قدمت بوادر انتعاش الاقتصاد البريطاني التي لاحت مؤخرا في الأفق دعمها للجنيه الإسترليني، وعكست مسار تحركات أسعاره في مواجهة العملات الرئيسية من الهبوط إلى الصعود، بعدما أثقل قرار بنك انجلترا بالحفاظ على معدل الفائدة عند مستواها الحالي دون تغيير على أفق سعره، بفعل انحسار هوامش اختلافات الفائدة في المملكة المتحدة عن تلك السارية في منطقتي الدولار واليورو.
وتراجع مراهنات التجار على قيام بنك إنجلترا برفع الفائدة خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، وهو ما دفع أسعار السندات الحكومية البريطانية نحو التراجع.
وتعرضت أسعار الجنيه الإسترليني منذ 2 مارس للتراجع، إثر ورود إشارات من البنك المركزي الأوروبي أوحت للأسواق بأن معدل الفائدة في منطقة اليورو بصدد الصعود، وجاءت هذه الإشارات على لسان جان كلود تريشيه الذي صرح حينذاك بأن البنك سيفعل كل ما هو ضروري من ناحية أسعار الفائدة لكبح الضغوط التضخمية.
وتحققت بالفعل توقعات الأسواق، حيث قام البنك المركزي الأوروبي برفع الأساس المرجعي لمعدل الفائدة في 2 مارس وللمرة الثانية في ثلاثة أشسهر لتصل إلى 5 ,2%.
ومثل هذا القرار عبئا جديدا على الجنيه الإسترليني ليضاف إلى عبء انحسار هوامش فارق الفائدة بين الجنيه الإسترليني والدولار، وذلك في ضوء قيام بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في 31 يناير الماضي برفع الفائدة للمرة الرابعة عشرة منذ يونيو 2004 لتصل إلى 5 ,4%.
وعززت أقوال المسؤولين في البنك التوقعات بأن الفائدة الأميركية ستشهد المزيد من الارتفاعات، وهو ما يعني أن معدل الفائدة في الولايات المتحدة سيفوق مثيله في المملكة المتحدة للمرة الأولى منذ ديسمبر .
فضلا عن إعلان بنك اليابان مؤخراً عن تخليه عن سياسة مكافحة التضخم التي أتبعها على مدار خمس سنوات، وهو ما أشر على أن البنك ربما يقوم برفع معدل الفائدة اليابانية خلال العام الحالي.
وهكذا، خلفت قرارات البنوك المركزية الرئيسية في العالم بشأن معدلات الفائدة ضغوطا على الجنيه الإسترليني، وبدا للأسواق أن سياسة بنك إنجلترا فيما يتعلق بأسعار الفائدة تسير في خط معارض للمسار الذي تسير علية معدلات الفائدة في مناطق الدولار واليورو والين. الأمر الذي سيفضي إلى تقليل هوامش اختلافات الفائدة بين الجنيه الإسترليني والعملات الرئيسية في العالم لصالح الأخيرة.
وقد تعمقت الضغوط على الجنيه الإسترليني، إثر قرار بنك إنجلترا بترك معدل الفائدة دون تغيير، وذلك للشهر السابع على التوالي، بيد أن هناك غياباً للإجماع بين أعضاء لجنة السياسة النقدية بشأن أفق النمو، إذ صوت ستيفين نيكيل للمرة الرابعة لصالح خفض معدل الفائدة في 8 مارس الجاري، حسبما كشف التقرير الصادر عن الاجتماع في 22 مارس.
وهو الوحيد من بين الأعضاء الثمانية للجنة السياسة النقدية الذي صوت على خفض أسعار الفائدة، باعتبار أن تنبؤات بنك انجلترا بخصوص الاستهلاك والاستثمار مفرطة في تفاؤلها.
السندات تتراجع
وألقى قرار بنك إنجلترا بثقله على سوق السندات الحكومية البريطانية والتي شهدت تراجعا في أسعارها نتيجة لانحسار اختلافات الفائدة بين الجنيه الإسترليني والعملات الرئيسية.
