يخطو قطاع التأمين في لبنان نحو النمو والتطور ببطء شديد وذلك على الرغم من المركز الطليعي الذي احتله لبنان بين الدول العربية في خدمات التأمين منذ الخمسينات، ويواجه القطاع صعوبات وتحديات كبيرة تتمثل في غياب الثقافة التأمينية وعدم توفر الحوافز الضريبية ونقص التشريعات الحديثة لحماية صناعة التأمين،
وهو ما دفع وزارة الاقتصاد اللبنانية إلى إعداد مشروع قانون جديد مطلع العام الحالي لتنظيم قطاع التأمين في لبنان سيرى النور قريبا شارك في صياغته متخصصون وخبراء عالميون، ووزعت نسخا منه إلى أصحاب الشركات المعنية لإبداء الموافقة عليه وتعديل بعض بنوده بحسب حجم وحاجة السوق المحلي.
وفي خضم الأعباء والتحديات التي يشهدها قطاع التأمين في لبنان نتيجة تضافر عوامل محلية وعالمية، يأتي انفتاح الأسواق السورية مؤخرا على هذا النوع من الشركات بعد أن كان التأميم هو القانون السائد، عنصرا أساسيا من شأنه رفد وإنعاش شركات التأمين اللبنانية التي بدأت تتمدد نحو ذلك السوق بعد توقيع معاهدات واتفاقات في هذا الشأن بين البلدين.
رئيس جمعية شركات التأمين ورئيس مجلس إدارة المشرق إبراهام ماتوسيان اعتبر ان وضع هذا القطاع في لبنان جيد مقارنة بالدول المجاورة سواء من حيث عدد الشركات أو نسبة المستفيدين أم حجم المحفظة التأمينية، وأوضح أن لبنان يعد البلد الثالث بعد السعودية والإمارات
من حيث عدد الشركات التي بلغت خمسين شركة اثنتان فقط منها أجنبية والباقية محلية تؤمن فرص عمل لنحو عشرة آلاف لبناني بين موظف مباشر ووسيط وخبير، ولفت إلى أن قطاع التأمين في لبنان يشكل 3% من الناتج المحلي حالياً وبمحفظة إجمالية قدرها 500 مليون دولار بقيت على ثباتها طيلة السنوات الأربع الماضية دون أن تشهد ارتفاعا أو تغييراً.
وقال ماتوسيان على الرغم من عدم امتلاكنا كعرب بشكل عام منطق وذهنية التأمين إلا أننا كلبنانيين ننفق على هذا القطاع أكثر من غيرنا من الدول العربية، وقد بينت الإحصاءات أن الفرد اللبناني يصرف 120 دولارا من دخله سنويا على خدمات التأمين المتفرقة وهي ثاني أعلى نسبة بعد المغرب،
مشيرا إلى أن إجمالي عدد المؤمنين من اللبنانيين وصل إلى مليون ومئتي ألف شخص بما نسبته 25% من عدد السكان البالغ أربعة ملايين نسمة، لافتا إلى أن لبنان لطالما كان رائدا في هذا المجال ولطالما صدرنا رجال تأمين إلى مختلف البلدان العربية لذلك نرى أنه ما من شركة عربية إلا وكان مديرها أو نائبه أو مساعده لبنانيا.
مليارا دولار الحصة المستهدفة
أجمع الخبراء على أن مشكلة قطاع التأمينات في لبنان، تكمن في غياب القوانين والحوافز المطلوبة لزيادة عدد المستفيدين كما هو الحال في الدول الأوروبية بحيث يعفى مثلا من يؤمن على حياته من قسم من الضرائب في الولايات المتحدة وهذا أفضل من أي حسومات قد يعطونها للمواطن،
وأوضحوا أنه انطلاقاً من ضرورة تطوير هذا القطاع الحيوي المرتبط بحياة واحتياجات المواطنين هناك مساع لوضع خطة عمل بغية مضاعفة حجم المحفظة التأمينية ومنح الشركات قوة أكبر عبر الإعداد لسلسلة قوانين جديدة تتلخص بفرض تأمين عشري أي لمدة عشر سنوات على كل ما هو قيد الإنشاء، تأمين إلزامي لطوارئ العمل، وتم الانتهاء من إعداده وهو ينتظر المراسيم التطبيقية،
إضافة إلى التأمين على الحريق وتوابعه وتأمين الكوارث الطبيعية، وتطمح شركات التأمين إلى أن يشكل هذا القطاع 8% من الناتج المحلي خلال السنوات الخمس المقبلة والوصول إلى مليارين دولار بدل خمسمئة مليون دولار وهو رقم مقبول قياسا لإجمالي حجم المحفظة العربية التي تبلغ ثمانية مليارات دولار،
من أصل خمسين شركة هناك خمس عشرة شركة تقتطف 85% من المحفظة التأمينية وخمس وثلاثين شركة باقية تعمل على 15%، مشيراً إلى أن كل شركة لديها ميزاتها المعينة وهذا لا يعني أن الخمس عشرة الأولى هي الأفضل، فما يحكم هذا القطاع هو العلاقات الشخصية وارتباط كل شركة بمجموعة زبائن لديهم مصالح مشتركة مع صاحب الشركة والقيمين عليها،
لذلك لم تتمكن الشركات الأجنبية منذ السبعينات وحتى اليوم لم تتمكن من تحقيق مكانة لها بين الشركات المحلية المنافسة باستثناء أميركان لايف التي تعد الأقوى في مجال التأمين على الحياة. من جانبه اعتبر مدير عام شركة الإتحاد الوطني جوزيف عضيمي أن الصعوبات التي تمر بها شركات التأمين ليست حكرا على لبنان وحده
بل تطال شركات القطاع في كل بلدان العالم نتيجة ازدياد وتراكم الكوارث الطبيعية والأحداث في مختلف أنحاء العالم، ما حتم على شركات إعادة التأمين فرض شروط قاسية علينا انعكس ارتفاعا ملحوظا في كلفة إعادة الضمان التأميني،
وبما أن سوق التأمين اللبناني مرتبط بالسوق العالمي لإعادة التأمين ومرتبط بالاقتصاد العام أيضاً فقد تأثر هذا القطاع في لبنان بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد مؤخرا ما ولد مضاربات غير مشروعة بين الشركات التي لجأ بعضها إلى خفض أسعاره وتقليل دخله للمحافظة على حد أدنى من أرباح محفظته وعلى مكانته في السوق.
وأوضح عضيمي أن شركة الإتحاد الوطني تقدمت قبل أشهر بطلب لدى المعنيين في سوريا وهي بصدد فتح فرع جديد لها هناك، معتبرا أن ذلك هو أمر طبيعي نتيجة التقارب الجغرافي والعلاقات المشتركة،
مشيرا إلى أن السوق السوري واعد لأنه سوق خام في مجال التأمين ونظرا لعدد السكان العالي، لافتا إلى أن الرأسمال المطلوب عالي جدا إذ تبلغ قيمة التأمينات العامة في سوريا 14 مليون دولار والتأمينات على الحياة ثلاثة ملايين دولار بمجموع قدره 17 مليون دولار.
وتأتي في طليعة المستثمرين في هذا المجال شركة آروب للتأمين التي تعتبر أحد أكبر الشركات اللبنانية المملوكة بمعظمها من قبل بنك لبنان والمهجر، وقد أوضحت مديرة العلاقات العامة في الشركة رولا حمادة أن الإدارة وقعت قبل فترة اتفاقا مع سوريا لافتتاح فرع لها في العاصمة دمشق وأنها بصدد طرح منتجات جديدة تتعلق بالتأمين على الحياة،
وأوضحت أن شركات التأمين اللبنانية بشكل عام لم تتمكن من اجتذاب زبائن جدد بعد تداعيات العام الماضي، فيما لا يزال عدد المستفيدين السابقين على حاله، مشيرة إلى أن آروب حققت خلال العام 2004 نموا نسبته 71% انخفض العام 2005 إلى حوالي 30% وهذا يحتم علينا بذل جهود مضاعفة لإعادة التوازن إلى ميزانية الشركة، لافتة إلى أن إقبال المواطنين يتركز بشكل خاص على قطاعي الصحة وتأمين السيارات ومن ثم الشحن البحري وتليه التأمينات التفصيلية الأخرى.
بيروت ــ ثناء عطوي