تجارية أو حدود سياسية ويجب على الدول التدخل في دعم هذه التحالفات وتذليل كل الصعوبات التي تواجهها من أجل إنجاحها والذي يدخل في نجاح دولها حتماً.
قانوني وكاتب إماراتي