»المؤشر العام لسوق دبي المالي: 883 – 868 – 793 – (773)، وإن تراجع المؤشر العام لسوق أبوظبي عن المستوى 4600 نقطة فهي إشارة صريحة للبيع« هذا التحليل، أو إن صح التعبير هذا الإنذار، هو واحد من أكثر الرسائل القصيرة التي تم تداولها بين عدد كبير من المستثمرين في أسواق المال الإماراتية، أثناء بلوغ المؤشرات العامة للأسواق أدنى مستوياتها في شهر مارس.
وبالتركيز على معطيات الأرقام التي وردت في الرسالة السابقة، نجد ان المؤشرات قامت بالفعل بكسر نقاط الدعم تلك، بل انحدرت باتجاه نقاط دعم ونقاط مقاومة جديدة، ولم يتمكن بعض المحللين من اللحاق بها وتعديلها نظراً للسرعة التي سارت عليها وإن كانوا قد تنبؤوا بحدوثها شفهياً.
ولكن السؤال الذي يرمي بثقله في هذا المقام هو، من أين جاءت هذه الدقة؟، وكيف تمكن أصحابها من الغوص في عمقها، إلى درجة مكنتهم من الخروج من السوق قبل أن يدركهم الأذى الذي لحق بغيرهم إثر هذا التراجع؟
هذه الرسالة، وغيرها هي نموذج واحد من عشرات النماذج والتحليلات التي تطير يومياً في سماء الأسواق، وفوق رؤوس المستثمرين، من خلال الأجهزة النقالة، أو عبر أجهزة الفاكس والهاتف، باختلاف وسائل إيصالها المتعددة، ولكنها في النهاية تصل إلى طلاّبها.
إلا أن عدداً من الخبراء، أبدوا امتعاضهم، وسخطهم تجاه هذه التحليلات، بل ووصل الحد في بعضهم إلى تكذيبها وانتقادها واعتبارها عاملاً من عوامل هدم الأسواق وتراجعها.
في المقابل يلاحظ وبشكل كبير حجم الاهتمام الشعبي الواسع بها، الأمر الذي يمكن الاستدلال عليه من خلال الإعلانات غير المنقطة بشكل يومي على صدر صفحات الجرائد، والإعلانات المبوبة، بعنوان »تعلم كيف تتاجر بالأسهم في 12 ساعة فقط«،
وتلقى هذه الدورات بحسب القائمين عليها رواجاً كبيراً وإقبالاً منقطع النظير، وقد يتجاوز عدد المنتسبين إليها في أسوأ الأحوال 200 شخص، مما أعطى هذه الدورات دفعة إيجابية وقوية في ظل تنامي ثقافة الأسهم ووعي المستثمرين حسب تعبيرهم.
ولكن ماذا يقول الخبراء في هذا السياق؟، وما هو السبب وراء محاربتهم لها؟، ومحاولاتهم المتكررة لتشويه الدور الذي تقوم به هذه التحليلات من خلال محاولة إضفاء صفة غير شرعية عليها، رغم نموها منقطع النظير؟
حرب المحللين
أحد المحللين الفنيين كان قد رفض ذكر اسمه، يرى أن هذه التحليلات شكلت وازع خوف لدى مديري المحافظ، نظراً لتمكنهم من مشاركتهم أرباحهم، واستطاعوا كشف استراتيجياتهم، وكما يقولون »خطفنا اللقمة من أفواههم«.
ويتابع المحلل قائلاً، »لقد تمكنا من بلوغ مستويات الأرباح التي حققها الكبار وتعلمنا مع الوقت لحظات الدخول والخروج من السوق، وكيفية قراءة التراجع والارتفاع وتوقع المستقبل بناء على المعطيات المتوافرة«.