ثم العودة مرة أخرى إلى الانتعاش نتيجة إعلان مكتب إدارة الديون بأنه سوف يصدر سندات خلال العام المالي المقبل بقيمة 63 مليار جنيه إسترليني، وتقل هذه الكميات عن توقعات اقتصاديين استطلعت وكالة بلومبيرج آراءهم بأن تقوم وزارة الخزانة بإصدار سندات بقيمة 70 مليار جنيه إسترليني.
وبحسب البيانات التي قامت بتجميعها وكالة بلومبيرج للأنباء وأذاعتها في 25 مارس الجاري، هبطت العائد على السندات مدة ثلاثين عاما والمستحقة في مارس 2036 خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس بمقدار 9 نقاط أساس لتصل نسبته إلى 99 ,3%، وقفز سعر السند بنسبة 6 ,1% أو 16 جنيه إسترليني لكل 1000 جنيه إسترليني، وتتحرك عائدات السندات بشكل عكسي مع أسعارها.
علامات الانتعاش الاقتصادي
ولكن حصل الجنيه الإسترليني على بعض الدعم من البيانات الاقتصادية الصادرة عن جهات متعددة في المملكة المتحدة والتي أظهرت تحسنا في أداء الاقتصاد البريطاني.
فمن جانب، أظهرت بيانات الحكومة البريطانية أن الإنتاج نما في شهر يناير بنسبة 4 ,0% وهو نفس معدل النمو الذي سجله في شهر ديسمبر الماضي، بيد أن هذا المعدل فاق توقعات الاقتصاديين الذين قدروا في استطلاع للرأي أجرته وكالة بلومبيرج للأنباء أن الإنتاج الصناعي سينمو بنسبة 2,0 %. وقد تراجع معدل نمو قطاع الصناعة التحويلية خلال العام الماضي، وذلك للمرة الأولى على مدار ثلاث سنوات.
ويسهم قطاع الصناعة التحويلية بنسبة 16% من الاقتصاد البريطاني، ويواجه مشكلة ارتفاع أسعار النفط التي قفزت بنسبة 40% خلال عام 2005، وهو ما أدى إلى تراجع إنفاق الشركات عل الاستثمارات خلال الربع الأخير من عام 2005 بنسبة 12% بالمقارنة مع الربع السابق عليه.
وفي الإطار نفسه، توقع بنك إنجلترا في 15 فبراير بأن ينمو الاقتصاد البريطاني خلال العام الحالي بنسبة لا تقل عن 7 ,2 %، مقابل نمو نسبته 8 ,1% في العام الماضي.
ومن ناحية أخرى، أظهر قطاع العقارات علامات تدل على استمرار قوة الطلب، إذ أعلنت شركة «إتش بي أو إس» أن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 4 ,1% في شهر فبراير، كما أعلن بنك انجلترا في 1 مارس أن الموافقات على الرهانات العقارية بلغت في يناير أعلي المستويات في 20 شهراً.
كما توقع بنك اسكتلندا الملكي في 3 مارس بأن يبقى معدل التضخم في شهر يناير عند مستوى 9 ,1%، وهو ما سوف يجعله قريبا من الرقم الذي يستهدفه بنك انجلترا خلال العام الحالي والبالغ نسبته 2%، فضلا عن أن قطاع الخدمات الذي يستحوذ على 75% من إجمالي الناتج المحلي البريطاني سيشهد خلال شهر فبراير نموا بوتيرة تعد الأسرع على مدى 22 شهراً.
وفي السياق ذاته، توقع وزير المالية البريطاني جوردون براون في 23 مارس الجاري أن ينمو الاقتصاد البريطاني بما يتراوح بين 75 ,2% إلى 25 ,3% في 2007 لكن الحكومة ستقترض في السنة المالية 2006-2007 ملياري جنيه استرليني زيادة عما كان متوقعاً في ديسمبر.
وأبقى براون توقعاته للنمو في 2006 دون تغيير مقدرا معدل النمو بما يتراوح بين اثنين إلى 5 ,2 % لكنه رفع توقعاته لصافي اقتراض القطاع العام للسنة المالية 2006-2007 إلى 36 مليار استرليني.
وكان براون توقع في ديسمبر الماضي أن يبلغ صافي اقتراض القطاع العام 34 مليار استرليني في السنة المالية 2006-2007 في تقريره السابق على مشروع الميزانية قبل ثلاثة أشهر. وأبقى توقعاته للاقتراض في 2005-2006 دون تغيير عند 37 مليار إسترليني.
وتمتزج تلك المؤشرات الدالة على تحسن أداء الاقتصاد البريطاني، مع مؤشرات أخرى تظهر تآكل معنويات المستهلك والمستثمر بسبب المستهلكين ومشكلات المديونيات العالية وارتفاع أسعار الوقود وركود المرتبات وارتفاع الأعباء الضريبية، إذ أعلنت جمعية البناء الوطنية أن ثقة المستهلك هبطت في 8 مارس إلى أدنى مستوى لها في أربعة شهور.
وهبطت معنويات مقرضي الرهانات من 98 نقطة في شهر يناير إلى 94 نقطة في شهر فبراير، كما أفاد اتحاد الصناعات البريطانية بأن مبيعات شركات خدمات المستهلكين كالفنادق ودور السينما قد هبطت للمرة الأولى منذ عام 2003.
وفي السياق نفسه، أظهرت البيانات الحكومية أن مبيعات التجزئة في شهر يناير سجلت ادنى مستوياتها، فيما قفز معدل البطالة إلى 1 ,5 % خلال الربع الأخير من عام 2005 وهو أعلى معدل منذ شهر ابريل 2003.
ورغم هذه الصورة المختلطة عن أداء الاقتصاد البريطاني، إلا أن المحللين والأسواق تفاعلوا مع البوادر الإيجابية، وهو ما أعطى بعض الدعم للجنيه الاسترليني، وقالت لينا كوميليفا المحللة الاقتصادية في شركة «تيليت بريبين».
ومقرها لندن ان الاقتصاد أظهر علامات تدل على أن الانتعاش بدأ يسري على نطاق واسع، وإنه من المتوقع أن تبقي معدلات الفائدة من دون تغيير على مدار العام بأكمله، وأنه من المحتمل أن يكون التحرك القادم للفائدة في اتجاه الصعود.
كذا قيم شارادا سيلفاناثان محلل العملات في بنك «بي إن بي باريبا» أن تنحوا توقعات الفائدة نحو الاستقرار، وأنه حتى التحسينات الصغيرة في الصورة الكلية للاقتصاد البريطانية تكون في حد ذاتها كافية في الوقت الراهن لوقف تراجع الحاصل في سعر الجنيه الاسترليني. وعبر ريتشارد كومينجز متخصص مبيعات سندات في شركة «ويليام دي بروس».
ومقرها لندن عن المنطق نفسه بإشارته إلى أن الاقتصاد البريطاني يتمتع بقوة أكبر مما هو معتقد وأن أسعار السندات ستتجه نحو الارتفاع مع زيادة المراهنة على قيام بنك انجلترا بتغيير معدل الفائدة.
وقال تيم فوكس محلل العملات في شركة دريسدنير كلينوورت واسيرستين ومقرها لندن إن معدلات الفائدة تتجه إلى الاستقرار على هذا المستوى وأنه قد أنتهى في الوقت الراهن هبوط الجنيه الاسترليني في مواجهة اليورو.
وانعكست تلك البوادر الإيجابية للاقتصاد البريطاني على أسواق الأوراق المالية، حيث ارتفعت في 25 مارس العقود الآجلة للفائدة المستحقة في ديسمبر بمقدار 4 نقاط أساس خلال الأسبوع المنتهي في 25 مارس لتصل إلى 73 ,4%.
متابعة ـ مجدي عبيد:
