يسود أسواق صرف العملات إجماع في الرأي بأن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي سيقرر في اجتماعه اليوم الثلاثاء رفع الفائدة الأميركية بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 4.75 % من مستواها الحالي البالغ 4.50 %،ليعد بذلك الرفع الخامس عشر للفائدة منذ يونيو 2004.

وتثور خلافات في توقعات المحللين بشأن ما إذا كانت هناك زيادات أخرى في أسعار الفائدة خلال العام الجاري أم أن سياسة الرفع المتواصل للفائدة قد وصلت إلى نهاية مطافها وبرزت آراء متباينة ما بين قائل بأن هناك زيادة أخرى للفائدة لتصل إلى 5 % وقائل آخر بأنه ما زال في جعبة البنك زيادات أخرى للفائدة تدفع بها إلى مستوى يزيد على 5 % قبل أن تصل إلى نقطة الذروة.

ويتمشى القرار المتوقع للبنك برفع الفائدة مع الخطوط الإرشادية العريضة التي يتبناها بن بيرناك رئيس البنك بجعل سياسة الفائدة أكثر شفافية على نحو يعفي المتعاملين من التكهن بشأن التحركات المقبلة للفائدة.

وعلى نحو يجعل نهجه في إدارة السياسة النقدية مغايرا عن النهج الذي اتبعه سلفه آلان جرينيسبان الذي كان يدع الأسواق تتكهن بما سيكون عليها تحركات الفائدة.

ولهذا وحتى قبيل انعقاد اجتماع لجنة الأسواق المفتوحة اليوم، تعهد بن بيرناك بإضفاء المزيد من الشفافية على سياسة بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي.

ويعد هذا الأمر في رأي آلان بليندر النائب السابق لرئيس بنك الاحتياط الفيدرالي وأستاذ الاقتصاد بجامعة برينكتون في نيو جيرسي ميزة تحسب لصالح بين بيرناك عند المقارنة بينه وبين سلفه آلان جرينيسبان، حيث انه من الأفضل اتباع أسلوب الصراحة والعلانية عوضا عن نهج التكتم بشأن المسلك الذي ستسير عليه سياسات البنك.

نهج الشفافية والإفصاح

وتنسج أسواق الصرف توقعاتها بخصوص التحرك القادم للفائدة بناء على الآراء والمواقف التي عبر عنها بين بيرناك علنا منذ خلافته آلان جرينيسبان في مطلع شهر فبراير الماضي.

حيث حرص رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي على طرح قناعاته بشأن نطاق متسع ومتنوع من القضايا،من بينها، اقتناعه بأن استقرار التضخم يعد أمرا جوهريا للنمو الاقتصادي وأن ارتفاع أسعار الأصول ليس معناه حدوث زيادة في معدلات الفائدة.

وأن انخفاض عائدات السندات على الأجل الطويل ليس علامة على قدوم الركود، وتنسجم هذه القناعات من وجهة نظر بعض الاقتصاديين مع التصريحات والبيانات التي أدلى بها بين بيرناك خلال توليه منصب محافظ بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في الفترة من 2002 إلى 2005.

وجاء تعبير بين بيرناك عن هذه القناعات في العديد من المناسبات، ففي جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة المصارف بمجلس الشيوخ الأميركي في 15 نوفمبر، قال رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي أن اتباع البنك أسلوب الوضوح في اتصالاته يعد أمرا مفيدا .

ومساعدا في توجيه توقعات الجمهور بشأن أسعار الفائدة وتعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار. كما ورد في الكلمة التي ألقاها أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب في 15 فبراير أشارت إلى أنه من الخطأ إسداء النصح للمشرعين بشأن ما سيفعلونه بخصوص الضرائب والإنفاق.

رغم تفضيله الحفاظ على ميزانية ذات مستوى عجز منخفض، فمثل هذا الأمر يعد السبب الذي من اجله انتخب الجمهور نوابه، وبالتالي، فمناط بهم أن يقوموا بفعل ذلك.

وبعد ذلك بأسبوع،صرح بين بيرناك أنه سيعد أمرا سيئا بالنسبة لبنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي أن يحاول التأثير على أسعار الأسهم والمنازل من خلال تحركات أسعار الفائدة، واستبعد أن يكون هناك تناقض بين انخفاض معدلات التضخم ونمو التوظيف.

واعتبر تحقيق هدف استقرار الأسعار بمثابة شرط مسبق لتحقيق الأهداف الأخرى المخول للبنك تحقيقها والمتعلقة بتحقيق معدلات فائدة معتدلة على الأجل الطويل ومستويات توظيف عالية.

وفي خطاب آخر له، أقر فيه بأنه من شأن انخفاض عائدات السندات على الأجل الطويل أن يعقد عمل البنك في إدارة الاقتصاد، ولكن لم يفصح بالضبط عما يعنيه بهذه المعدلات، بيد أنه قال انه من شأن اعتماد الإنفاق على معدلات فائدة منخفضة في الأجل الطويل، أن يحفز على صعود الطلب الكلي.