ويضيف »تمكنا من التواصل مع المستثمرين كبار وصغار من خلال منتديات الأسهم، التي فتحت لنا ذراعيها وأعطتنا الحرية في التعبير عن مشكلاتنا بشكل عفوي دون اللجوء إلى أي جهة إعلامية أخرى، والأهم من ذلك استطعنا أن نقدم النصائح بشكل يومي للمستثمرين وتبيان تحركات الأسهم اليومية، وتحليلها بشكل فني، لتقديم الفائدة للجميع،
إلا أن هذه المنتديات واجهت مؤخراً جهوداً حثيثة لإغلاق مواقعها على شبكات الإنترنت، ونشط عدد من معارضينا لإصدار قرار يقضي بإغلاقها ولكنهم لم يفلحوا حتى الآن، ليس لشيء أكثر من كوننا استطعنا مشاركتهم أرباحهم وإضاعة الفرصة عليهم في تكبيد صغار المستثمرين ومن لا يملك الخبرة خسائر لا تغتفر«.
تراجعت أرباحهم
ويضيف في هذا السياق هلال الكعبي المحلل الفني المعتمد في منتدى الإمارات للأوراق المالية، مشيراً إلى أنه وفي ظل محاولة المحافظ الاستثمارية القيام بعملية الشراء، ووجود العديد من المنافسين لها على أسهم الشركة المستهدفة، فإنها لن تتمكن من شراء الكمية التي تريدها من هذا السهم، وستضطر في حينها للشراء على مستويات أعلى وعليه فإن معدل ربحيتها سيقل.
ويضيف الكعبي، »بعد عمليات الرفع الكبيرة التي يشهدها سعر السهم، تبدأ عمليات التسييل، وتظهر إشارات البيع في المؤشرات الفنية، وبالتالي فإن المحللين الفنيين سيقومون بعملية التصريف تبعاً لإشارات البيع وعليه ستتحقق الأرباح، التي من الممكن ان تحققها المحفظة في الوقت نفسه،
والأذى الأكبر سيأتي على المحافظ الكبيرة أكثر من أي طرف آخر، وبالتالي فإن نشر هذا العلم بين صغار المستثمرين سيقلل من ربحية الكبار، وعلى هذا الأساس نلاحظ تعتيم المحافظ على تحليلاتها الفنية.
ويرى الكعبي من جانب آخر أن اتباع المستثمرين للتحليلات الفنية مكنتهم من تقديم المساعدة للمحفظة في رفع السعر وهي النقطة الإيجابية التي لا يدركها الكثير من الناس، أما السلبي فهو خفض أسعار الأسهم بشكل كبير، وعلى هذا الأساس فإن التحليل الفني، قدم جانباً سلبياً للسوق وإيجابياً للمحفظة.
ويشير الكعبي إلى أن فكرة التحليل الفني هي علم يطبق على أي فترة زمنية وعلى أي وسط يتم فيه التداول، وهو ما يبدو جلياً من خلال إقناع جميع المستثمرين المنتسبين لدورات التحليل بأنه مطبق على الأسواق المالية المحلية ونتائجه دقيقة، وليس كما يروج البعض على أنها لا تخدم إلا الأسواق العالمية، فمديرو المحافظ اعترفوا جميعاً بأنهم يستعينون بطاقم من المحللين الفنيين.
علم التحليل
ويتابع الكعبي مشيراً إلى قضية تعلم التحليلات الفنية قائلاً »لا يمكننا تعليم المستثمرين جميع أنواع التحليلات الفنية، ولكننا نعلمهم ما هو أكثر تناسباً وفعالية مع سوقنا، فقد بدأ الجميع فعلاً بالاهتمام به ولكن متى؟ ويجيب عن سؤاله قائلاً »بعد ما طارت الطيور بأرزاقها«!!؛
فقد تمكن الجميع من تحقيق الأرباح في العام الماضي بشكل كبير من خلال الشراء والبيع اليومي إلا أن قراراتهم لم تكُن مبنية على شيء أو تبعاً لمعرفة مسبقة بتوقيت الدخول والخروج من السوق.
