اقترن اسم نصير شمه بآلة العود وصار سفيرا لها في كل مكان يذهب إليه، ولا يبخل عليه الناس بالألقاب والأسماء الجميلة التي تبرز علاقته الحميمة بالعود . من القاهرة اتخذ مقرا له وأسس «بيت العود العربي» الذي يشهد حضورا مهماً في الساحة الفنية المصرية والعربية التقيناه أخيراً خلال زيارته إلى الإمارات، حيث أقام حفلاً كبيراً بمشاركة عازف الغيتار الاسباني كارلوس الذي قدم مع نصير تسع حفلات في أوروبا تنقل فيها عبر العواصم.
التقينا نصير شمة في دبي وكان الحوار التالي:
* خرجت عن مألوف الموسيقى العربية وآلة العود حينما عزفت مع الغيتار في حفل واحد برفقة الاسباني كارلوس ..هل تسمي هذا تمردا أم إضافة ؟
ـ لا أعتبر نفسي متمردا على الموسيقى العربية، بل أتعمق فيها وأبحر في عوالمها الغنية العمق البعيد في موسيقانا هو الذي يعطي التجديد، والصفة المميزة المختلفة عن الآخرين.
برأيي إن الموسيقى العربية في بدايات القرن العشرين أخذت جانبا تطريبيا واسعا جدا، وهذا أثر عليها تأثير كبيرا ولكنه في الوقت نفسه، أعطاها صفة معينة هي التطريب، أعتقد أن البدايات يجب أن تعتمد على دراسات الأخرى، واعتمادي على مرافقة الغيتار لعودي في الحفلات الأخيرة كان من باب التجديد لا من باب التمرد والتجربة نجحت بوجه عام.
* وكيف شعرت بهذا النجاح الذي تتحدث عنه ؟
ـ تلقيته من خلال الناس ..ألا يعتبر الناس معيارا هاما للنجاح.
* والنقاد ..؟
ـ عن أي نقاد تتحدث، النقد غائب تماما عن الموسيقى العربية منذ زمن طويل، والموجودون كان الله في عونهم بعد أن كبروا في العمر، الموسيقى العربية تفتقد حقيقة للناقد ويبدو أنه جرى الاكتفاء بصيغة إعلامية ترويجية أكثر ..
* هل أردت أن تقول عبر عزفك مع كارلوس أنك قادر على تحقيق تواصل حضاري بين الغرب والشرق ؟
ـ قبلي قال الكثيرون هذا وتألقوا في الحديث عنه وتقديمه، ولكني أجد أن الموسيقى العربية مفتوحة على العالم وعلى كل جديد وطالما روح الجديد والتجديد تسكننا فلماذا لا نفتح نوافذنا على العالم ونقدم أفضل ما لدينا..؟ دون خوف أو قلق لأننا بالفعل أصحاب اسم كبير وحضارة تليق بالإنسانية.
* متى زرت العراق آخر مرة ؟
ـ منذ 12 سنة..
* خوفك من الموت هو ما قادك لعدم الذهاب؟
ـ لا إطلاقا هناك الكثيرون ممن عادوا لبغداد وخرجوا منها ثانية، أنا أحب أن أعود إلى عراقي الذي أحبه والذي أتصوره في مقطوعاتي الموسيقية، وبطبيعة الحال أرى نفسي في هذه الأثناء عراقياً خارج أسوار بغداد التي أحبها.
* إلى متى ستظل موجودا في القاهرة ؟
ـ القاهرة مدينتي وبيتي الكبير الذي احتضنني وانطلقت منه، حتى الآن لم تخرج هذه المدينة العظيمة من قلبي وأعترف أنني في هذه المدينة أنجزت سلسلة مشاريعي التي أسست مسيرتي الفنية.
* وما أخبار بيتك الصغير بيت العود العربي الذي قمت بتأسيسه قبل سنوات في القاهرة؟
ـ «بيت العود العربي» هو الذي يجمع كل المبدعين الصغار الذين ارتأوا أنهم سيحققون أحلامهم عبر تعلم آله العود، وفعلاً احتضنهم هذا البيت وبدأنا سوية نمضي في تحقيق أحلام مشتركة والتجربة إلى حد كبير أثبتت أهميتها وضرورتها، وان شاء الله هناك خطط لتأكيد هذا التطوير والنجاح الذي حققناه.
