ساعد نظام الذهب في إجراء المعاملات النقدية الدولية طوال قرون طويلة، قبل النصف الأول من القرن العشرين، حيث استخدمه العالم إما مباشرة في سداد قيمة المبادلات التجارية والخدمية أو كتغطية كاملة للنقود المحلية المصدرة، وكان الذهب هو الغطاء الكامل للنقد المحلي المتداول في كل دول العالم قبل أن تسود العملات الدولية القوية في أوائل القرن الماضي.
والتي بدأت بالجنيه الاسترليني والفرنك الفرنسي، ثم تحولت إلى الدولار الأميركي في منتصف هذا القرن، عندما أصبح العملة الرئيسية الأولى السائدة عالمياً والتي تفوقت على الذهب في المدفوعات الدولية وأخذت مكاناً رئيسياً كغطاء نقدي في أغلب دول العالم.
وأخذ الدولار الأميركي مكانه خلال السنوات الخمسين الأخيرة وتوسع تدريجياً كعملة رئيسية في سداد المدفوعات وفي غطاء النقد المصدر على الصعيد المحلي وفي الاحتفاظ بالاحتياطي النقدي الدولي، لكن في الألفية الجديدة رأينا فكراً جديداً يحكم التصورات النقدية سواء في الاحتفاظ بالنقد الأجنبي .
أو في سداد المدفوعات بين الدول المختلفة، أو حتى في التقلبات الشديدة في أسعار العملات الأجنبية، وفي مقدمتها الدولار الذي انخفضت قيمته خلال الثلاث سنوات الأخيرة فقط بما يقرب من الثلث بالنسبة لليورو الأوروبي، كما انخفض بشدة بالنسبة للذهب.
وبالأرقام على سبيل المثال انخفض الدولار الأميركي في الثلاثين سنة الأخيرة من خمسة وثلاثين دولار أميركي للأوقية من الذهب الخالص في السبعينات إلى ألف ومئتي دولار أميركي للأوقية من الذهب الخالص في الوقت الحاضر.
وبذلك بلغ انخفاضه بالنسبة للذهب إلى ما يقرب من 34 ضعفاً، بمعنى أن من كان يملك ذهباً في السبعينات قيمته مليون دولار أصبح يملك الآن ما قيمته 34 مليون دولار.
وبمقارنة حالية لسعر صرف الدولار الأميركي مع العملات الرئيسية الأخرى كاليورو الأوروبي والجنيه الاسترليني نلاحظ انخفاضاً كبيراً، هذا الانخفاض الشديد أحدث هبوطاً واقعياً بالنسبة للاحتياطات النقدية الدولية التي تملكها الدول العربية على سبيل المثال، والتي بلغت في نهاية العام الماضي ما يقرب من 200 مليار دولار أميركي.
وبفرض أن أغلب الدول العربية تحتفظ بما يزيد على نصف احتياطياتها بالدولار الأميركي (علماً بأنه يزيد على ذلك) فإن هذه الدول تكون قد خسرت خلال ما يقرب من ثلاث سنوات حوالي 67 مليار دولار أميركي.
وهى خسارة لم تكن تتحقق لو أن هذه الدول احتفظت باحتياطياتها النقدية باليورو الأوروبي أو أي عملة قوية أخرى، أما إذا كانت تحتفظ بها ذهباً فإن الفرق كان يمكن أن يصل إلى أضعاف هذا المبلغ، مع ملاحظة أن الاحتفاظ بالاحتياطات النقدية بالذات لا يدر عوائد نقدية، حيث تقتصر الفائدة على ضمان القيمة وزيادتها، خاصة وأن الذهب لم تتغير قيمته الفعلية منذ قديم الزمان وحتى الآن.
وإذا صحت تقديرات الأموال العربية المستثمرة خارج المنطقة العربية والتي تبلغ حوالي تريليون دولار أميركي (تقديرات البنك الدولي) وإن نصفها مستثمر في ودائع وحسابات جارية وأوراق مالية بالدولارات الأميركية.
وعلى أساس أن الدولار الأميركي انخفض بما يقرب من ثلث قيمته أمام اليورو الأوروبي والعملات الرئيسية الأخرى، فإن العرب يكونوا قد خسروا ما يقرب من سدس تريليون دولار أميركي (حوالي 167 مليار دولار) خلال الثلاث سنوات الأخيرة فقط.