ويضيف الكعبي، التحليلات الفنية ساعدت الصغار على الخروج من السهم في الوقت نفسه مع الكبار، ولكن بالنسبة لموضوع التحليلات الأساسية والتعامل معها جنباً إلى جنب مع التحليلات الفنية، فهو أمر يعود إلى المستثمرين، ولكن في حالة المضاربين فإن التحليل الفني هو الأمر الوحيد الذي يخدمهم،
لأنه يتجنب ويتجاهل كل القضايا الأساسية وسيكون المستثمر قادراً في حينها على المتابعة، نظراً لكون التحليل الفني لا يقيم الأسهم المتداولة مثل الأساسي الذي لا ينصح على سبيل المثال بشراء أسهم الشركات تبعاً لطبيعة مكررات الربحية أو مشاريعها وأرباحها المتوقعة، وينصح في نفس الوقت بالموازنة بين الفئتين.
ولا يفضل الكعبي نشر التحليلات الفنية في الصحف لأنها قد تؤدي إلى تفسير هذه المعلومات بشكل خاطئ، وقد تكون أبعاد هذا التفسير اجتماعية ونفسية خطيرة بسبب الخسائر التي يمكن تسجيلها.
لا تخدم أسواقنا.
من جهته اعتبر زياد الدباس مدير إدارة السوق الداخلي في بنك أبوظبي الوطني، أن عمليات التحليل الفني المعمول بها في الوقت الراهن تم تطبيقها على أسواق المال العالمية التي تأسست قبل 100 عام تقريباً، وثبت نجاحها في تلك الأسواق بعد عدة تجارب في أجواء استثمارية تطغى فيها نسبة الاستثمارات المؤسسية على الفردية بنسبة 80% إلى 20% على التوالي،
أما في أسواقنا المالية فالعكس صحيح؛ فالوعي الاستثماري غير موجود، وسياسة القطيع باتت من ميزات الأسواق، والأسهم تعاني من التسريبات والشفافية، والشائعات، الأمر الذي يدفعنا إلى عدم الأخذ بالتحليل الفني، نظراً لاعتماده في نتائجه على تحركات السهم، لسنوات طويلة، ولا يمكن تطبيقها، لفترة تنحصر في خمس سنوات مثلاً مقارنة مع أسواق تحلل نفسها في 50 عاماً، فالسوق المحلي يسير في أغلب الأحيان بعكس اتجاه التحليل الفني.
ويضيف الدباس بأن معظم أعماله مبنية على التحليل الأساسي، مشيراً إلى أنه من يقوم بإطلاق تحليل معين حول أحد الأسهم، وما يعلنه عنه لا يصيب إلا بالصدفة لا أكثر، ولا يوجد لديه أي تبرير صحيح.
فالسوق في الأشهر الأربعة الأخيرة على الأقل لم يعط أحداً فرصته، مما وضع التوقعات الأساسية والفنية في مكان تتقاطع مع بعضها. ويقول الدباس »الدليل على كلامي، هو التراجع الحاصل في السوق بشكل مستمر، ولا أحد مستفيداً، فالجميع خاسر والجو مشحون بعدم الثقة، والتردد واضح في عمليات البيع والشراء نظراً لحجم الخسائر التي مني بها الجميع«.
ممارسات خاطئة
من جانب آخر يعتقد محمد علي ياسين مدير عام مركز الإمارات للأسهم والسندات، أن التحليل الفني يعتمد على قراءة المحلل وتفسيره لحركة الأسهم ولا ينظر إلى أساسيات الشركة، فالمحلل يقوم برمي توقعاته سواء كانت صعوداً او هبوطاً تبعاً لرؤيته للفجوات التي تمكنه من بناء فكرته على المؤشر العام للسوق.
ويرى ياسين، أن التحليل الفني لعب دوراً مشهوداً عندما كانت حركة أسعار الأسهم لا تسير في نفس المستوى الذي حققته أرباح الشركات خلال الانخفاضات الأخيرة، ففي الوقت الراهن يجب على المستثمرين العودة إلى التحليل الأساسي؛ لأنه يعطي نتيجة وافية حول قيمة السهم،
فقد أصبحنا الآن نستطيع تبرير أسعار الأسهم مقارنة بأرباحها، وفي قراءتنا لليوم الحاضر، فإن التحليل الفني لم يأخذ الأرباح التاريخية للسهم ولا يمكننا تفسير حركة الأسهم في ظل أرباح الشركات، والنمو الحاصل على جميع القطاعات.
