مازال من المتعين على منظمة أوبك ومجلس التعاون الخليجي أن يتحاورا مع أكثر من صوت في أوروبا، إذ لم يخرج الزعماء الأوروبيون من اجتماعهم يوم الخميس الماضي بنتائج قوية من شأنها أن تخفف قبضة الحكومات على سياسات الطاقة.

واكتفوا بإصدار بيان عام يعبر عن تطلعهم لوضع سياسة طاقة مشتركة، من دون الاتفاق على آليات بعينها تهييء الطريق نحو إقامة سوق أوروبي موحد للطاقة، حيث تلبدت أجواء القمة الأوروبية التي عقدت خصيصا لمناقشة قضايا الطاقة، بالخلافات بين الدول الأعضاء حول الاندماجات عبر الحدود وتحرير قطاع الطاقة.

وهكذا، أحبطت النزعات الوطنية القوية داخل الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي تطلعات مفوض الطاقة بالمفوضية الأوروبية في تحسين موقفه التفاوضي مع منظمة أوبك والدول الأخرى المصدرة لموارد الطاقة رغم الدعم الذي حصل عليه من رئيس المفوضية الأوروبية في تأييد مقترحاته الهادفة إلى خلق سوق طاقة أوروبي موحد، وتأسيس هيئة تنظيمية أوروبية يناط بها مسؤولية الاشراف على سوق أوروبي موحد للغاز الطبيعي والكهرباء.

ورغم تكثيف كل من مفوض الطاقة الأوروبي ورئيس المفوضية الأوروبية من جهودهما في تليين النزاعات الوطنية، إلا أن وزراء الطاقة في الدول الكبرى الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أعربوا في منتصف الشهر الجاري عن معارضتهم الشديدة لإخراج سياسات الطاقة من قبضة الحكومات، وطالب وزراء الطاقة الأوروبيون من المفوضية الأوروبية أن تراعي مبدأ السيادة الوطنية في مقترحاتها الخاصة بموضوعات الطاقة.

وهكذا، عاد مفوض الطاقة الأوروبي إلى «المربع صفر» من دون أن يحصل على التفويض والسلطة الكافيين للتفاوض على اتفاقيات تتعلق بموضوعات الطاقة مع دول أوبك والدول المصدرة الأخرى لموارد الطاقة.

رغم إقرار القادة الأوروبيين في قمتهم في 24 مارس بأهمية البحث عن الكيفية التي بها يمكن لدول الاتحاد الأوروبي التفاوض المشترك مع موردين مثل روسيا.

وبالتالي ظل السؤال الذي خيم على أجواء جلسات الحوار بين دول أوبك والاتحاد الأوروبي وجولات الحوار الخليجي الأوروبي مطروحا وبقوة من دون إحراز أي تقدم في تقديم إجابة عليه وهو: مع من سيجري التحدث حول قضية ضريبة الكربون والقضايا الأخرى ذات الصلة بموضوع الطاقة ؟.

غياب آلية أوروبية موحدة

فوجود مفوض لشؤون الطاقة في المفوضية الأوروبية، لا يعد في حد ذاته مؤشرا على وجود آلية أوروبية مخول لها سلطات إدارة القضايا المتعلقة بالطاقة، في ظل معارضة حكومات الدول الأعضاء التنازل عن هذا الحق السيادي للمفوضية الأوروبية.

وما فاقم الوضع سوءا، حقيقة غياب وجود استراتيجية طاقة أوروبية موحدة، مما جعل من الصعوبة على الدول الخليجية أن تضع أجندتها التفاوضية في مواجهة أجندات تعكس التنوع بل وأحيانا التضارب بين سياسات الطاقة الوطنية للدول الأعضاء.

ويعلم آندريس بيبالجس مفوض شؤون الطاقة في الاتحاد الأوروبي علم اليقين أبعاد المأزق الناجم عن غياب وجود استراتيجية طاقة أوروبية موحدة، خاصة وأن التقديرات تشير إلى تزايد اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الخارج في توفير إمدادات الطاقة.

ولهذا نشط مسؤول الطاقة الأوروبي في جهوده لإخراج هذا الملف الحيوي والمهم من قبضة حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ووضع ما أسمته المفوضية الأوروبية « بالورقة الخضراء » كعنوان لاستراتيجية طاقة أوروبية موحدة.

الورقة الخضراء

وانطلقت الورقة الخضراء التي عرضتها المفوضية الأوروبية على الدول الأعضاء في منتصف الشهر الجاري من جملة أفكار تعكس قراءتها للتحديات التي تواجه أوروبا في مجال تأمين الحصول على موارد الطاقة بشكل مستمر ومتواصل. وتتمثل تلك الأفكار في التالي :

أولا: إن أوروبا تواجه مرحلة جديدة في مجال الطاقة، حيث تضاعفت تقريبا خلال العامين الماضيين أسعار النفط والغاز، ومن المتوقع أن تتزايد تبعية أوروبا على الخارج في الحصول على احتياجاتها من موارد الطاقة، إذ ستتزايد وارداتها بنسبة 70% بحلول عام 2030.

ثانيا: سيتأثر أمن الطاقة الأوروبي بالتراجع الحاصل في الاحتياطيات الهيدروكربونية، وتسارع وتيرة صعود الطلب على موارد الطاقة، وازدياد ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الأرضية، ويملي مثل هذا الوضع تحديات لا تقتصر على الأوروبيين فحسب، وإنما كذلك بقية الدول الأخرى.

ثالثا: إن الدول الأوروبية مجتمعة تتمتع بموقع جيد في التعامل مع هذه التحديات، إذا ما جرى التعاطي معها على نحو جماعي وليس فردياً، إذ تتمتع بقوة تساومية قوية مستمدة من كونها ثاني أكبر مستهلك لموارد الطاقة بعد الولايات المتحدة، إلى جانب تمتع القارة الأوروبية بميزة كونها أكثر القارات العالم كفاءة في استخدام موارد الطاقة.

علاوة على كونها فاعلاً رائداً في تطوير أشكال الطاقة الجديدة والمتجددة، وتطوير تكنولوجيات لتقليل انبعاثات الكربون وإدارة الطلب.

رابعاً: إن الدول الأوروبية تعاملت مع هذه التحديات على نحو فردي، وبالتالي، فهي أخفقت في خلق أرضيات مشتركة وجسور تربط بين السياسات الوطنية للحكومات الأوروبية.

وهو الوضع الذي يجب العمل على تغييره، وهو أيضا السبب الذي من أجله قامت المفوضية الأوروبية بوضع الورقة الخضراء التي تهدف إلى تطوير سياسات طاقة مشتركة تحقق الأمن الأوروبي في مجال الطاقة على نحو تنافسي وكفؤ ومستدام.

على اعتبار أن نجاح الاتحاد الأوروبي في تبني مناهجية مشتركة، من شأنه أن يعزز دور أوروبا في قيادة الجهود العالمية في مجال التوصل إلى حلول لمشكلات الطاقة.

وبناء على تلك القراءة لأوضاع أسواق الطاقة في العالم وللتحديات التي تواجها أوروبا وبقية دول العالم في مجال تأمين موارد الطاقة، تضمنت الورقة الخضراء مقترحات، تمثلت في التالي:

أولا: يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى التحدث بصوت واحد مشترك، وأن يستخدم حجم سوقه الضخم والأدوات والأساليب المتيسرة لإدارة تبعيته في مجال الطاقة، عبر تنويع مصادر إمداداته من موارد، وبناء دعم عالمي لمعالجة تحديات الطاقة وإقامة علاقات مشاركة جديدة مع الدول الموردة للطاقة في المناطق المجاورة كروسيا.

فضلا عن شركاء الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط وأميركا وآسيا، وهو أمر في غاية الأهمية لتحقيق الاستفادة من المصالح المتبادلة بين دول الاتحاد الأوروبي وموردي الطاقة في المناطق المجاورة في إقامة أسواق للطاقة آمنة ومستدامة ومنفتحة.

ثانيا: يجب إقامة سوق أوروبي موحد للغاز الطبيعي والكهرباء، وهو ما سوف يفيد المستهلكين، فضلا عن أن تلك الأسواق ستوفر مناخا جاذبا للاستثمار، كما ستوفر سياقا أوروبيا ناجعا لحركة الاندماجات الراهنة.

حيث أن تمتع أوروبا بالازدهار والحيوية في مجال الطاقة ينهض شأنه شأن المجالات الأخرى على تقليل الحواجز وليس زيادتها، وأنه يمكن أن يرتفع معدل انبعاث ثاني أكسيد الكربون بنسبة 60% بحلول عام 2030.

وهو العامل الرئيسي المتسبب في سخونة المناخ. ولأجل مواجهة التحديات، ولهذا دعت الورقة إلى زيادة التنافسية في أسواق الطاقة، والتشديد على معايير حماية البيئة وإقامة بنية تحتية جديدة تشتمل على محطات لاستقبال شحنات الغاز الطبيعي المسال ومد خطوط أنابيب من مناطق بحر قزوين وشمال أفريقيا إلى قلب أوروبا، وإقامة شبكة كهرباء أوروبية موحدة.

ثالثا :يجب أن تستجيب أوروبا بشكل أفضل للتقلبات في أسواق الطاقة، عن طريق إعادة التفكير في أسلوب الاحتياطيات، وبناء مخزونات من النفط والغاز لأوقات الطوارئ.

رابعا : يجب تسريع عملية التحول إلى تبني اقتصاد يقوم على الاستخدام المتدني ؟، وبالتالي، فإن أوروبا بحاجة إلى وضع إطار عمل يهدف إلى تنمية موارد طاقة منخفضة الكربون.

وهو ما قد يعني بالنسبة للبعض طاقة الرياح وللبعض الآخر الطاقة الشمسية ولآخرين الفحم النظيف، فضلا عن أن بعض الدول الأعضاء تدرس إحداث المزيد من تطوير في مجال الطاقة النووية، ولكن الاتحاد الأوروبي ليس في وضع الرفاهية لتدعيم موارد طاقة معينة، واستبعاد موارد أخرى.

بل يجب عليه العمل بجدية لتطوير موارد الطاقة منخفضة الكربون. ورغم أنه من غير الممكن أن تحل تلك الموارد محل موارد الطاقة الهيدروكربونية، إلا أنه بالإمكان استخدام هذه الموارد مجتمعة.

خامسا: يجب ألا تقتصر الجهود على تغير توليفة المعروض من إمدادات موارد الطاقة، بل كذلك تغيير أنماط الطلب على الطاقة. وهو ما يعني، ضرورة العمل على تطوير تكنولوجيات جديدة، وتغيير أنماط الاستهلاك، والاستمرار في تطوير مقاييس للكفاءة بالنسبة للقطاعات الأكثر استهلاكا للطاقة كقطاع النقل والمواصلات والمساكن.

سادسا: إن الدول الأوروبية على مقربة من تطوير موارد طاقة منخفضة الكربون، وهو ما سوف يحقق فوائد جمة على مستوى البيئة، ويوفر فرصا سخية للأعمال، ويكفل الازدهار لأسواق الطاقة، ويمكن في هذا السياق أن تقدم المؤسسات التكنولوجية الأوروبية المساعدة في ضمان ريادة أوروبا للجهود الإبتكارية في مجال الطاقة.

وهكذا، فإن تحقيق هذه الاستراتيجية لتصبح واقعا معاشا يتطلب من وجهة نظر مانويل باروس رئيس الاتحاد الأوروبي أن تمتلك الدول الأعضاء الإرادة السياسية بأن تتخلى عن سياستها المتباينة والمتنافرة في مجال الطاقة، وتتبنى سياسة موحدة تتمشى مع جسامة التحديات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي، خصوصا في ظل تراجع احتياطياتها من النفط والغاز.

وتصاعد طلبها على موارد الطاقة وارتفاع حرارة الكرة الأرضية، وهي أوضاع تلزم الاتحاد الأوروبي بتبني منهج يتمشي مع هذه الحقائق، بحيث يكون بإمكان قادة الدول الخمس والعشرين الأعضاء في الاتحاد التحدث بصوت واحد وجلي.

وتعتبر هذه الأفكار نتاج حوار طويل ومناقشات مستفيضة بين المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء، وبرز هنا التباينات في وجهات النظر والآراء، ففيما لم تحبذ الأفكار الفرنسية مسألة إقامة سوق موحد في مجال الكهرباء، دعت الأفكار الألمانية إلى المزيد من تحرير أسواق الغاز الطبيعي والكهرباء.

وطلبت دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي تعتمد تقريبا على روسيا في الحصول على احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، بتبني منهاج أوروبي أكثر تكاملا، على اعتبار أنه لم يعد كافيا أن تكون الدولة العضو مسؤولة مسؤولية كاملة عن تأمين احتياجاتها من موارد الطاقة.

عمومية المبادئ والتصورات

وطبعت هذه المناقشات بين المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء من وجهة نظر كلود تيميس منسق لجنة الطاقة والبحوث والصناعة في البرلمان الأوروبي «الورقة الخضراء» بطابع «العمومية الشديدة، بحيث صارت تفتقر إلى آليات التطبيق والتنفيذ وإلى الرؤية الواضحة والمتماسكة.

ورصد أوجه القصور الموجودة في الورقة، تتمثل الأولى في أنه من غير الممكن بناء سوق أوروبي موحد للطاقة، في الوقت الذي تترك فيه للحكومات مسؤولية وضع قواعد المنافسة في أسواق الطاقة.

أما المشكلة الثانية من وجهة نظر منسق لجنة الطاقة والبحوث والصناعة، فهي تتمثل في عدم إعطاء الورقة الاستراتيجية الأهمية التي يستحقها قطاع النقل والذي يستهلك 96% من موارد الطاقة، وعدم إدراج هذا القطاع ضمن الأولويات، فضلا عن أن حوالي 50% من الغاز المستهلك في الاتحاد الأوروبي يأتي من روسيا والنرويج والجزائر.

وإذا ما أستمر معدل الاستهلاك الحالي على ما هو عليه، فإن الواردات سوف تزيد بنسبة 80% خلال الربع القرن المقبل، وبالتالي، توجد ثمة حاجة لاستثمارات بقيمة تريليون دولار أو 2 ,1 تريليون دولار.

أما المشكلة الثالثة، فهي تتمثل في عدم تحديد الورقة لكيفية خلق المزيد من التنافسية في قطاع الطاقة، وذلك على رغم من دعوة الورقة الحكومات إلى إعطاء صغار المنتجين نفاذا سهلا إلى شبكات التوزيع، وإقامة أسواق تنافسية مفتوحة، وإطلاق أسواق تنافسية حقيقية في مجال الغاز الطبيعي والكهرباء.

وتتمثل المشكلة الرابعة في عدم تقديم الورقة حلولا للمشاكل التي تعترض إقامة سوق طاقة أوروبي موحد، وتشمل، هيمنة عدد قليل من الشركات على الأسواق، وتباين سياسات الدول الأعضاء فيما يتعلق بانفتاح الأسواق.

وهو ما يحول واقعيا إلى الحيلولة دون تطوير سوق أوروبي تنافسي حقيقي، فضلا عن وجود فجوة بين الدول فيما يتعلق بمدى قوة التزامها بتطوير موارد الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب إغفال الورقة الإشارة إلى أهمية تعزيز التكامل بين خطوط شبكات السكك الحديدية، وضخ المزيد من الاستثمارات في صناعة السيارات غير المعتمدة على النفط.

ورغم انتقاد البعض لعمومية الورقة وافتقارها إلى الآليات التنفيذية، إلا أنه تم إجهاضها خلال مؤتمر وزراء الطاقة الأوروبيين في 15 مارس الجاري، حيث طالب الوزراء في بيانهم بأن تراعي المفوضية الأوروبية في مقترحاتها سيادة الدول.

وعكست تصريحات وزراء الطاقة للدول الرئيسية في الاتحاد مثل هذا التوجه، حيث أعلن مالكولم ويكس وزير الطاقة البريطاني أنه من المهم جدا للدول المستقلة كفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا أن تحافظ على سياسات الطاقة الخاصة بها، وقال فرانسوا لوز وزير الطاقة الفرنسي أنه من السابق لأوانه إقامة جهة أوروبية منظمة لأسواق الطاقة.

وهكذا ورغم الجهود المضنية التي بذلتها المفوضة الأوروبية لخلق سوق طاقة أوروبي موحد، إلا أن ثمار تلك الجهود قد تبخرت بفعل قوة النزعات الوطنية التي مازالت تنظرد إلى سياسات الطاقة على إنها قضية استراتيجية ينبغي أن تظل في أيدي الحكومات.

كما أنه وعلى الرغم من أتفاق دول الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث سنوات على تحسين التنسيق بين سياسات الطاقة، إلا أنه مازالت تجوبه توليفة من سياسات الطاقة المتعددة المشارب، ورفضا من جانب الدول الأعضاء للتنازل عن اختصاص السيادة في قضية ينظر إليها من قبل هذه الدول على إنها قضية أمن قومي.

بحيث صار من الصعب عليه لملمة تلك المصالح معا في مسعى مشترك للوصول إلى مصادر جديدة للطاقة، على خلاف الحال في الولايات المتحدة والدول الآسيوية والتي انشغلت منذ فترة طويلة بقضية « تأمين احتياجاتها من الطاقة» بعدما ارتقت إلى قمة أجندتها السياسية.

ما زال الاتحاد الأوروبي، من وجهة نظر المحللين، يواجه إخفاقا في وضع استراتيجية إقليمية لتأمين الطاقة.وهو الأمر الذي يجعل من الضروري بالنسبة للاتحاد الأوروبي أن يضع استراتيجية متناغمة تستجيب للمخاطر المتنامية والمترتبة على تزايد اعتماده على الخارج في الحصول على احتياجاته من النفط والغاز.

ويعد هذا الأمر في تقدير «فاتيه بيروت» كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية أمرا ملحا للاقتفاء بأثر المناطق والدول الأخرى التي تتبنى استراتيجيات نشطة في هذا المجال.

ولعل وضع الاتحاد الأوروبي في هذا المجال صار أكثر صعوبة في أعقاب رفض الفرنسيين والهولنديين للدستور الأوروبي المقترح، وهو ما يدفع التعاون الإقليمي الأوروبي في مجال تأمين الطاقة في ذيل الأولويات.

ولكن في وسط هذا كله، تتصرف أوروبا في رأي ليولا دي باليشيو المفوضة السابقة لشؤون الطاقة والنقل في الاتحاد الأوروبي - وهي في حالة سبات، ففي حين ـ والكلام لها ـ تصعد الصين من مشترياتها للنفط، وتتحرك شركاتها يمينا ويسارا، فأنه من غير المؤكد أن تستيقظ أوروبا من حالة السبات.

حيث مازال ينظر فيها إلى قضية النفط على أنها ذات طبيعة استراتيجية لدرجة أنه من غير المقبول أن تكون محل تقاسم بين الدول الأوروبية، ولكن اللاعبين الكبار الآخرين لا يتصرفون بهذه الطريقة.

ومن غير المحتمل بالنسبة للدول الأوروبية أن تستمر في التفكير على هذا النهج. حيث يجب التفكير في قضية النفط من منظور أوروبي وليس من منظور قومي.

بيد أن مثل هذا التصور محل نزاع واختلاف في وجهات النظر بين عواصم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، حيث تتمسك العديد منها بتبني استراتيجيات قومية في مجال الطاقة.

وتبرز من بينها فرنسا التي تعتمد على الطاقة النووية في تلبية 80% من احتياجاتها من الكهرباء، والحقيقة أن الدول الخمس والعشرين التي يتألف منها الاتحاد الأوروبي لم تحرز تقدما كبيرا في القضايا المتعلقة بالطاقة سوى إقرارها المبدئي بأهمية التنسيق.

ورغم هذه المعارضة لاستراتيجية موحدة للطاقة، إلا أن المعارضين أنفسهم يرون أن اتجاهات الطلب والعرض في أسواق النفط العالمية تملي تنسيقا أعلي من التنسيق الراهن.

وأفاد التقرير الصادر عن وكالة معلومات الطاقة الدولية أن أوروبا تحصل من الخارج على نصف احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، وانه من المقدر بحلول عام 2030 أن يرتفع هذا الرقم ليصل إلى 90% من إجمالي احتياجات أوروبا، الأمر الذي يضع أوروبا في موقف الاعتماد شبه الكلي على وارداتها من الخارج.

وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتمد في الوقت الراهن على وارداتها من الخارج لتغطية حوالي نصف احتياجاتها من الطاقة، فمن المقدر أن يرتفع هذا الرقم ليمثل 77% من إجمالي احتياجاتها. كما سيرتفع اعتماد الصين على واردات النفط من 35% إلى 82%.

