عام كامل انقضى على غياب الفنان أحمد زكي عن جمهوره العربي الواسع، ففي مثل هذا اليوم من العام الماضي عمّ الحزن بفقدان ممثل قدير منح كل طاقاته في سبيل صناعة سينمائية ومسرحية راقية. وكان كل بيت عربي يشعر أنه خسر واحداً من أقرب الناس إليه. فالراحل خرج من وسط الناس العاديين، ولم يتخلّ يوماً عن موقعه بينهم ولا عن أحلامهم وهواجسهم. وهو اليتيم المقهور الذي يتأثر بأي موقف درامي مهما كان سطحياً. ولعل النقص العاطفي الذي عانى منه هذا الفنان كان هائلاً، إذ فقد والده وهو في السنة الأولى من عمره، ليُفجع بعدها برحيل والدته.

وعاش في بيت جده، منطوياً على نفسه، خجولاً، بريئاً، طيباً، فتراكمت لديه كتلة كبيرة من المشاعر أراد أن يخرجها ويعبّر عنها، ففتحت الشاشة الصغيرة والفضية له ذراعيها، وبادلها الثقة بأن أعطاها من قلبه وعمل بجهد وصدق، فوقف إلى جانب كبار الممثلين من أمثال: محمود مرسي، وعبدالله غيث، ومحمود المليجي، وفريد شوقي، وتوفيق الدقن، وعادل أدهم، بينما تفوق وتميّز بين مجايليه ومنهم: محمود ياسين، ومحمود عبدالعزيز، وعادل إمام، وحسين فهمي وسواهم، وكان الأقوى والأفضل بين رعيل الصف الثاني، بل إنه تقدم عليهم جميعاً، البعض بخطوة والبعض الآخر بخطوات كثيرة.

افتتن أحمد زكي بالسير الشخصية، ولعبها درامياً ببراعة، فقدم في مسلسل «الأيام» شخصية عميد الأدب العربي طه حسين، الضرير الذي رأى ببصره أكثر ممن يمتلكون حاسة البصر ولا يرون فيه سوى فقاعة السطح بعيداً عن أي عمق. كما جسّد شخصية الزعيم العربي جمال عبدالناصر في «ناصر 56» ثم شخصية الرئيس المصري الراحل أنور السادات، بينما جسّد في أيامه الأخيرة شخصية الفنان عبدالحليم حافظ.

وفي هذه الاختيارات تحدّ واضح، أولاً لأن الشخصيات المجسّدة بأكثريتها معاصرة، فالممثل هنا أمام امتحان ضخم، ولأنها ثانياً شخصيات صعبة ومثيرة للجدل، طه حسين علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي، في كل ما قدم خصوصاً إطلالته على الفكر والتاريخ الإسلامي من موقع أقل ما يُقال فيه إنه ليس كلاسيكياً. والرئيس جمال عبدالناصر يُعتبر من أهم الزعماء العرب في التاريخ الحديث، حرّر مصر، ولم يكتف بالتوقف عند أبوابها، فسارت خلفه الجماهير العربية من كل حدب وصوب. والرئيس أنور السادات الذي تجرأ على محاورة العدو في لحظة حارة من تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وعبدالحليم حافظ الذي لا يزال حاضراً في قلوب الناس حتى اللحظة، الأكثر مبيعاً في المكتبات والأسواق الموسيقية العربية.

أما معاناة زكي مع المرض والفقر والقهر، فهي تشبه إلى حد بعيد معاناة العندليب الأسمر، وقد تشابها في موعد الغياب أيضاً، سر غريب في هذا الأمر، أو مصادفة تريد أن تقول شيئاً لا نعرفه. لكن الناس أحسّته، فخرجوا بعشرات الآلاف يودعونه كما ودّعوا عبدالحليم حافظ قبل ما يقارب الثلاثة عقود.

وغني عن القول إن السينما المصرية والعربية بغياب أحمد زكي فقدت ممثلاً فذاً، لن تجد له مثيلاً في زمن قريب. خصوصاً إذا نظر المرء إلى الجيل الجديد من الممثلين في مصر، فأكثرهم متسلق، والقلّة منهم تحمل مشروعاً، أو أن الفن يشكل بالنسبة إليهم قضية، كما كان يفكر أحمد زكي، فقد شاهدناه في «درب الهوى» يحاول إنقاذ فتاة وقعت في حبائل الشر، لكن شقيقها يسبقه إليها ويذبحها. وفي «زوجة رجل مهم»، القاسي، الذي يعمل في الأمن ويفهم العلاقات الاجتماعية والإنسانية من منظار ضيق ومشين.

وفي «البيضة والحجر» مدرِّس تفرض عليه الظروف أن ينحرف إلى أعمال الشعوذة، وفي «الهروب» يواجه من يزوِّرون أحلام الناس بالسفر والعمل في العالم العربي، وفي «البرنس» المجرم الذي يقتل ستة أفراد من عائلته كي يرثهم. إضافة إلى سلسلة طويلة من الأعمال، التي اعتمد فيها أحمد زكي على مستوى تعبيري في حركة جسده، وإيحاءات وجهه، وقدرته على استنطاق كل أحاسيسه. لذلك لم يتقبل أداء الأدوار الصوتية فقط مع انه في التمثيل يقدم مستويات بالصوت.

كل ما ذكرناه أكد حضور أحمد زكي كفنان عربي بمستوى عالمي، مع انه لم يهتم فعلاً بأن ينتقل إلى السينما العالمية، أو أنه لم يسع إلى خلق أي فرصة من هذا النوع، فغرق في خصوصية واقعنا العربي، من الحارة، من الآلام وقهر المعذبين، في السياسة والاجتماع والاقتصاد، وكلما ازداد زكي غرقاً في المحلية كلما بزغ نجمه كفنان عالمي بمضي التاريخ الفني. فهو ليس أقل من كثيرين في السينما الغربية من أمثال آل باتشينو، وداستين هوفمان، وروبرت دينيرو.

أحمد زكي عملة نادرة في واقعنا السينمائي من العالم العربي، ورحيله نكسة للفن الحقيقي الصادق، الملامس للحقائق. رحل وهو على تماس مع قضايانا ويملأ القلب والوجدان، احترمناه وأحببناه وسيبقى نجمة في سماء الفنانين العرب تنير لهم دروب الفن الحقيقي.

حسين قطايا