قاد إعلان بنك اليابان عن تخليه عن سياسة مكافحة الركود التي اتبعها على مدار خمس سنوات إلى إثارة التوقعات بأن البنك سوف يقلع عن سياسة الحفاظ على معدل الفائدة عند مستوى قريب من الصفر، مدفوعا بتسارع وتيرة نمو الاقتصاد الياباني وتحسن فرص التوظيف وتزايد مستويات الأجور تخلى بنك اليابان عن سياسة مكافحة الركود التي اتبعها على مدار خمس سنوات.

ورغم إعلان مسؤولي البنك عن تمسكهم بمعدل الفائدة عن مستوى قريب من الصفر، إلا أن المحللين يتوقعون بأن ترتفع معدلات الفائدة بحلول نهاية العام الجاري.

وقد أنهت اليابان في 9 مارس الجاري سياسة مكافحة الركود التي تبنتها منذ عام 2001.

وهو ما أطلق إشارة فسرتها الأسواق على أنها تمثل الخطوة الأولى لرفع معدلات الفائدة من مستوى الصفر في ثاني اكبر اقتصاد على مستوى العالم. حيث انه في إطار سياسة مكافحة الركود، حافظ بنك اليابان على معدل الفائدة عند مستوى الصفر وقام بضخ السيولة النقدية، وقد تعرضت اليابان لثلاث دورات ركود على مدى 15 عاما.

وصوت صناع السياسة النقدية لصالح قرار خفض التدفقات النقدية التي يضخها بنك اليابان للبنوك بنسبة 80% لتبلغ 6 تريليونات ين خلال الأشهر القليلة المقبلة، والإبقاء على معدلات فائدة قريبة من مستوى الصفر بهدف الحفاظ على معدل التضخم في نطاق يتراوح بين صفر و2%.

وجاء هذا التصويت مخالفا للتوقعات التي تكهنت بأن بنك اليابان ربما يرجأ تغيير سياساته النقدية، وبرزت تلك التوقعات بناء على تصريحات جينيشيرو كوازيمي رئيس الوزراء الياباني في 6 مارس الجاري والتي حث فيها بنك اليابان على صنع قرار مدروس بعناية قبل تغيير سياساته التي اتبعها في مارس 2001.

التخلي عن مكافحة الركود.

وعلق توشيهيكو فوكيكي محافظ بنك اليابان عن هذه القرارات أمام البرلمان في 9 مارس قائلا انه من غير الممكن أن يستمر البنك في الحفاظ على ثبات تكلفة الإقراض للأبد، وأن سياسة الفائدة القريبة من الصفر تعد سياسة في غاية التشدد والتكيف، مع الأخذ في الاعتبار الوضع الاقتصادي الراهن.

وأضاف مستدركا »ان معدلات الفائدة ستبقى عند مستويات منخفضة لبعض الوقت«.ولفت محافظ بنك اليابان إلى أنه على الرغم من تغيير السياسات،إلا أن البنك سيحافظ على معدلات الفائدة عند مستويات بالغة الانخفاض.

وأن قيام البنك بضخ سيولة نقدية للبنوك كان أحد الأسباب الرئيسية لاتباع مثل هذه السياسة، بيد أن البنك لا يستطيع أن يستبعد المخاطر الضخمة التي قد تنشأ عن الفقاعات على الأجل الطويل رغم أنها غير محتملة في الأجل القريب. وتوقع أن يتواصل الانتعاش الاقتصادي وتحسن فرص وتزايد الاستهلاك.

وفي الإطار ذاته، علق شينزو آبي كبير أمناء مجلس الوزراء بقوله انه يجب أن ينهض بنك اليابان بمسؤولياته لإنهاء الركود بحيث يكون على ثقة بأنه لن يعود مجددا،ولفت إلى أن الحكومة تحترم قرارات بنك اليابان.

وقد خرجت اليابان لتوها من الركود نتيجة لارتفاع الأجور ووصول معدل البطالة إلى أدنى مستوى على مدار سبع سنوات، وهو ما حفز الاقتصاد على التوسع والنمو.

مؤشرات الانتعاش

وتوقع استطلاع للرأي أجرته وكالة بلومبيرج للأنباء وشمل 18 اقتصاديا أن يكون الاقتصاد الذي تبلغ قيمته 4.7 تريليونات دولار قد نما خلال الربع الأخير من عام 2005 بمعدل سنوي نسبته 5%.

وهو معدل يتجاوز معدلات النمو في كل من منطقة اليورو والولايات المتحدة، حيث نما الاقتصاد الأميركي خلال الربع الأخير من عام 2005 بمعدل سنوي نسبته 1.6%، في حين نما اقتصاد منطقة اليورو التي يضم 12 دولة بنسبة 0.3% خلال نفس الفترة.

وفي هذا السياق، أعلن مكتب الإحصائيات الياباني في 5 مارس أن مؤشر أسعار المستهلك الذي يستبعد الأغذية الطازجة قد قفز في شهر يناير بنسبة 0.5% بالمقارنة مع الشهر نفسه من عام 2005. مسجلا بذلك أعلى صعود في حوالي ثماني سنوات، كما ارتفع مؤشر أسعار المنتج في فبراير بنسبة 2.9%، مسجلا أسرع وتيرة نمو في 16 عاما، وذلك نتيجة لارتفاع أسعار المعادن والسلع والوقود.

وقدر تستومي كواساكي الذي يساعد إدارة سندات يابانية بقيمة 10.1 مليارات دولار في إتحاد صندوق المعاشات Pension Fund Association بأن الحفاظ على معدلات فائدة قريبة من الصفر تثير قلقا في الأسواق من تسارع وتيرة نمو معدل التضخم في السنوات المقبلة.

وجاء التقرير الحكومي الذي أوضح ارتفاع أسعار الأراضي ليغذى التوقعات القائلة بأن اليابان قد خرجت بالفعل من مرحلة الركود، وورد في التقرير الصادر في 24 مارس عن وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل أن قيمة الأراضي التجارية في ثلاث أكبر مدن يابانية قد ارتفعت في عام 2005.

وهو العام الأول الذي يشهد ارتفاعا في أسعار الأراضي التجارية على مدى خمس سنوات. وأضاف التقرير أن متوسط أسعار الأراضي في مدن طوكيو وأوساكا وناجوا قد أرتفع في عام 2005 بنسبة 1%.

وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة المالية اليابانية في 23 مارس الجاري عودة الفائض التجاري لليابان إلى الصعود خلال فبراير بعد تراجعه في يناير 2006.وبلغ حجم الفائض التجاري لليابان في فبراير الماضي 955.7 مليار ين (8.16 مليارات دولار) مقابل 351 مليار ين في يناير الماضي في حين أنه جاء أقل من الفائض المسجل في فبراير 2005 بنسبة 11%.

وورد في التقرير الحكومي أن صادرات اليابان زادت في الشهر الماضي بنسبة 20.8% لتصل إلى 5.85 تريليونات ين في حين زادت الواردات بنسبة 30.2% لتصل إلى 4896.9 مليار ين.وشهد الشهر الماضي تسجيل أعلى زيادة شهرية في الصادرات منذ إبريل 1997 وفي الواردات منذ يوليو 1996 بفضل انتعاش التجارة الخارجية وبخاصة الدول الآسيوية.

وزادت قيمة واردات اليابان النفطية بنسبة 85.9 في المئة نتيجة ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى 60.9 دولاراً للبرميل في فبراير الماضي بزيادة نسبتها 48% عن الشهر نفسه من العام الماضي. وزادت الصادرات اليابانية إلى الدول الآسيوية في فبراير الماضي بنسبة 22.5% لتصل إلى 2750.1 مليار ين في حين زادت الواردات بنسبة 16.7% لتصل إلى 1992.6 مليار ين.

ورغم أن هذه الإشارات الإيجابية عززت التوقعات بأن بنك اليابان سيكون في وضع يمكنه من رفع أسعار الفائدة، وهو ما جاء على لسان آتسوشي ميزينو عضو مجلس محافظي بنك اليابان في 20 مارس بإشارته إلى أن البنك مستعد لرفع سعر الفائدة في أي وقت.

إلا أن المسئولين اليابانيين حرصوا على التأكيد بأن التخلي عن سياسة مكافحة الركود ليس معناه القيام برفع أسعار الفائدة فوريا، وهو ما جاء على لسان كايارو يوسانو وزير الاقتصاد الياباني بقوله انه لا توجد معلومات تكفي لقيام بنك اليابان برفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.

وأضاف أنه بالنظر إلى الوضع الحالي، لا توجد بيانات كاملة ولا توجد أسس لتبرير هذا التحرك في هذا الوقت. وبسؤاله عما إذا كانت لديه أية فكرة عن موعد قيام بنك اليابان برفع الفائدة، رد قائلا بأنه ليس لديه أي شيء يقوله في هذا الموضوع.

فمن جانب، توقع 10 من 14 محللا، استطلعت وكالة بلومبيرج أن يقوم بنك إنجلترا برفع الفائدة عن مستواها القريب من الصفر بحلول نهاية عام 2006.

كما توقع بول شيرد كبير المحللين الاقتصاديين في مؤسسة lehman Brothers Japan Inc أن يشهد الاقتصاد الياباني نموا ضخما على نحو غير متوقع بحلول نهاية الربع الثالث من العام الجاري،وعند هذه المرحلة سيكون بإمكان بنك اليابان القيام بتحريك معدل الفائدة.

وتوقع نوكي إيزسكا كبير الاقتصاديين في مؤسسة Dai – Ichi أن لا يتسارع معدل التضخم في اليابان خلال العام الجاري إلى الحد الذي يجبر بنك اليابان على رفع معدلات الفائدة.

وأن يبدأ التضخم في إثارة القلق في العام المقبل، مع تحسن مستويات الأجور بشكل يحفز على ارتفاع الأسعار، ولفت إلى أنه من المتوقع أن يقوم بنك اليابان برفع معدلات الفائدة ثلاث مرات لتبلغ 0.75% بحلول نهاية العام القادم.

وفي الإطار ذاته، توقعت مؤسسة مورجان إستانلي ثالث أكبر شركة أوراق مالية في الولايات المتحدة بأن يصعد سعر صرف الين بحلول نهاية العام الجاري ليبلغ 106 ينات للدولار.

كما توقع ستيفين جين رئيس قسم العملات في شركة مورجان إستانلي أن يقوم بنك اليابان برفع أسعار الفائدة مرتين، واحدة في شهر يوليو، والأخرى قبل نهاية العام الجاري.

إشارات واضحة للأسواق

وأطلقت قرارات المركزي الياباني الأخيرة« إشارة إلى الأسواق مؤداها أن البنك يقوم حاليا بتطبيع سياسته النقدية، وهو يحاول استعادة وظيفة سعر الفائدة، وعليه توقع محللون بأن يعود بنك اليابان مجددا إلى استخدام هدف معدل الفائدة كأداة في إدارة السياسة النقدية خلال الفترة المحصورة بين شهري يونيو وسبتمبر.

ثم يقوم بعدها أسعار الفائدة، وجاء نسج هذه التوقعات بناء على تقديرات بأن التحول في سياسة بنك اليابان ربما تكون إشارة تنم عن اقتناع البنك بأن الاقتصاد على درجة من القوة تؤهله لاستيعاب الزيادات في معدلات الفائدة.