عند الحديث عن الاستثمارات الخليجية البينية، تتردد صفات تدور في فلك «الشحيحة» و«الضئيلة» و«الضعيفة»، مقارنة بحجم التجارة الهائل لتلك الدول بالرغم من قوة اقتصاداتها، باعتبارها دولا نفطية توصف بالغنية مقارنة بدول المنطقة العربية الأخرى.

«البيان الاقتصادي» يحاول هنا التعرف على آراء عدد من كبار رجال الأعمال في الدولة وفي دول مجلس التعاون الأخرى لتسليط الضوء على الاستثمارات الخليجية في دول المجلس والتي يرى كثير من المحللين ظهور بوادر تشير إلى عودة جانب من الاستثمارات الخليجية المهاجرة إلى أعشاش أوطانها، خاصة في ظل ظروف التضييق الأميركي على تلك الاستثمارات ومراقبة السلطات الأميركية الدقيقة لها بحجة محاربة الإرهاب ومقاومة تمويله.

وربما بسبب تخوف أصحاب تلك الأموال من التجميد أو الملاحقة الأميركية لتلك الأموال بدواعي هذه الحجة أو تلك. والمحصلة عموما هي أن جانبا من رؤوس الأموال العربية والخليجية عاد إلى الديار بغض النظر عن حجمه.

ولكن علينا هنا أن نتساءل عن مدى ملاءمة البيئة العربية واستعدادها لاستقبال تلك الأموال الضخمة واستثمارها. ونناقش مستقبل مشاريع التوحيد لقوانين دول مجلس التعاون التجارية والاقتصادية والتي تأخر تطبيق جزء كبير منها،

الأمر الذي ربما ساهم في شح مشاريع الاستثمار الخليجية بين دول المجلس وكان سببا في تعطيل مشاريع التحالف والشراكات التجارية الخليجية في وقت ترفع دول مجلس التعاون الخليجي شعاراً واحداً يتمثل: في تاريخ واحد، ماض واحد، عادات وتقاليد واحدة. إذن أليس بالأحرى أن يكون لتلك الدول قوانين وتشريعات تجارية واقتصادية واحدة انطلاقا من إيمانها بتلك الوحدة باعتبار أن مستقبلها واحد وخاصة في ظل نظام العولمة الذي يضغط بمفرداته ومتطلباته على الجميع.

تقييم للاستثمارات البينية

أحمد شبيب الظاهري ـ عضو الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي: مع تطور مداخيل دول مجلس التعاون بدءا من الستينات مرورا بفترة الازدهار في السبعينات قامت دول المنطقة بمشاريع استثمارية وأنشأت البنوك وشركات التأمين والشركات المساهمة الأخرى في القطاعات المختلفة.

كذلك اتجهت للأسواق العالمية للاستفادة من الفرص المتاحة ومع تطور المداخيل ومحدودية فرص الاستثمار في المنطقة استمر استثمار الجزء الأكبر من المداخيل في دول خارج المنطقة.

عبدالله صالح رجل الأعمال ورئيس مجلس إدارة بنك دبي الوطني: يعد حجم الاستثمارات الخليجية الخليجية ضئيلا جدا مقارنة بحجم التجارة الضخم ما بين دول المنطقة العربية بشكل عام والخليجية والتي تعتبر غالبية دولها مصادر للنفط حيث تتجه الدول الخليجية لتصدير النفط لدول الغرب. كما أنها دول مستهلكة تستورد من الشرق والغرب وهذا هو النمط السائد لدى تلك الدول.

والاستثمارات المباشرة بين دول المجلس كانت في السابق محدودة ولكن هناك بوادر انفتاح بهذا الشأن، فالأموال الخليجية المتمثلة في «الاستثمارات الخليجية»، كانت مكدسة في الخزانات الأميركية وفي مشاريع الاستثمار العقاري وغيرها من المشاريع الكبرى الأخرى والآن الأسواق المحلية في دول المجلس بدأت تأخذ نصيبها من تلك الأموال الخليجية التي كانت في السابق تتجه للخارج،

وأنا شخصيا أشجع عودة الأموال والاستثمارات الخليجية المهاجرة إلى أوطانها حتى تستفيد الدول الخليجية من تلك الأموال الضخمة ومن تلك السيولة الكبيرة، وعلى حكومات دول المجلس بذل جهود أكبر لجذب تلك الأموال من خلال توفير مناخ استثماري أكثر ملاءمة لجذب تلك الاستثمارات لتلك الدول.