وسيكون مطلوبا عندئذ، معدلات فائدة مرتفعة في الأجل القصير، وعلى العكس، ستعطي عائدات منخفضة على المدى الطويل إشارة تنم عن تراجع الطلب على الاستثمارات والادخار.

وهو ما يجعل من المطروح تبني سياسة أسعار فائدة منخفضة،كما ورد في خطاب أرسله بين بيرناك إلى هارود فورد عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي،وتم نشره في 21 مارس الجاري أن التراجع الممكن في الدولار نتيجة لتقلص الاستثمارات الأجنبية لا يعد أمرا مثيرا للقلق.

عمومية المواقف

ورغم أن رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي تحدث بشكل مسهب عن العديد من القضايا الشائكة، إلا أن طابع العمومية من وجهة نظر بعض الاقتصاديين قد غلب على هذه الأحاديث، فيما ما تعلق بسياسة أسعار الفائدة.

وبالتالي، وضع بين بيرناك في رأي ميكي ليفي كبير الاقتصاديين في بنك أميركا ومقره نيويورك الخطوط العريضة لكيفية إدارته للسياسة النقدية بناء على تحليل اقتصادي محض وتحديد للمفاهيم التي تدخل في إطار هذه السياسة.

وهو في هذا المجال خالف النهج الذي اتبعه سلفه آلان جرينسبان الذي آثر عدم تحديد مواقفه خلال الأسابيع الأولى من توليه منصبه كرئيس لبنك الاتحاد الفيدرالي في عام 1987، وعوضا عن ذلك، قام بعقد اجتماع للعاملين في البنك، ووجه العديد من قرارات الفائدة. وقام بإلغاء خطابه الأول إثر الانهيار الذي تعرض له سوق الأسهم في الولايات المتحدة.

ورغم أن آلان جرينسبان قد أضفى الكثير من الشفافية على سياسات بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي، بكشفه عن اتجاهات التصويت فيما يتعلق بالفائدة، وحرصه على توضيح قرارات السياسة النقدية، إلا أنه لم يفصح سوى القليل من التنبؤات بشأن تحركات أسعار الفائدة والمؤشرات الاقتصادية الأخرى، على خلاف الحال بالنسبة لبنوك مركزية أخرى في دول كانجلترا ونيوزيلندا.

توقعات رفع الفائدة

وبناء على هذه التحليلات لأسلوب بين بيرناك في إدارة سياسات بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي،أصبح في حكم المؤكد أن يقوم البنك بإجراء رفع للفائدة في اجتماعه اليوم.

وهو ما سيؤثر إيجابا على الدولار،بتعزيز سعر صرفه في مواجهة العملات الرئيسية، حيث جنى الدولار مكسبا سعريا نسبته 1.8 % في مواجهة اليورو خلال الأسبوع المنتهي في 24 مارس، وهو أعلى ارتفاع أسبوعي سجله الدولار اعلى منذ الأسبوع المنتهي في 4 نوفمبر الماضي.

كما أن ورود بيانات اقتصادية إيجابية قد خفف من التوقعات القائلة بأن البنك الفيدرالي الأميركي قد اقترب من نقطة النهاية بشأن رفعه المتواصل للفائدة، وعزز توقعات بأن يقوم البنك برفع الفائدة مرتين لتصل إلى 5 % بحلول نهاية العام الحالي.

وهو أعلى مستوى تسجله الفائدة منذ مارس 2001، وهو ما سيؤدي إلى جني المستثمرين عوائد أكبر من السندات الأميركية بالمقارنة مع السندات الأوروبية واليابانية ذات الآجال الواحدة في الاستحقاق.

وفي هذا السياق، قدر ميشييوشي كاتو نائب رئيس مبيعات العملة في بنك ميزهو كوربورات أن البيانات الاقتصادية الأميركية القوية دعمت رهانات المستثمرين بأن يقوم بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي برفع الفائدة بما يزيد على 5 %، وهو ما سوف يشجع على تسارع وتيرة صعود الدولار.

واتفق جريج جيبس محلل العملات في بنك »أيه بي أن آمرو« مع التقدير السابق بإشارته إلى أن السوق يحدد تحركات أسعار الفائدة بأنها ستزيد بمقدار 50 نقطة أساس لتصل إلى 5% بحلول نهاية العام الحالي،ويعد هذا التقدير صائبا إذا أخذ في الاعتبار نوعية البيانات الاقتصادية القوية.

وفي الإطار ذاته، لاحظ آنتجي برافيك محلل العملات في البنك التجاري الألماني أنه ساد الأسبوع الماضي توقعات باقتراب نهاية ارتفاعات الفائدة ولكننا عدنا مرة أخرى إلى ما يمكن أن نطلق عليه بالتوقعات العادية،وهو ما يعزز موقف الدولار.

كتب مجدي عبيد: