بعد أكثر من عشرة أيام شهدت 60 عرضاً سينمائياً وأحداثاً وتساؤلات، تُختتم عند العاشرة من مساء اليوم (بتوقيت الإمارات) فعاليات الدورة الثانية والستين لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في احتفال مبهر تحتضنه قاعة «الليدو» الفخمة التي شهدت أيضاً حفل الافتتاح البديع.
وبدت الأنظار مشدودة نحو أروقة القاعة التي ستشهد الإعلان عن الأفلام الفائزة بين 19 فيلماً شاركت في المنافسات الرسمية وبالجوائز الرئيسية ولاسيما منها أفضل فيلم الذي سينال «الأسد الذهبي». فضلاً عن جوائز أفضل مخرج وأفضل ممثل وأفضل ممثلة وغيرها، وكل ذلك وسط توقعات بعدم حصول مفآجات تذكر على صعيد تنبؤات النقاد وترشيحاتهم.
* انتقادات واسعة لمدير المهرجان
التنظيم الجيد والحضور الكثيف لم يمنعا الانتقادات الكثيرة من التصاعد والتزايد حتى «التضخم»، في حق مدير المهرجان ماركو موللر الذي يديره للمرة الثانية على التوالي. واعتبرت أوساط إعلامية ونقدية عديدة إن اختيارات موللر للأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية تعتبر الأسوأ في تاريخ المهرجان.
وفي السياق ذاته وجهت معظم الصحف الإيطالية وزميلاتها الأوروبية نقداً شديداً لهذه الاختيارات. معتبرة أن ثلثي عدد الأفلام داخل المسابقة الرسمية لا تستحق أن تكون في عدادها. ووجه الناقد السينمائي الإيطالي أندريه سالونيللي انتقادات لاذعة في تعليقه اليومي في جريدة «سردينيا» الإيطالية،
وكتب يقول: «إن لجان المشاهدة الكبيرة العدد والمختصة بالإطلاع على الأفلام قبل إقرارها ضمن عروض المسابقة، كانت غاضبة على ما يبدو، أو أنهم صوتوا على الأفلام بناء على ايعازات تلقوها من مدير المهرجان، الذي يتحمل وحده المسؤولية الرسمية عن تراجع المستوى اللائق بمهرجان عريق كمهرجان البندقية.
كل هذا ترك فيلم جورج كلوني يتقدم ثابتاً وبقوة نحو حصوله على جائزة المهرجان الرئيسية «الأسد الذهبي» أو على الأقل «الأسد الفضي» لأفضل مخرج. كما أن بطلي فيلمه ديفيد ستار يثارم وباتريسيا كلاركسون يطمحان لنيل جائزتي أفضل ممثل وممثلة. فبطل «عمتم مساء وحظاً سعيداً» ينافس الممثل الأميركي الأسود فورست ويتيكر الذي وقف إلى جانب جولييت بينوش في فيلم «ماري».
وهذا لا يعني أن رداءة الأفلام الأخرى جعلت من فيلم كلوني يتقدم نحو الجائزة. بل إن الفيلم جيد بكل مستوياته وباستطاعته ان ينافس أفلاماً جيدة، فقد نجح كلوني باختيار قصة لفيلمه عن فترة مهمة في التاريخ الأميركي الحديث. وهي المرحلة «المكارثية»، التي كالت الاتهامات بشكل عشوائي وجميع الاتجاهات،
وطاولت الإعلام وعمال السينما، وانتجت القانون رقم (2) الأميركي الشهير، الذي حرم على كل «يساري» أجنبي بأن يزور الولايات المتحدة الأميركية لأي سبب من الأسباب. إضافة الى ان سينمائيين كثر فروا من الولايات المتحدة، في تلك الآونة منهم المخرج المخضرم ايليا كازان، الذي اتهم بأنه يساري.
ولعل الفيلم الأقوى الذي ينافس فيلم «عمتم مساء» و«حظاً سعيداً» هو فيلم البرتغالي مانويل دي اوليفيرا «المرآة المسحورة» اذ لا يمكن ان يمر هذا الفيلم الممتاز فنياً وتقنياً مروراً بسيطاً ومن دون ان يحصل على أي من جوائز المهرجان الأربع الرئيسية فبطلته الاسبانية المميزة لينور سيلفيرا مرشحة جدية لنيل جائزة أفضل ممثلة في مواجهة بطلة فيلم «رومانس آند سيجمارتس» سوزان ساراندون بإدارة المخرج الأميركي الايطالي الاصل جون تورتورو الذي يعتبر فيلمه المنافس الثالث من حيث الترتيب لنيل «الأسد الذهبي».
وهو فيلم يتمتع بأسلوب سينمائي فريد ونكهة خاصة، ولقي حماسة من جانب أعضاء كثر في لجنة التحكيم المؤلفة من عشرين عضواً، يسرب بعضهم أجواء الحوارات داخل اجتماعات اللجنة التي تلتقي يومياً لمدة ثلاث ساعات، تخوض خلالها في حوارات مضنية بغاية الوصول الى إجماع حول منح الجوائز.
يذكر أن رئيس لجنة التحكيم وصانع السينوغرافيا والديكورات السينمائية الضخمة الإيطالي دانتي فيريتي، يتمتع بثقة كبيرة من السينمائيين المشاركين في المهرجان ومن المتابعين والنقاد على حد سواء. وهو حريص على عدم البوح بأي معلومة عما توصلت إليه اللجنة من منح جوائز حسم أمرها، وقد رشحته ثلاث صحف محلية لأن يحتل إدارة مهرجان البندقية في دورته المقبلة، في إشارة واضحة إلى أن ماركو موللر لن يستمر في موقعه في الدورة المقبلة.
ومهما يكن من أمر فإن الهجوم الشرس على موللر تقف خلفه أسباب أخرى غير المعلنة، ويتخفى خلالها البعض لتسديد ضربات مواربة بحق هذا الخبير السينمائي الذي حاز دائماً على ثقة السينمائيين في العالم، من خلال إدارته الناجحة لمهرجانات عدة، وخاصة مهرجان «لوكارنو» الشهير والهجوم الذي يشن عليه هنا في البندقية مبالغ فيه،
فالأفلام المشاركة ضمن المسابقة الرسمية الرئيسية ليست كلها رديئة بل أن قليلاً منها ليس جيداً، لكن في الإجمال تعتبر أفلاماً مقبولة وتستحق أن تكون حاضرة في إطار التنافس ومن ناحية ثانية فإن موللر لم يقم وحده باختيار هذه الأفلام بل ساعدته لجان مشاهدة، وبالتالي فهو لا يتحمل المسؤولية الشخصية إن هبط مستوى بعضها.
* اقتراحات للسينما العربية
ومن الأخطاء التي تهمنا في العالم الثالث، ونود الإشارة إليها، تختص بغياب السينما العربية والإفريقية عن فاعليات المهرجان ونتمنى على اللجنة التحضيرية للدورة المقبلة أن تأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر، لأن أهم ما تقدمه المهرجانات عموماً هو مشاهدة أفلام لا يمكن أن نشاهدها بالصالات التجارية وهذا أمر متفق عليه فعلاً.
وكما اقترحنا على إدارة المهرجان الاهتمام أكثر بحضور السينما العربية في الدورات المقبلة، وهناك ثمة اقتراح على السينمائيين العرب بأن يهتموا أكثر بمهرجان البندقية السينمائي العريق والمهم، كما يهتمون بمهرجان «كان» الفرنسي، الذي له أهميته أيضاً لكنه يتساوى مع مهرجان البندقية ولا يتجاوزه من حيث الشهرة أو العراقة.
وكان يمكن لمهرجان دبي السينمائي الدولي ان يكون حاضراً في البندقية فالحضور يمكن الاستفادة منه إعلانياً وإعلامياً، خصوصاً أنه يستعد لانطلاق دورته الثانية في شهر ديسمبر المقبل.وختاماً لابد من تسجيل ملاحظة إعجاب بالتنظيم الجيد والمعد بدقة في مهرجان البندقية وهذا أمر نفتقده في مجمل المهرجانات السينمائية العربية.
البندقية ـ حسين قطايا