استثمار في الخليج

عبدالله صالح: لدينا استثمارات في الكويت، قطر والبحرين، كما أنني شريك في شركة دتكو وهي شركة لها استثمارات في قطاع البتروكيماويات في قطر برأسمال 400 مليون دولار. وقد تمكنت الشركة من تحقيق أرباح جيدة خلال الأعوام الأربعة الماضية، بالإضافة إلى استثماراتنا في قطاع العقارات في البحرين.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: يتركز نشاطنا بشكل أساسي في العقارات واستيراد مواد البناء بمختلف أنواعها بما فيها الحديد والأخشاب والأدوات الكهربائية وخلافه، والمجال مفتوح لنا فيما يتعلق باستيراد تلك المواد، فنحن نتعامل مع دول أوروبية وآسيوية بالنسبة لهذا الشق من العملية التجارية.

أما الشق الثاني وهو ما يتعلق بالتسويق فهو يتوزع بين توفير احتياجات السوق المحلية وبين إعادة تصدير تلك المواد إلى أسواق خارجية تشكل دول مجلس التعاون الخليجي الجزء الأكبر منها.

المهندس يحيى بن سعيد آل لوتاه نائب رئيس مجلس إدارة مجموعة س. س لوتاه: بالنسبة لمشروعاتنا، فإن لدينا روابط عميقة مع شركاء تجاريين في كل مجلس التعاون الخليجي ولكن الفرص الاستثمارية الحقيقية التي نهتم بها لا تتوفر ولدينا على سبيل المثال مشروع تنفيذ أعمال البنية التحتية للغاز الطبيعي في عمان إلى جانب عدد من المشاريع العقارية ونأمل إن تتاح فرص أكثر في المرحلة المقبلة للعمل المشترك والاستفادة من الخبرات المختلفة،

بالإضافة إلى أننا لدينا تحالفات وشراكات خليجية في قطاعات مهمة ومتنوعة مثل الطاقة والغاز الطبيعي والتقنيات البيئية والتعليم والعقارات والبناء. وأرى أن الوعي أو التعريف بالفرص الاستثمارية الخليجية مسؤولية مهمة للغاية،

فالبعض مازالوا أسرى لمفاهيم قديمة حول منطقة أو دولة بعينها ولا يدركون لمدى التطور الذي يحدث بسرعة البرق كما هي الحال في دبي مثلا. وأرجو أن نرى فرصاً جديدة للتعاون التجاري بين أشقائنا الخليجيين وأن نساهم في ترويجها والاستثمار فيها.

رجل الأعمال الكويتي فوزي الصبيح العضو المنتدب لشركة نور كابيتال: تعتزم شركة نور كابيتال القيام بمشاريع قد توازي في قيمتها 5 مليارات درهم خلال هذا العام في الإمارات، حيث ستكون تلك الاستثمارات موزعة ما بين الصناعة النفطية، قطاع التعليم، قطاع الوساطة المالية، وقطاع التشييد والبناء.

الغرب يستحوذ

عبدالله صالح: علينا ألا نظلم الدول الغربية، فالاستحواذ هو أقرب للاغتصاب، ونحن من نذهب لتلك الدول الغربية للاستثمار في مشاريعها نظرا لتوفر بيئة استثمارية ملائمة في تلك الدول ولكن الوضع الآن بدأ يتغير تدريجيا وعلينا أن نقدر أن تلك الدول الغربية هي من يشتري نفطنا كما أنهم شركاؤنا الرئيسيون في التجارة، ويجب أن تكون الشراكة التجارية معهم متبادلة، أي علينا نحن أيضا أن نستثمر في بلدانهم.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش ربما كانت هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير ولكن ليس بالمعنى المطلق. فهناك تقارير تشير إلى أن ثروات مواطني دول مجلس التعاون الخليجي في الغرب تتجاوز التريليون دولار وهناك من يقول تريليونين وأخرى تشير إلى أن 60 في المئة من هذا المبلغ هو الذي يُستثمر في الغرب، والإحصاءات في هذا السياق غير دقيقة ويصعب الاعتماد عليها لأن نسبة التفاوت بينها كبيرة.