وفي التوقيت ذاته، فأنه من المتوقع أن تستمر احتياطات الغاز الطبيعي والنفط المؤكدة لفترة تصل إلى 40 و60 عاما لكل منهما على التوالي.وذلك في حالة استمرار الاستهلاك على نفس معدلاته الحالية.

بل ويمكن - وفقا لوكالة معلومات الطاقة الدولية - أن تنضب الاحتياطات بمعدل أسرع، في حالة عدم اتجاه الدول نحو تنويع مصادر الطاقة. فضلا عن أن معظم النفط سيأتي من منطقة الخليج وروسيا وشمال إفريقيا.

تعثر وضع أجندة مشتركة

ولقد قوبلت جهود ليولا دي باليشيو لوضع أجندة طاقة مشتركة أوروبية، وذلك أثناء توليها منصب المفوض الأوروبي لشؤون النقل والطاقة، بمعارضة شديدة من قبل حكومات الدول الأعضاء التي أجهضت بمقترحاتها الخاصة بتكوين مخزون طاقة استراتيجي أوروبي، أو على إطلاق آلية للتنسيق بين مخزونات الدول الأعضاء، وإقامة هيئة تنظيمية أوروبية تتولى التنسيق في القضايا المتعلقة بالطاقة.

ولكن لم تتبدد تلك الجهود بدون طائل، ففي عام 2000، نشرت المفوضية الأوروبية أول ورقة استراتيجية بشأن تأمين إمدادات الطاقة، وتضمنت أهدافا تتعلق بتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وكبح معدلات الاستهلاك، وسلطت الورقة الضوء على أهمية المخزونات الاستراتيجية، وفي نفس العام، بدأ الاتحاد الأوروبي حواره مع روسيا التي تمثل مصدرا لثلث الواردات الأوروبية من الغاز الطبيعي.

وفي السياق ذاته، سعي خليفتها آندريس بيبالجس إلى وضع أهداف أوروبية تتعلق بالكفاءة في استخدام الطاقة، ودفع بأجندة تدعو إلى خفض استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الطاقة بنسبة 20% خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة.

ولكن المشكلة في رأي فاتيه بيروت كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية تكمن في أن هذه الأهداف غير ملزمة، وهو ما يملي الحاجة لوضع أهداف سياسية لها قوة الإلزام، فضلا عن تعبئة الثقل السياسي والتجاري الأوروبي في المفاوضات مع الدول المنتجة والدول التي يمر عبرها إمدادات الطاقة.

وعلى الرغم من الوعد الذي قطعه آندريس بيبالجس على نفسه بالعمل على تنويع مصادر إمدادات الطاقة الأوروبية، إلا أنه ليس متاحا له حيزا متسعا من حرية الحركة.

ويخطط الاتحاد الأوروبي الذي تحصل دوله في الوقت الحالي على حوالي ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي من روسيا، لزيادة وارداته من قطر ومصر وحتى إيران، كما ساعد بنك الاستثمار الأوروبي من خلال التمويل على إقامة خط أنابيب الغاز الطبيعي الذي يربط مصر والأردن، وبعد ذلك لبنان وتركيا، ثم دول الاتحاد الأوروبي.

بيد أن تلك الجهود تظل قاصرة في مواجهة اندفاع الإستراتيجيتين الأميركية والصينية نحو تأمين إمدادات الطاقة، في الوقت الذي تبدد فيه دول الاتحاد الأوروبي ـ والكلام على لسان ليولا دي باليشيو ـ وقتا ثمينا، في حين أنها بحاجة لربط شبكات الكهرباء، وإقامة شبكة أوروبية للغاز الطبيعي.

وربط الاحتياطيات الاستراتيجية فيما بينها، وذلك إذا ما أرادت أوروبا أن تتجنب أزمات نقص الإمداد أو الابتزاز في المستقبل. وفي ظل هذا الغياب للآلية الأوروبية المسؤولة عن شؤون الطاقة، يظل مطروحا السؤال : مع من سيتحدث الخليجيون حول قضايا الطاقة في أوروبا ؟

متابعة مجدي عبيد: