أثناء تسوقنا تقع أعيننا كثيراً على عبارة موجودة في أماكن مختلفة في المحال التجارية وهي «البضاعة المباعة لا ترد ولا تستبدل» فهل حقا تلك العبارة تعطي للبائع ان يتمسك بها وبالتالي فإنه ليس للمشتري ان يرد السلعة في جميع الأحوال؟ تلك العبارة تنبش ثلاثة جوانب مختلفة، وتحديداً هي:

الشرعية والقانونية فضلا عن التجارية. فمن الناحية الشرعية: كما هو معلوم ان الأصل في المعاملات هو الاباحة، ولكن لو اكتشف المشتري بعد ذهابه إلى البيت اكتشف عيبا في السلعة التي اشتراها فما الموقف في ذلك؟ هنا يتحرك خيار العيب الذي هو:

الخيار الذي يثبت للمشتري بسبب وجود عيب في السلعة لم يخبره به البائع، أو لم يعلم به البائع، لكنه تبين انه موجود في السلعة قبل البيع، لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/104:

ولهذا اثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة وان يكون الباطن كالظاهر، فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك فإذا تبين ان في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى فإن رضي وإلا فسخ البيع.

وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وان كذبا وكتما محقت بركة بيعهما.

ومن الناحية القانونية:

من المتفق عليه ان البيع عقد ملزم لطرفيه ومنتج لآثاره بمجرد انعقاده صحيحاً بتوفر أركانه وشروطه، فلا يجوز لأي طرف، سواء البائع أو المشتري، ان يفسخ العقد من تلقاء نفسه وبإرادته المنفردة دون رضا الطرف الآخر ـ كقاعدة عامة ـ والتراضي الصحيح من الطرفين يقتضي ان يصدر من شخص أهلا لإصداره.

فإذا انعقد البيع ترتبت التزامات على عاتق طرفيه، لذا فإن المشتري يلتزم بدفع الثمن والبائع يلتزم بالتسليم وضمان العيوب الخفية. وحتى يستطيع المشتري التمسك بضمان العيوب الخفية فعن العيب يجب ان يكون خفيا أي لم يكن ظاهرا للعيان.

وان يكون جسيما بحيث يترتب على ذلك نقص في قيمة السلعة أو منفعتها وأخيرا يجب ان يكون العيب موجودا قبل التسليم. فإذا اكتشف المشتري العيب الخفي متى توافرت شروطه فللمشتري رد السلعة واسترداد ثمنها، كما له استبدالها بأخرى سليمة.

ولا يوجد ما يمنع المشتري ان يطالب البائع بإصلاح العيب ان أمكن على ان يكون ذلك على نفقة البائع. أما إذا رضي المشتري بالعيب بعد التسليم او استهلكها بعد علمه بالعيب أو تصرف بها فإن حقه في الرجوع على البائع بالرد على البائع يسقط.

ومن الناحية التجارية: فإن الوضع رمادي وأقصد بذلك انه لا يوجد استقرار او توحيد على السلوك الواجب اتباعه في الحالات التي يتوافر فيها العيب، فنجد ان بعض تلك المحال لا تحاول قبول الرد إلا على مضض واخرى تحاول ارغام المشتري على قبول السلعة المعيبة بطريقة غير مباشرة من خلال تمسكها بإصلاح السلعة حتى يمل المشتري.

ويدعي ان العيب كان سببه المشتري وانه باع السلعة سليمة وخالية من أي عيب والمشتري في أغلب الأحيان لا يريد الدخول في جدال قد يطول لهذا فهو يفضل الانسحاب وشراء راحة باله.

بالمقابل فإننا لا ننكر ان بعض المحال التجارية الكبيرة تقوم بالاستبدال أو الرد ولكن حتى في حالات الرد فإن تلك المحال لا ترد الثمن وإنما تعطي كوبونات شراء حتى تضطر للشراء من المحل نفسها وهو ما يعد مخالفة لنص القانون الذي يلزمها برد الثمن.

في بريطانيا مثلاً، بإمكانك ان ترد البضاعة إلى المحل ليس لوجود عيب في البضاعة وانما لأن البضاعة لا تحوز على إعجابك. متى سنصل في تعاملنا إلى هذه المرحلة من الرقي في التعامل والتبادل التجاري والذي يعد رضى المستهلك من أولويات المؤسسات التجارية بل ان التشريعات تكفلها لهم.

نهاية المطاف..

يجب أن يتم تشجيع المستهلكين على تقديم الشكاوى في حالة اكتشاف الغش التجاري أو الخداع في سلعة تم شراؤها إلى الجهات المعنية سواء كانت دائرة التنمية الاقتصادية ام وزارة الاقتصاد.

وان ذلك يعد واجباً وطنياً يهدف إلى المحافظة على الاستقرار التجاري. فما المانع من ان يكون لتلك الجهات سالفة الذكر تواجد من خلال مكاتب صغيرة في الأسواق والمراكز التجارية حتى يكونوا قريبين من المستهلك والتاجر أيضاً.

تلك الجهات التي يقع عليها مسؤولية كبيرة في إحكام الرقابة وتنفيذ الأنظمة واللوائح ذات الصلة وتلقي الشكاوى فضلاً عن المتابعة المستمرة للأسواق والتأكد من التزامها باللوائح والقوانين وإزالة أي عبارات مخالفة للقانون أو أي سلوك آخر من شأنه ان يؤثر على انسياب العمليات التجارية اليومية.

باحث قانوني واكاديمي

Vipjh710@hotmail.com