وعلى أية حال، يمكن النظر إليها كمؤشر يُستدل به على الحجم التقريبي لتلك الثروات، والذي هو في كل الأحوال كبير جداً أياً كانت نسبة التفاوت بين تلك التقديرات، وما يمكن قوله إن جزءاً كبيراً بالفعل ما زال في الأسواق الغربية بالرغم من الهجرة المعاكسة لرؤوس الأموال وعودتها إلى المنطقة والتي لمسناها في الآونة الأخيرة.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: الواقع الاقتصادي والمالي العالمي واضح تماما ولا نستطيع أن ننكره، فالغرب يستحوذ على أغلبية الاستثمارات الخليجية منذ زمن بعيد ولكن هناك عوامل جديدة ظهرت في الأسواق المالية وأهمها تيار العولمة الذي انعكس بشكل مباشر على قطاع الأعمال

واتجاه دول مجلس التعاون إلى الأخذ بسياسات تحرير التجارة والحد من المعوقات التي تواجه المستثمرين الخليجيين والأجانب إلى جانب الثورة الهائلة في قطاعي تقنية المعلومات والاتصالات التي قللت من حجم الأعباء المالية التي يقتضيها الاستثمار في دول كثيرة.

وهناك بالطبع عدد من المتغيرات السياسية وغيرها التي تؤثر في حجم ونوع الاستثمار ولكن تلك الصورة القاتمة تتغير وتتجه يوما بعد يوم إلى الأفضل ونحن نسمع ونقرأ ونرى يوميا عن استثمارات جديدة متنوعة في دول مجلس التعاون الخليجي من قبل المستثمرين الخليجيين والعرب والأجانب.

فوزي الصبيح: تساوي الامتيازات ما بين الشركات المحلية الناشئة والشركات الأجنبية الكبيرة هو أمر غير عادل من ناحية أن القدرات المالية للشركات الأجنبية أكبر بكثير من الشركات المحلية عدا أن الشركات الأجنبية لا توظف حجم استثمارات يبرر حجم الامتيازات الحاصلة عليها.

مبررات

عبدالله صالح: الدول الخليجية غنية ولكن مجال الاستثمار فيها محدود، فالطلب موجود على الدولارات في العالم حيث تستغل تلك الدولارات في مشاريع صناعية وغيرها من المشاريع الكبرى،

مما يدفع العرب والخليجيين بشكل خاص للاتجاه للاستثمار في الغرب نظرا لتوفر الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الغرب، فهناك مقولة تقول (رأس المال جبان) لذلك نرى أن رأس المال يذهب أينما توفر استقرار سياسي واقتصادي وبيئة مناسبة تشجع المستثمرين على الاستثمار.

كما أن في الغرب السوق كبير ولديه قدرة على استيعاب الأموال الضخمة والتي عادة ما يعاد استثمارها في مشاريع ضخمة هناك، في حين لا يوجد في المنطقة العربية مشاريع بتلك الضخامة ولا يوجد استقرار سياسي أو اقتصادي في المنطقة العربية باستثناء الدول الخليجية والذي تختلف عن باقي دول المنطقة العربية لتمتعها باستقرار سياسي، أمني، واقتصادي كبير.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: هناك أسباب عدة لهذا التوجه من جانب المستثمر الخليجي، وكان ذلك إلى عهد قريب قبل أن تتغير النظرة الآن، منها أننا لم تكن لدينا في السابق الأسواق المالية أو الأدوات الاستثمارية التي تستوعب تلك الاستثمارات في حين أن الغرب لديه أسواق مالية قائمة ومستقرة منذ زمن بعيد ولديه القوانين المنظمة للاستثمار ومنتجات وأدوات استثمارية عديدة تعطي المستثمر خيارات كثيرة.

أما الآن فقد أصبح لدينا في منطقة الخليج البنية الأساسية الجيدة والأسواق المالية المنظمة والقوانين التي يعمل المسؤولون على تطويرها باستمرار لتواكب المتغيرات حسب حركة السوق. وليس معنى ذلك أننا قد وصلنا إلى درجة الكمال لنطالب المستثمرين بإعادة كل أموالهم لاستثمارها في أسواقنا ولكنني أقول إنه قد أصبح لدينا من عوامل الجذب ما يشجع أبناء الخليج والمستثمر الأجنبي على استثمار أمواله هنا.

نحن الآن في عالم مفتوح والمتغيرات فيه لا تقف عند حد، والمستثمر يبحث عن الإيجابيات التي تحقق له أقصى عائد وأعتقد أننا في وضع جيد يسمح لنا بالمنافسة والفوز بحصة كبيرة في السوق العالمية، لأن حركة رؤوس الأموال والاستثمارات لم يعد لها حدود الآن في هذا العالم المفتوح.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: توجه المستثمر الخليجي للاستثمار في الغرب له أسباب منطقية عديدة أهمها وجود المشاريع الاستثمارية العملاقة ذات العائد المجدي بكثرة إلى جانب وجود الآليات التنظيمية والتشريعات والخدمات، فهي منظومة متكاملة تتداخل فيها عوامل عدة بما فيها البنية التحتية وحتى توفر الفنادق والمواصلات وغيرها.

ولكن مع التطور الكبير الذي شهدته دول مجلس التعاون الخليجي خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة وما تقدمه من خدمات تضاهي بل وتتفوق على مثيلاتها في أكبر العواصم التجارية العالمية تنتفي الكثير من الأسباب وتبقى التشريعات، والمزايا التي نقدمها لجذب المستثمر الخليجي هي التحدي الحقيقي لضمان جذب الاستثمارات الخليجية الجديدة والخارجية.

فوزي الصبيح: المستثمر عادة يبحث عن الربح والأمان، والربح يأتي من النمو الاقتصادي في قطاع معين، والأمان يتمثل في جوانب عدة أهمها العراقيل البيروقراطية في دول مجلس التعاون حيث إن الاستقرار السياسي والاقتصادي على درجة كبيرة ولله الحمد.

شح في حجم المشاريع

عبدالله صالح: كما ذكرت مسبقا لم يكن هناك في السابق طلب كبير على المشاريع الكبرى ولكن بظهور أسواق المال والتي بدأ نجمها يسطع وبقوة في أسواق المنطقة بدأت الشركات العالمية ترى أنه أصبح بإمكانها إدخال أموال ضخمة لأسواق منطقة الخليج وبالمقابل تحقيق أرباح ضخمة،

وأتوقع أن يلعب مركز دبي المالي العالمي دورا مهما في استقطاب الاستثمارات والشركات والبنوك العالمية لأسواق الدولة، كما أن إدارة الأموال في أسواق الدولة سوف تشجع الأموال المهاجرة على العودة.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: ربما كان ذلك صحيحاً إلى حد كبير حتى وقت قريب وأعتقد أن السبب هو عدم وجود التشريعات الكافية التي تنظم الاستثمار بين دول المجلس. فعلى الرغم من قيام المجلس منذ ربع قرن إلا أننا، وأقولها صراحة، تأخرنا كثيراً في تفعيل دور المجلس كما يجب من حيث وضع النظم والتشريعات التي تكفل لأبناء دول مجلس التعاون الاستثمار بحرية في كل دوله،

ولو نظرنا إلى دول الإتحاد الأوروبي لوجدنا أنها حققت الوحدة الاقتصادية الكاملة في زمن قياسي مع تطبيق العملة الأوروبية الموحدة «اليورو». وهناك عائق آخر وهو البيروقراطية والروتين في إنجاز معاملات الاستثمار، وهما من الآفات القاتلة لأية بيئة استثمارية.

وكان للإمارات، وبالأخص دبي، دور حاسم في القضاء على هاتين الآفتين بإنشاء الحكومة الإلكترونية وتسهيل الإجراءات وتبسيطها بما يكفل سرعة إنجاز المعاملات باعتبارها إحدى العوامل الجاذبة للاستثمار.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: أختلف تماما مع من يرون الصورة قاتمة بالنسبة لحجم مشاريع الاستثمار الخليجية فنحن في أول الطريق، ولكن ما تشهده الأسواق الخليجية اليوم من تطور أصبح مثالا يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم

بل ويحسدنا البعض على وتيرة النمو في اقتصادنا وبلا شك ينعكس ذلك بصورة إيجابية من ناحية ثقة المستثمرين وضخ الأموال في مشاريع التنمية والبنية التحتية والمشاريع السياحية والصناعية وغيرها.

