أدى ارتفاع أسعار النفط خلال النصف الثاني من العام الماضي وتخطيه حاجز الـ 70 دولاراً إلى إثارة مخاوف عديدة في الدول الكبرى المستهلكة للطاقة. وبدت المخاوف هذه المرة أكثر خطورة إذ لم يعد ارتفاع أسعار النفط مرتبطاً بظروف سياسية فقط كتلك التي حدثت في سبعينات القرن الماضي عندما أقدمت الدول العربية المنتجة على وقف صادرات النفط إلى جميع الدول المساندة لإسرائيل.
فقد دخلت عوامل أخرى أكثر خطورة مثل تراجع الاحتياطات النفطية في الكثير من بلدان العالم وتآكل البنيات النفطية التحتية في بعضها، إضافة إلى المضاربات السوقية وغيرها من العوامل الاقتصادية والسياسية الأخرى. وأشعر هذا الوضع الدول المستهلكة بالخطر،
وبرز ذلك من خلال الخطاب السياسي للولايات المتحدة الأميركية، أكبر مستهلك للنفط في العالم، حيث أعلنت واشنطن على لسان الرئيس جورج بوش عن خطة لدعم أبحاث الطاقة البديلة رصدت لها في مرحلتها الأولى نحو 20 مليار دولار. وأكد وزراء دول مجموعة الثماني خلال اجتماعهم الأخير في موسكو أهمية إسهام الطاقة المتجددة في سد فجوة الطاقة، واتفقوا على ضرورة تعزيز الدعم المقدم لأبحاث الطاقة البديلة وتطوير طاقة نووية آمنة كبديل استراتيجي للنفط.
ولم يعد العمل من أجل مصادر بديلة للطاقة هدفاً لحماة البيئة فقط بل دخل في أجندة الصراع والتنافس الدوليين على الأصعدة السياسية والاقتصادية أيضاً، حيث ارتفعت فاتورة النفط العالمية إلى أكثر من 700 مليار دولار سنوياً. لكن وفقاً للمحللين لا يزال الطريق إلى إيجاد مصادر بديلة للطاقة بنسبة عالية لتغطية الاحتياجات العالمية طويلاً، فحتى الدول التي تركز جهودها على هذا الصعيد لم تستطع توفير سوى 15% من احتياجاتها المحلية بالقياس إلى الاستهلاك الحالي للطاقة فيها،
وهذا خلال عقود مقبلة عدة. وكانت بداية الحديث على مستوى عالمي لزيادة استغلال مصادر الطاقة البديلة في مؤتمر ريو دي جانيرو أو ما عرف بقمة الأرض إبان انتهاء الحرب الباردة، ولم يتعد آنذاك إعلان النوايا الحسنة غير الملزمة، وذكرت الطاقة البديلة كوسيلة لتخفيف أعباء تلوث البيئة.
وأظهرت المؤتمرات الدولية الكبرى لاحقاً ـ لا سيما مؤتمرات المناخ العالمي ـ استحالة التوصل إلى «إجماع دولي» على خطوات محددة وملزمة في ميدان الطاقة البديلة. وكان البيان الصادر عن المشاركين في قمة التنمية المستدامة في جوهانسبيرغ قد تضمن فقرة أكدت عزم الخبراء على بحث الطرق اللازمة لرفع نسبة إنتاج الطاقة البديلة إلى 20% بحلول 2030، و 50% في عام 2050.
وقطعت ألمانيا شوطاً كبيراً في هذه الأثناء على صعيد استغلال مصادر الطاقة البديلة، مما ساهم فيه إسهاماً رئيسياً وصول حزب الخضر إلى السلطة في ائتلاف حكومي مع الديمقراطيين الاشتراكيين عام 1998م، وشمل ذلك مخطط الاستغناء عن الطاقة النووية وفق برنامج طويل الأمد، و اتخذت الحكومة الألمانية سلسلة من الإجراءات السياسية بما فيها الدعم المالي المكثف لتطوير استغلال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وقد بلغ انتشار خلايا الطاقة الشمسية في هذه الأثناء ما يغطي مساحة تزيد على 4 ملايين متر مربع، ويراد الوصول بطاقتها الإنتاجية إلى أكثر من 30 ألف ميجاوات. بينما بلغ عدد «طواحين طاقة الرياح» بضعة عشر الفاً، وبلغ حجم طاقتها 12 ألف ميجاوات. ويراد توسيع نطاقها إلى المناطق البحرية،
لا سيما بعد ازدياد موجة الاحتجاجات الشعبية من التأثير السلبي لمنظر تلك «الطواحين» في المناطق الطبيعية التي تنتشر فيها. وتتطلع وزارة البيئة إلى زيادة استغلال الطاقة الحيوية والمائية أيضاً، إلا ان جميع ذلك لم يبلغ حتى الآن سوى 3% من استهلاك الطاقة، أو 6% من إنتاج التيار الكهربائي.
ويرى الخبراء أن لدى دول العالم غير النفطية أسباباً منطقية للبحث عن مصادر بديلة للطاقة غير البترول، وتقوم هذه الأسباب على اعتبارات سياسية واقتصادية وبيئية واجتماعية من بينها، التخلص من عبء ارتفاع أسعار البترول وطفراته الحادة على ما في ذلك من تداعيات سيئة اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً ومن تكرار استخدام النفط سلاحاً اقتصادياً أوسياسياً.
إضافة إلى تقليل القلق العالمي المتزايد من نضوب البترول أو نفاد احتياطياته وما سيترتب على ذلك من تداعيات لن تقدر المدنية الحديثة على تحمل تبعاتها، والتخلص من المشكلات البيئية المترتبة على إنتاج وحرق الوقود الحفري (البترول والغاز الطبيعي والفحم) مثل التلوث وزيادة درجة الحرارة على سطح الأرض.
وهذه الأسباب لا تعني في مجملها إلا أن الدول الصناعية جادة في هذا المسعى بدرجة كبيرة، بل إن دولاً مثل أميركا واليابان وألمانيا وانجلترا والنرويج وهولندا قد حققت بالفعل نجاحات بارزة على هذا المستوى، على الأخص في مجال إنتاج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية.
دبي ـ «مشهد البيان»