وذلك نتيجة احتفاظهم بهذه الاستثمارات بالدولارات الأميركية بدلا من اليورو الأوروبي، أما إذا كان الاحتفاظ بهذه الأموال ذهباً فإن الخسارة كانت تتلاشى تقريباً ولا تزيد على سعر فائدة الدولار التي كانت في المتوسط خلال هذه الفترة حوالي 5 ,1% فقط (أي حوالي 5 ,7 مليار دولار).
لقد أدى اهتزاز الدولار الأميركي في منتصف عام 1971 إلى قيام الولايات المتحدة الأميركية بتخفيض قيمته بنحو 9,7% ورفع قيمة الذهب بنسبة 57 ,8%.
حيث ارتفعت الأوقية من الذهب الخالص من 35 دولاراً أميركياً إلى 38 دولاراً أميركياً اعتباراً من 19 ديسمبر 1971، وبالتالي قامت معظم دول العالم بتعديل قيمة عملاتها المحلية في ضوء هذا التخفيض، كما قامت دول أخرى بإنشاء قيمة مستحدثة لعملاتها أطلقت عليها سعراً مركزياً.
حيث وضعت قيمة حقيقية جديدة لعملاتها تتغير حسب العرض والطلب، وظل هذا الوضع إلى أن قام محافظو صندوق النقد الدولي بتعديل اتفاقية الصندوق، حيث نصت المادة الرابعة المعدلة على:
(أ) يجب على كل عضو أن يتعاون مع الصندوق في العمل على استقرار أسعار مبادلة النقد والمحافظة على التدابير السليمة لمبادلة النقد مع الأعضاء الآخرين، وأن يتجنب كل تعديل في أسعار مبادلة النقد بغرض المنافسة.
(ب) يتعهد كل عضو باتخاذ تدابير مناسبة من شأنها إباحة العمليات الخاصة بمبادلة النقد بين عملة وعملات الأعضاء الآخرين من داخل أراضيها.
ومنذ ذلك الوقت وقد أصبحت الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي تتعامل بسعر صرف لعملاتها المحلية بالارتباط مع الدولار الأميركي أو الجنية الاسترليني أو الفرنك الفرنسي أو سلة وحدة حقوق السحب الخاصة أو سله أخرى من عملات مختلفة.
أما ارتباط العملة بالذهب فقد انتهى تماماً، خاصة بعد التغيرات الكبيرة في أسعار العملات بالنسبة للذهب وارتفاعه بشكل واضح كما سبقت الإشارة، ولم يعد هناك دول تحدد سعر تعادل لعملاتها بالنسبة للذهب.
حيث تقوم أغلب دول العالم بالتعامل مع عملات الدول الأخرى على أساس سعر الصرف المعلن والذي يتغير يوماً بعد يوم، كما لم يعد هناك سعر ثابت للعملات المحلية بالنسبة للعملات الأجنبية.
وفى السنوات الأخيرة عاد سعر صرف الدولار الأميركي للاهتزاز بشدة، وترتب على ذلك خسارة كبيرة لكل من يحوز الدولار الأميركي خارج الولايات المتحدة، وأصبح هناك دعوة جادة في دول العالم المختلفة تنادي بعدم الارتباط بالدولار الأميركي والبحث عن نظام آخر جديد لربط قيمة العملات المحلية.
وهناك تفكير دولي في إحلال عملة أخرى كاليورو الأوروبي أو سلة أخرى تضم الدولار الأميركي واليورو الأوروبي والين الياباني محل الربط بالدولار الأميركي، غير أن أي عملة بديلة لربط العملات المحلية يمكن أن تصاب مستقبلاً بالضعف أو الاهتزاز، كما حدث من قبل للدولار الأميركي، وتعود دائرة الخسارة من جديد بالنسبة للاحتفاظ بأي عملة رئيسية في الاحتياطيات الدولية أو لدى الأفراد.
وفى هذا الشأن من المقترح بحث إمكان الاحتفاظ بالاحتياطيات النقدية والخاصة وذلك في شكل أصول نقدية ثابتة عملية كالمصانع والمناجم والمزارع والعقارات والمتاجر.. الخ وهو ما يمكن أن يساعد على معالجة المشاكل الاقتصادية التي تواجه العالم كالبطالة التي تزيد على مئة مليون عامل (في الدول العربية وحدها 25 مليون عاطل).
كما يساعد تنفيذ هذا الاقتراح على رفع الروح المعنوية لفقراء العالم وتغيير أماكن الكساد إلى أماكن رواج عالمي يصل إلى كل الشعوب غنيهم وفقيرهم، قويهم وضعيفهم، وهو ما يؤدى عملا إلى انتهاء الحروب والصدام والقتل والإجرام بين البشر.
kutaiba@emirates.net.ae
كاتب اقتصادي مصري