* قلت لي قبل قليل انك نجوت بأعجوبة من حبل الإعدام في العراق أيام النظام السابق بعد أن سجنت ما يزيد على الخمسة أشهر.. كيف حصل معك هذا ؟
ـ فعلا نجوت بأعجوبة من حبل الإعدام لأنه صدر بحقي عفو خاص بعد أن أحلت إلى مسقط رأسي في الكوت، كان أمر الإعدام ينتظرني لكي أقتل في مدينتي، وكان هناك ثلاثة أشخاص قادرون على نقض قرار صدام للحكم وهم رئيس مكتب الجنوب للحزب، ورئيس مكتب الشمال، ورئيس مكتب الوسط للحزب ،
وبطبيعة الحال نحن تابعون للجنوب كان هناك شخص اسمه ثابت الدوري وهو المسؤول عني وبعد خمسة أيام كنت سأعدم، كان هو يعرف اسمي وعندما جاءوا بالملف وتأكد أنه عبارة عن شائعات وتلفيق بتلفيق وعلى رأس هؤلاء الواشون كان فنان عراقي كبير رحل قبل أعوام قليلة.
* حصلت على جوائز كثيرة في إطار تكريمك المستمر من مختلف الفعاليات الثقافية العربية ولكن لفت نظري بينها جائزة زرياب الصغير وزرياب كما هو معروف أضاف وترا للعود، وأنت أضفت ثلاثة .. ما حجم الانجاز الذي قدمته ؟
ـ أنا أؤمن أن كل زمن له ناسه وقد يكون ما سمعناه عن زرياب أعظم مما نتخيل أو أقل مما نتخيل وكل ما علمناه عنه وصف بوصف، اليوم تحولت آلة العود لتكون آلة «كونسرت»..
كما لم يعد كما كان في السابق آلة طرب وغناء في الجلسات الضيقة، إنه الآن في مكان آخر وحيث يجب له أن يكون، العود قد يكون في حالة تضاد لما كان عليه الأمر أيام زرياب وربما زرياب حقق أكثر ما نعتقده ولكن العود آلة متحركة تحتمل الجديد الذي أنجزته عليها وربما يحتمل تجديدات أخرى في المستقبل يأتي بها أحد غيري.
* هل تدرس العود بأوتاره الثمانية لطلابك ؟
ـ إنه يحتاج إلى وقت وهم يلحون علي في هذا ولكن لا نستطيع أن نعطيه للطلاب دفعه واحدة..خوفي عليهم كبير من أن يحرقوا مراحل تطورهم بسرعة، لأن العود المثمن متاهة. ويحتاج الوقت إلى تدريب طويل وشاق.
* لو لم تكن موسيقياً هل كان للشعر مكان في حياتك؟
ـ كنت ستراني شاعراً ورساماً أيضاً، وأنا الآن أمارس هذين الشكلين الإبداعيين ولكن لنفسي ، أي لا أحب أن أطلع أحدا على إنتاجي رسميا لأن العود هو طريقي للعالم ..
* حينما تعزف بيد واحدة تدهش المشاهدين هل يكون هذا نوعاً من الاستعراض أم لإيصال رسالة أخرى؟
ـ مع نهاية الحرب العراقية شاهدت أحد أصدقائي الذين كانوا مولعين جدا إلى درجة العشق بآلة العود ، ولكن عاد من الحرب بيد واحدة وبعد هذا المشهد الذي أثر في تأثيرا كبيرا توقفت عن حفلاتي الموسيقية التي كنت أقوم بها كل شهر وبعد انقطاع لمدة أربعة أشهر تقريبا خرجت بهذه الطريقة في العزف
وقد تمكن صديقي وكل المعاقين الذين فقدوا أياديهم او أناملهم من العزف على آلة العود بثقة وأنا سعيد أنني وصلت إلى هذه الطريقة لان طريق الأمل مفروش دائماً بالورود في حال أراد الإنسان أن يحقق أمراً فلا شك انه سيتحقق بالطريقة التي يريدها أو بطرق أخرى.
دبي ـ جمال آدم