ولا ينكر ياسين في نفس الوقت أهمية التحليل الفني، ولكن المشكلة برأيه تكمن في بعض الممارسات والقراءات الخاطئة التي تهدف في الكثير من الأحيان إلى إنزال السوق، من خلال الرسائل القصيرة، والفاكسات التي تتحدث عن كسر المؤشر لمستويات الدعم والمقاومة،
لذا يفضل قيام جميع المهتمين بالسعي إلى قراءته مع التحليل الأساسي وهو ما سيعطي صورة أفضل، فهو لا يأخذ بعين الاعتبار موضوع رأس المال المعدل، وأرباح الشركات، ومقارنة حركة السهم في فترة معينة مقارنة مع الأخرى، وسعر السهم مقابل الأرباح.
ويضيف ياسين بأن عدداً من بيوت الاستثمار القديرة قدمت للمستثمرين في الفترة السابقة قراءات تحليلية فنية وقامت بنشرها في الصحف، وواجهت عملية تفسيرها نوعاً من الصعوبة لمن لا يفهمها، فتفسيرها يعتمد على المحلل الذي يقوم بتقديمه للقراء، والسؤال المطروح هو هل نسب كسر حدود الدعم والمقاومة المعلنة تم استخراجها قبل جلسة التداول؟ أم في أثنائها؟ أم بعد انتهائها باعتماد أسعار الاغلاقات المعدلة؟.
اهتمام رسمي
وعلى الصعيد الأهم على الإطلاق، فقد أولت هيئة الأوراق المالية والسلع اهتماماً خاصاً في فكرة التحليل الفني، من خلال إدخالها في جدول ندواتها المتواصلة في إطار ما يسمى »توعية المستثمرين«، وهو ما يدعم فكرة أهميتها وقدرتها على خدمة المستثمرين، ولكن من خلال موازنتها بشكل رئيسي مع التحليلات الأساسية،
حيث أشار عبد الرؤوف ربابعة، مدير إدارة الإصدار والإفصاح في هيئة الأوراق الأردنية، والذي استضافته الهيئة في إحدى ندواتها المنتظمة، إلى أن التحليل الفني يحسن فهم المستثمرين للسوق، فمن الممكن أن يعطينا المؤشر نقطة شراء، ولكن في المقابل هناك أخبار سلبية عن تلك الشركة،
ويقول »هل أقوم بتجاهل هذه الأخبار وأشتري السهم؟، هنا تكمن أهمية الوعي الاستثماري، لنتمكن على هذا الأساس من وضع فكرة التحليل الفني في إطارها الصحيح، فهو أمر مطلوب تماماً، ولكن لا نريد الاعتماد عليه بشكل تام، فهو مكمل للتحليل الأساسي، ولا غنى عنه أبداً«.
ويضيف ربابعة »الوعي في هذا السياق يزداد يوماً بيوم، من خلال التجارب التي يمر بها المستثمرون، وبطول الفترة الزمنية من خلال احتكاكهم بالأسهم والتداول اليومي، ولكننا ما زلنا بحاجة لوعي أكبر وأكثر، ولاحظنا بشكل خاص اهتمام الناس المتزايد بفكرة التحليل الفني،
ولكن الخوف يأتي من خلال الانسياق وراء هذه التحليلات دون الرجوع للأساسيات، ولكني أرى بأن الوقت كفيل لتبلور هذه الفكرة بشكل جيد، فهذه مهنة وتحتاج للمختصين فيها، وإذا كان الناس على وعي تام بهذه التحليلات وعلى قدرة فهم ما هو مكتوب فيها، فلا ضير في نشرها في الصحف جنباً إلى جنب مع التحليلات الأساسية«.
تحقيق: سمير حماد