شهدت الأشهر الأربعة الماضية ارتفاعاً ملحوظاً في موجة الحيازة والاستحواذ في أنحاء العالم المختلفة، ودخلت شركة موانئ دبي العالمية كأبرز طرف من منطقة الشرق الأوسط تفوز بصفقة استحواذ كبيرة ضمت من خلالها عملاقة الموانئ العالمية «بي آند أو» في صفقة بلغ حجمها 8. 6 مليارات دولار، وأثارت جدلاً كبيراً داخل الولايات المتحدة الأميركية التي تضم شواطئها 6 موانئ من ضمن قائمة الموانئ التي كانت تملكها «بي آند أو».

وعلى الرغم من الانفتاح الاقتصادي العالمي والحديث الذي يدور في أوساط المجتمع الدولي حول تحرير التجارة والخدمات، إلا أن الملاحظ أن الكثير من صفقات الحيازة والاندماج التي جرت في الآونة الأخيرة شهدت جدلاً سياسياً محتوماً استتر تارة تحت أغطية الحماية الأمنية، وتارة أخرى تحت أغطية المخاوف السياسية، لكن كان واضحاً أن مصالح الشركات المنافسة هي القاسم المشترك الأعظم في ذلك الجدل.

ومثلما أثارت صفقة استحواذ «موانئ دبي العالمية» لـ «بي آند أو» جدلاً أميركياً كبيراً، فجر العرض الجريء الذي قدمته عملاقة صناعة الفولاذ العالمية «ميتال ستيل» والبالغ 6. 22 مليار دولار لشراء أقرب منافستها «أرسيلور» البلجيكية خلافات أوروبية كبيرة

وهو العرض الذي إذا قدر له النجاح، سيوجد شركة أوروبية تملك أكثر من 10% من الإنتاج العالمي لمادة الفولاذ التي تدخل في قائمة ضخمة من الصناعات الأساسية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي بشكل عام والأوروبي بشكل خاص تمثل تقدماً في عمليات الدمج الضرورية لتعزيز موقف الصناعة في التفاوض مع المستهلكين. لكن يبدو أن دوللي أقل ولعاً بخطوة «ميتال» الأخيرة.

لكن من الواضح أن محاولتها الأخيرة واجهت صعوبات كبيرة ففي بداية الأمر رفض مجلس إدارة «أرسيلور» العرض بالإجماع لدى اجتماعه، مع تصاعد شعور بعدم الرضا في كل من فرنسا ولوكسمبورغ، البلدان اللذان أسهما معاً مع إسبانيا بالعناصر التي شكلت «أرسيلور» عام 2002.

وعبرت كل من حكومة لوكسمبورغ، وتيري بريتون وزير المالية الفرنسي، عن قلقهما، وكذلك فعلت حكومة مقاطعة والونيا في بلجيكا، التي توظف «أرسيلور» فيها نحو 15 ألف عامل. أيضاً، عارضت النقابات الفرنسية الممثلة في مجلس الإدارة، العرض وشككت في «السياسات الاجتماعية» الخاصة بـ «ميتال».

وتعتبر «ميتال» فعلياً صانعة الفولاذ الأولى عالمياً، بعد أن نفذت أكثر من 20 علمية استحواذ خلال السنوات الخمس الماضية. وكان العديد من تلك العمليات يتعلق بمصانع ذات إدارة سيئة، مصانع حُرمت من الاستثمارات في ظل ملكية الدولة لها في بلدان الأنظمة الاشتراكية السابقة، مثل بولندا، رومانيا، وأوكرانيا.

وكانت «ميتال» مشترياً مرغوباً فيه بالنسبة للحكومات المعنية، لأنها حافظت على الإنتاج واستثمرت في التحديث. وعندما اشترت المجموعة «إنترناشونال ستيل» الأميركية عام 2004، رحبت بها نقابة العاملين هناك، بسبب وعدها بتفادي الفصل الإلزامي.

غير الجدل الكبير الذي ساد صفقات الاندماج والحيازة هو ذلك الذي ارتبط بمشروع اندماج شركتي «جاز دو فرانس» التابعة للحكومة الفرنسية و«سويز» للكهرباء والماء، وكادت هذه الخطوة أن تفجر حرباً داخل الكيان الأوروبية الموحد، فبعد أيام قليلة من إعلان شركة «انيل» الايطالية انها تدرس اقتحام السوق الفرنسي من خلال التقدم بعرض لشراء سويز، تصاعدت الضغوط على الحكومة الفرنسية للتدخل خاصة وان بعض حملة الأسهم في سويز أبدوا موافقتهم على العرض الايطالي.

فسارع رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان بعقد مؤتمر صحافي أعلن فيه مباركته الاندماج الكامل بين جاز دو فرانس وسويز قائلا إن هذه الخطوة مهمة للغاية بسبب «الأهمية الاستراتيجية للطاقة بالنسبة لفرنسا».

ومن شأن هذا الاندماج ان يمهد الساحة لظهور مؤسسة تزيد قيمتها السوقية على 14. 83 مليار دولار وتهيمن على 15% من السوق العالمي بمبيعات سنوية قيمتها 63 مليار يورو (منها 52 مليارا من الكهرباء والغاز)، ولتصبح ثاني أكبر مجموعة للطاقة في أوروبا من حيث المبيعات بعد «ايون»،

وثالث أكبر مؤسسة في مجال الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم وكانت هناك مشاورات منذ أعوام بين الشركتين للاندماج لان جاز دو فرانس لديها شبكة غاز قوية في حين سويز مستهلك قوي للغاز. وفي حين يرى الخبراء ان الصفقة ستكون شراكة رائعة تتوازن محفظتها بإطلاقة بين الغاز والكهرباء، وهذه ميزة كبيرة لجذب المستهلكين عندما تنفتح الأسواق للمنافسة بشكل كامل العام المقبل. ومن غير المتوقع ان يؤدي الاندماج لتسريح عمالة، بل إلى توفير المزيد من فرص العمل، وهو أمر تتطلع إليه الحكومة بشدة خاصة وان معدلات البطالة تجاوزت مستوى 9%.

وقال دو فيلبان «الخطوة مطلوبة لتأمين امدادات فرنسا من الطاقة وضمان استقلالها لم يكن امامنا خيار آخر» وحاول وزير الطاقة الفرنسي تيري بريتون الترويج للصفقة قائلا «الاندماج هو الطريقة الوحيدة لإنقاذ جاز دو فرانس التي تبلغ مبيعاتها السنوية 18 مليار يورو اغلبها في فرنسا، انها صغيرة جدا بما لا يسمح لها بالصمود في وجه مقامرات الاندماجات الصناعية الحالية في أوروبا».

واستشاط غضب ايطاليا بسبب هذه الخطوة وأعلنت على لسان وزير اقتصادها جيوليو تريمونتي «فرنسا تمضي قدما في إجراءات حمائية.. وهو ما يرقى إلى مستوى أعمال الحرب» وأضاف «الأمر الآن أشبه ما كانت عليه الأمور في أغسطس عام 1914 (عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى).

لا أحد يريد الحرب، لكن الحرب تحدث، فهناك طرف يطلق الرصاصة الأولى وعلى الطرف الثاني ان يرد ويجب ان يتدخل الاتحاد الأوروبي فورا لوقف هذه الإجراءات الحمائية التي تضر المستهلكين وتقوض آفاق انتعاش قطاع الأعمال. إذا سادت هذه النزعة فان المستقبل الاقتصادي والسياسي للاتحاد الأوروبي سينهار».

ومن جانبه سارع رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني بإجراء انتقامي ردا على التحرك العدائي الاقتصادي من جانب فرنسا، وقال «إذا كانوا سيتحركون لحماية قطاعاتهم الاستراتيجية فعلينا ان نتعامل معهم بالأسلوب نفسه» وقالت الحكومة انها تدرس فرض حد أقصى على الملكية الأجنبية في شركات الطاقة.

دبي ـ «مشهد البيان»