نظرياً، يمكن تعديل كل عملية وجعلها أكثر حيوية، لذلك، يمكن للمرء، أن يتصور نمواً بطيئاً يتم خلاله، تدريجياً، تعديل آلاف العمليات المتباينة كلها في مجتمعنا العربي الحديث، عملية بعد عملية، إلى أن نبلغ نظاماً يُولد، أكثر فأكثر، عالماً حياً.

ولكن، لسوء الحظ، لا يمكن بهذه السهولة إيجاد حل لمصاعب العملية العميقة. فما يعرقل الطريق أوجهٌ ضخمة بدرجات عالية في مجتمعنا العربي الحديث، ولا سيما جو عام في مجتمع اليوم، نوعية تصرف وواقع يبدو أنها لا تزال، بل لم تتوقف يوماً، عن التآمر لتجعل العملية الحية صعبة بل مستحيلة.

ثم تبرز المشكلة الثانية، وهي مرتبطة بالأولى. فالعمليات الحية مكونة وموجهة بشكل مباشر إلى الكشف عن الحياة؛ فهدفها إنما هو الكشف عن الهيكلية الحية. أما عملياتنا الحديثة فليست مكونة، بل تتواجد كمجموعة كبيرة متجزئة؛ فهي ليست منظمة، ولا متناسقة، ولا مترابطة لتكون نظاماً.

وعلى سبيل المثال، للقوانين المحلية المتعلقة بتحديد المناطق في يومنا هذا، تأثير على أشكال المباني.فشقق تلك المباني تُفضي نموذجياً إلى أروقة المصاعد، أو إلى ممرات طويلة معتمة من دون نور طبيعي؛ وبالكاد تتوفر الحدائق حواليها للتحدث عنها.

وليست ميزتها الشكلية غير الجذابة أثراً متعمداً ومدروساً يولد مباني شققية حسنة الشكل ومترابطة إنما من نوع مريع. بل هو أكثر ما هو عليه نوع من نتيجة غبية، نتيجة صادرة عن التقاء آثار لم يفهمها أحد يوماً أو يفكر فيها.

فإذا بالشقق الناتجة عن ذلك مزدحمة وصغيرة الحجم وخالية إلا من القليل من النور والهواء، والوصول إليها عسير، ومدخلها ليس خاصاً، وجدرانها وأرضيتها ليست سميكة بما يكفي لتعزل الأصوات، ولا تسمح بتأليف مسكن خاص يمكن الناس من التمتع بالمكان الذي يعيشون فيه، ولا تجعلهم يشعرون بالراحة.

لذلك، فإن مجتمع اليوم، في ما يتعلق بالمباني الشققية، قد دخل مرحلة أشبه بالمسخ، مرحلة فرانكنشتاين.ولو أن هذا الأثر السيئ محدودٌ بالمباني الشققية فحسب؛ لكان سيئاً بما يكفي. ولكن الآثار المشابهة له تطال كل جزء تقريباً من مجتمعنا المديني.

وما يولد الظروف السيئة وأشكال المباني البشعة بشكل غير مباشر هي القواعد، العمليات والتأثيرات، في كل جزء تقريباً من أجزاء منطقتنا المدينية الحديثة؛ وتنتج آثارها السيئة من الطبقات الأعمق من ثقافة الشعوب، الممارسات والافتراضات، التي غالباً ما تنتشر وتعم فتشكل قوام المجتمع.

فوسط المدينة العام يشكل مثلاً مشابهاً. كذلك، تشكل البيوت الفردية والمكاتب مثلاً آخر. وتنتشر، بشكل شائنٍ، آثار العملية الاجتماعية المولدة لهيكلية سيئة. فالقوانين والعمليات التي أدخِلَت تولد بالفعل عالماً. ولكنها تولد عالماً محطماً، عالماً يفتقر إلى هيكلية حية.

وهي تقوم بذلك بضراوة وسرعة حتى تجعل شخصاً من الفضاء الخارجي يظن أن ذلك يتم عن قصد- لو لم يكن بَين السخافة. فكيف يُعقَل أن تكون القواعد، القوانين والعمليات التي تولد هيكليات مؤذية كتلك، قد أدخِلَت وقُلدت في كل أنحاء مجتمعنا العربي الحديث، لو لم يُقصَد القيام بذلك عن عمد؟ ولكن، بالطبع لم يُقصَد بذلك عن عمدٍ، إنما حدث نتيجة خطأ.

وقد حدث نتيجة خطأ معين: فقد أطلقنا سراح نظام يولد المسوخ، فأصبحت التحولات التي تحطم الهيكليات، تلك التي انتشرت لتوجد محيطاً عصرياً، حرة طليقة، لا سيطرة عليها، توجدها عمليات غبية لا يتحمل أحد مسؤوليتها المكونة، المسؤولية الإنسانية الأساسية.