وبالنسبة لمجموعة س.س. لوتاه، فلدينا عدد من المشاريع في قطر والبحرين وعمان والأهم هو ترسيخ قيمة التعاون بين الأشقاء وتبادل النصح والخبرات للوصول إلى ما فيه الخير للطرفين، ولذلك فوائد اجتماعية وسياسية واقتصادية في الوقت نفسه،

وترجع قلة حجم المشاريع الاستثمارية بين دول الخليج في رأيي إلى تشابه اقتصاداتها واعتمادها على النفط ولكن هناك تغير كبير وتنويع في القاعدة الاقتصادية يتم بشكل مدروس ونحن مقبلون على مرحلة ستكون فيها الأسواق أكثر انفتاحا وأقل قيودا وربما نشهد عملة خليجية موحدة في المستقبل القريب.

فوزي الصبيح: ربما يشجع توحيد تلك القوانين على تكافئ فرصة المناطق المختلفة في الخليج لاستيعاب الاستثمارات الواردة لكن الأهم هو درجة استيعاب المسؤولين والمنفذين لتلك القوانين والنظم لأهمية تبسيط وعدم عرقلة جانب التطبيق باحتراس وعدالة.

تأخر توحيد القوانين

أحمد شبيب الظاهري: العلاقات الاقتصادية الخليجية وعلاقات العمل الخليجي سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية كانت حاضرة على مدى الأزمنة وتطورت بشكل مؤسسي وعلى شكل علاقات منظمة مع قيام مجلس التعاون وكانت أول اتفاقية تم توقيعها ما بين دول المنطقة بعد تأسيس مجلس التعاون هي الاتفاقية الاقتصادية

وذلك لأهمية القطاع الاقتصادي وزيادة توحيد التشريعات ونظام العمل في هذا المجال وتشجيع التجارة البينية والاستثمار وسوف نلاحظ في الفترة المقبلة انتقالا إلى مرحلة جديدة من مراحل الاتفاقية الاقتصادية التي مرت بمرحلة الاتحاد الجمركي ومرحلة السوق المشتركة ومن ثم توحيد العملة. العمل الخليجي المشترك موجود تاريخيا.

عبدالله صالح: في رأيي المتواضع أن الإدارة المسؤولة عن توحيد القوانين التجارية لدول مجلس التعاون الخليجي متقاعسة نوعا ما، فاجتماعاتها كثيرة والمفروض أن تفاجئنا دول المجلس بخطوات عملية كبيرة في ملف التوحيد حيث إن تباين القوانين التجارية يعرقل خطط توسع الشركات الخليجية والأجنبية لباقي دول الخليج والمنطقة العربية، وعلينا الاعتراف بأن الإمارات هي الوحيدة التي كسرت القيود والحواجز التجارية في المنطقة.

فللأسف هناك بعض الدول الخليجية الأخرى لا تسمح لنا ببيع منتجاتنا الإماراتية في أسواقهم ولنا تجارب سلبية في هذا الصدد، فأنا عضو في شركة (دوكاب) ولا يسمح لنا ببيع منتجاتنا في الكويت أو السعودية حيث إنهم يحمون بذلك الرفض منتجاتهم المحلية في حين يسمح لشركات تلك الدول بإغراق سوق الإمارات وسوق دبي بالتحديد بتلك المنتجات!!

لذلك نرى أن هناك العديد من المعوقات لابد من إزاحتها من الميدان إذا ما أردنا بالفعل إرساء مشاريع التوحيد في دول المجلس، ومن هنا أقول لقد فشلت دول مجلس التعاون الخليجي في إرساء قواعد التوحيد التجاري.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: بصراحة أنا لا أرى سبباً منطقياً لهذا التأخير فالإرادة السياسية موجودة منذ قيام المجلس والقادة متفقون على أن دور المجلس حيوي وأساسي في العمل على تطوير مجالات الحياة كافة بما يخدم أبناءه،

بل هو السبب الرئيسي في قيام المجلس، فكيف يكون التطوير إذا لم يتم تطويع القوانين لتلك الغاية؟ ولكنني كما قلت أعتقد أن هناك جهوداً تُبذل غير أنها بطيئة إلى حد ما، وربما كانت الظروف التي مرت بها المنطقة من حروب وعدم استقرار قد أرجأت الكثير من المشاريع،

ولو أنني أرى أن الجانب الاقتصادي وما يتعلق به من تشريعات كان يمكن أن يمضي قُدُماً في طريقه بغض النظر عن أية ظروف أخرى، نظراً لما يمكن أن يترتب على ذلك من ايجابيات منها كما سبق أن ذكرت إيجاد البيئة الجاذبة والمستقرة لاستثمار أموال أبناء دول المجلس بما يساهم في زيادة نمو المنطقة بشكل عام،

ولا شك أن تطبيق ذلك التوحيد سيشجع من رقعة المشاريع الاستثمارية بين دول المجلس، وأعتقد أن هناك بالفعل لجاناً بدأت تعمل على تدارس القوانين في مختلف بلدان المجلس للتنسيق بينها كخطوة لتوحيدها في مرحلة لاحقة بما يخدم المنطقة ويدفع الحركة الاستثمارية فيما بينها،

وهذا نلمسه من الاجتماعات الدورية التي تتم على مستوى الوزراء وكبار المسؤولين وما ينبثق عنها من لجان في مختلف المجالات، أما لماذا سيشجع ذلك على زيادة رقعة المشاريع الاستثمارية بين دول المجلس فهذا أمر بديهي وهو أن المستثمر يريد أن يعمل في بيئة منظمة تحكمها القوانين الشفافة والواضحة ليكون على دراية كاملة بما له وما عليه ويكون لديه مرجعية ثابتة يطمئن من خلالها على أمواله وحقوقه، دون أن يكون هناك تباين صارخ بين قانون هذه الدولة أو تلك.

وكما سبق أن ذكرنا فقد سبقنا الغرب في ذلك وكان هذا من بين الأسباب التي تدفع رؤوس الأموال للهجرة إليه. نحن نريد أن نُسرّع الخطى لنلحق بما وصلوا إليه فالإنسان يبدأ دائماً من حيث انتهى الآخرون، وهذه هي الاستراتيجية التي تطبقها الإمارات وقطعت شوطاً كبيراً فيها. كما أن ذلك سيساهم في تغيير نظرة الآخرين إلينا عند التفاوض على إبرام اتفاقيات مشتركة باعتبارنا كتلة واحدة متناسقة في قوانينها وإجراءاتها.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: بلا شك يلعب التنسيق بين دول مجلس التعاون دوراً مهماً سواء على مستوى التشريع الذي يؤدي إلى توحيد القوانين التجارية أو تفعيل خطط لدعم أهداف التنمية الخليجية وكما ذكرت نحن في بداية الطريق ولكننا نملك الأدوات الصحيحة والرؤية الواضحة الآن من حيث تقييم الأداء الاقتصادي لدول الخليج،

وفهم التأثير المتبادل بين اقتصادات دول الخليج والاقتصاد العالمي وهناك دروس مستفادة كثيرة تضع مؤشرات هامة اقتصادية واجتماعية وسياسية تساعدنا على توجيه الاستثمارات الخليجية لخدمة أهدافنا الاستراتيجية وعلى سبيل المثال فان البورصات الخليجية سوف تلعب دوراً هاماً في جذب استثمارات الخليجيين من الخارج وتحقيق التنمية الاقتصادية ولكن يلزمنا أولاً تفعيل وتحديد الأهداف المشتركة.

وللأسف الشديد فإن وتيرة وسرعة صنع القرار على مستوى مجلس التعاون بطيئة ونعلم أن مشاريع توحيد القوانين التجارية تأخذ عادة في الاعتبار المصالح المشتركة إلى جانب المصالح الخاصة لكل دولة بعين الاعتبار وهذا ما يؤدي إلى مباحثات ومفاوضات طويلة تدوم لسنوات.

ولكن نأمل أن يتم في القريب العاجل الأخذ بسياسات خليجية تشمل الإعفاءات الضريبية والتسهيلات في التمويل وتطوير البنية التحتية الأساسية وإلى حين يتم تفعيل القوانين نستطيع أيضاً الدخول في اتفاقيات تشجيع وحماية الاستثمار وندعو من يتفقون معنا في الرأي بضرورة بذل جهد أكبر في عمليات الترويج والتعريف بفرص الاستثمار التي تتيحها كل دولة وتفعيل العمل المشترك على مستوى القطاع الخاص.

فوزي الصبيح: تغلب النزعة الحمائية عند التطبيق لدول المنطقة تجاه بعضها البعض آخر عملية التوحيد تلك بالرغم من المقررات الكثيرة والإيجابية التي أقرتها مؤتمرات القمة الخليجية.

رجل الأعمال البحريني محمد عبد الجبار الكوهجي ـ رئيس مجموعة الكوهجي وأولاده: على دول مجلس التعاون الخليجي أن تأخذ من الإمارات عبرة ودرس الاتحاد حيث تتحد سبع إمارات، فلكي تتمكن دول المجلس من أن تصبح قوة اقتصادية منافسة عالميا عليها أن تتحد وتوحد قوانينها التجارية والاقتصادية وخاصة في ظل نظام العولمة القائم في العالم.

وخاصة أن دول مجلس التعاون الخليجي تواجه تحديات اقتصادية، وعليهم التفكير بخطط التوحيد تلك في ظل الخصخصة التي تجتاح قطاعات عديدة في بلدانهم.وأنا كتاجر أود أن يحدث توحيد في القوانين التجارية لدول المجلس في أقرب وقت ممكن، وعلى المسؤولين في القطاع العام العمل بجد على تأسيس نظام تجاري واقتصادي موحد لدول المجلس، فالتوحيد سبب من أسباب القوة،

فعلى سبيل المثال سينظر الموردون سواء الخليجيون أو الأجانب لي بصورة مغايرة إذا ما كانت أعمالي في قطاع معين موحدة، حيث ان سهولة التحرك والانتقال أمر مهم بالنسبة لرجال الأعمال والشركات، فيجب على حكومات دول المجلس فتح حدود دولهم تجاريا أمام رجال الأعمال والمستثمرين الخليجيين حيث سيسهل رفع القيود الاستثمارية والتجارية على هؤلاء التجار والمستثمرين توسيع أعمالهم وانطلاقهم إلى جميع دول الخليج.

وبرأيي أنه لا يوجد توحيد بالمعنى الصحيح على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي على أرض الواقع، كما أن توحيد العملة بين دول المجلس مطلب ضروري لأن ذلك سيسهل التعامل بالعملة، ومن الطبيعي أنه كلما سهلت الأمور ورفعت القيود سيكون ذلك في مصلحة التجار والمستثمرين الخليجيين ودول المجلس على حد سواء.

مستقبل السوق الموحد

أحمد شبيب الظاهري: السوق المالي الخليجي هو سوق مكمل للأسواق المالية العالمية وليس منافسا لها. وتطور العلاقات ما بين أسواق المال الخليجية سوف يؤدي إلى تنظيم عملها لمصلحة المستثمر المحلي والعالمي بشكل عام.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: أعتقد أن ذلك يعتبر أحد الأهداف الرئيسية التي يجب أن تعمل المنطقة على تحقيقها. فعلى الرغم من أن الأسواق المالية في المنطقة كلها نشطة وفاعلة إلا أنني أرى دائماً أن العالم يتجه نحو الكيانات الكبيرة لتصمد في المنافسة في عالم يبتلع فيه الكبير الصغير، فلا أقل من التنسيق والربط بين تلك الأسواق للاستفادة من بعضها البعض.

ونحن نعرف أن ظروف دول المنطقة متماثلة إن لم نقل متطابقة. وقد رأينا ما حدث مؤخراً عندما هبطت أسعار الأسهم في كل أسواق المنطقة ولا أحد يعرف من أين بدأت الأزمة ولكن الحركة في أي سوق تنتقل إلى الآخر مثل تأثير الدومينو.

كما أن العمل جار على قدم وساق نحو تحقيق الوحدة النقدية الخليجية بالعملة الموحدة، وقد تم وضع برنامج زمني لتطبيقها في عام 2010 وربما قبل ذلك وهي كلها خطوات تكمل بعضها البعض بتحقيق التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: لا شك أن إيجاد سوق مالي خليجي موحد سوف يتمتع بقوة كبيرة وقد يمثل المحيط الإقليمي لدول مجلس التعاون بالكامل ولكن المنافسة عالميا تحتاج إلى مقومات كثيرة لا تتوافر لدينا الآن ونحتاج لوضع القواعد السليمة التي تؤسس لنجاحاتنا المستقبلية الآن.

وقد رأينا مدى الأهمية التي اكتسبتها تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر كمحرك لدفع عجلة النمو الاقتصادي في عدد من دول الخليج مما يبشر بتطور سريع يدفع بمنطقتنا إلى مصاف الأسواق المالية المتقدمة في المستقبل القريب إن شاء الله.

ويبقى ذلك مرهوناً بمدى زيادة نصيبنا من الاستثمارات الأجنبية وليس تفعيل الاستثمار الخليجي فقط كذلك زيادة معدلات النمو والتجارة البينية ورفع مستوى الإنتاجية وكفاءة العنصر البشري ومواكبة كل جديد في قطاعات تقنية المعلومات والاتصالات وغيرها من التحديات.

فوزي الصبيح: النموذج المعمول به في مركز دبي المالي يحمل أكثر من عامل يدعو للتفاؤل بأن يكون هو البديل العملي لسوق مالية خليجية، تشكل منافساً رئيسياً للأسواق العالمية، حيث إنها أول خطوة عملية لإيجاد سوق في نطاق زمني ما بين بورصة هونغ كونغ ولندن (مفتوحة للمستثمر الأجنبي).

محمد الكوهجي: نحن كقطاع خاص نتمنى ولادة سوق مالي خليجي موحد ينافس الأسواق العالمية الأخرى.

تحالفات وشراكات خليجية

أحمد شبيب الظاهري: المؤسسات الخليجية لديها مشاريع مستقبلية للمنطقة وهذا يتجلى من خلال تحويل بعض الشركات القائمة إلى شركات مساهمة عامة أو تأسيس شركات جديدة في قطاعات تحتاج إلى مستثمرين. ونلاحظ أن أغلب هذه التحالفات والشركات التجارية تم فتح باب الاكتتاب العام فيها لمواطني دول المجلس وكذلك الآخرون.

يحيى بن سعيد آل لوتاه: تعد دول مجلس التعاون الخليجي امتداداً جغرافياً طبيعياً لنا في دولة الإمارات العربية المتحدة بما يجمعنا من روابط تاريخية عميقة وفي ظل الخطوات الإيجابية التي تشهدها مسيرة التعاون يوما بعد يوم مثل الاتحاد الجمركي الخليجي والإعداد لقيام السوق الخليجية المشتركة والاتحاد النقدي فإننا نرى العديد من الفرص الاستثمارية الرائعة وسوف نعلن قريبا عن مشروعات جديدة حيث بدأنا في الإعداد لمشروعات في قطاع الطاقة في قطر وغيرها من دول مجلس التعاون.

رجل الأعمال عبد الجليل درويش: نحن نشجع ذلك بالطبع ونرحب به وهذا يتسق مع تفكيرنا ولكن مثل هذه الأمور لا بد أن تُدرس بعناية من حيث نوع النشاط ومجالات العمل المتاحة، فهناك دائماً مجال للعمل المشترك إذا توفرت الرغبة والإرادة وحسن النية والإمكانية لمردود جيد، ثم بعد ذلك يأتي الإطار التنظيمي الذي يتم تنفيذ العمل من خلاله.

فوزي الصبيح: الكيانات أكبر عادة ما تكون أقوى وأقدر على النجاح طالما صح بناؤها على أسس مهنية وافتراضات واقعية لا يدخل فيها المزاج والمحسوبية.

محمد الكوهجي: نقوم حاليا بدراسة وتقييم لأسواق دول الخليج حيث إن لدينا توجهاً لتأسيس شراكات تجارية خليجية.

العلاقات مع دول التعاون

أحمد شبيب الظاهري: العلاقات التجارية لدولة الإمارات مع دول مجلس التعاون علاقات متطورة ومتميزة وتقوم الدولة بتطوير قوانينها بطريقة أسرع لإتاحة الفرصة للمستثمرين ورجال الأعمال الخليجيين لتسهيل أعمالهم الاقتصادية.

رجل الأعمال عبدالجليل درويش: العلاقات ممتازة. لكن القوانين بحاجة إلى مراجعة وتقييم وتعديل بما يتوافق مع ظروف كل دول المجلس بصفة عامة وليس كل دولة على حدة، ونحن نلمس تحركاً تدريجياً في هذا الاتجاه،

فالاكتتابات الأولية التي حدثت مؤخراً في العديد من الشركات والبنوك مثل دانة غاز في الإمارات وبنك الريان في قطر وبنك السلام في البحرين أتاحت لأبناء الخليج الاشتراك والمساهمة أسوة بأبناء الدولة التي طرحت أسهم شركاتها

وفي ذلك إثراء للحركة الاقتصادية وتحريك لرأس المال والسيولة المتوفرة في المنطقة، ولكن لا بدّ من دراسة هذه الأمور دراسة شاملة لنقف على أرضية صلبة ونتفادى أية سلبيات تظهر من خلال الممارسة الفعلية.

تحقيق ـ كفاية أولير