قال محللون اقتصاديون إن التوتر المتصاعد بين الدول الأوروبية المختلفة، بشأن المصالح الاقتصادية لكل منها يشكل اختبارا لموقف المستشارة الألمانية انجيلا ميركل، حول ترويج مبدأ حرية الأسواق داخل الاتحاد الذي يضم 25 دولة.
فعقب الصدام بين برلين وبروكسل خلال السنوات الأخيرة بسبب الإجراءات الحمائية التي تفرضها الحكومة لحماية الصناعة الألمانية، بدأت معركة جديدة تنسج خيوطها بين المفوضية الأوروبية وأكبر اقتصاديات القارة بشأن خدمة »في دي اس أل«، فائقة السرعة التي تقيمها عملاق الاتصالات الألمانية »دويتشة تيلكوم«.
وهددت المفوضية الأوروبية في وقت سابق الشهر الجاري باتخاذ الإجراءات القانونية ضد ألمانيا حال إصرارها على فرض إجراءات حمائية لصالح »دويتشة تيلكوم« ضد المنافسة في إطار جهود الشركة ومقرها برلين لتطوير النظام فائق السرعة.
واستغلت المستشارة الألمانية مناسبة افتتاح معرض »سيبيت« أكبر معارض الكمبيوتر والاتصالات في العالم والذي أقيم في مدينة هانوفر الألمانية في وقت سابق من هذا الشهر لتلقي بثقلها خلف شركة الاتصالات الألمانية.
وقالت ميركل التي أعدت حكومتها تشريعا جديدا لحماية »دويتشة تيلكوم«، وهي في سبيلها لتطوير شبكة الألياف البصرية والتي تبلغ تكلفتها حوالي ثلاثة ملايين يورو (3.6 ملايين دولار أميركي)، »سنفعل كل ما في وسعنا لنهيئ الظروف المناسبة لدويتشة تيلكوم«.
وفي مقابل هذه الحماية تعهدت »دويتشة تيلكوم« عند إتاحة خدمات الشبكة الجديدة أن تقيم خدمة »في دي اس أل« في أكبر المدن الألمانية.وصنف مسؤولو الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة »إجراءً حمائيا«.
وقال فيفيان ريدينج المفوضة المسؤولة عن مجتمع المعلومات في الاتحاد الأوروبي في اجتماع مع مسؤولين ألمان كبار في وقت سابق الشهر الجاري »إذا ما استمر التشريع على ما هو عليه فلن أتردد في اتخاذ الإجراءات ضد ألمانيا لحدوث خرق في هذا الشأن«.
وتحاول برلين الآن منع العاصفة القانونية ضدها حيث تقول إنها سترجئ تقديم التشريع الذي يتمتع بمساندة سياسية واسعة لوقت لاحق هذا العام.وثمة تعارض بين المساندة القوية التي تبديها المستشارة الألمانية للتشريع، وما عبرت عنه من مخاوف مؤخرا بشأن ما تتخذه دول أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي لتعضيد القطاعات الرئيسية وتوفير الحماية لها ضد عمليات الاستحواذ الأجنبية.
ويعقب ذلك دفع السلطات الفرنسية لدمج شركتين فرنسيتين حتى لا تقع إحداهما في يد ثالثة غير فرنسية.وسعى الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشارة الألمانية في مؤتمر صحافي الأسبوع الماضي إلى تبديد المزاعم بشأن وجود خلافات بين باريس وبرلين حول مسألة الاستثمارات الأجنبية.
ولكن ميركل مضت تقول«هذا متروك لظروف السوق. فنحن نحتاج الاستثمارات الأجنبية ونحتاج في الوقت ذاته للسوق الأوروبي الداخلي«.وكان وزير الاقتصاد والتكنولوجيا الألماني ميشائيل جلوس أكثر أمانة من ميركل عندما ذكر في مؤتمر أعمال دولي في وقت سابق هذا الشهر »لا نريد نزعة صناعية قومية«.
وقال إنه يجب فتح الأذرع والترحيب بالمستثمرين الأجانب، وأوضح أن عمليات الدمج الإجبارية والهجوم على الاستثمارات الأجنبية ليسا من آليات اقتصاد السوق.
ولم تتجنب ألمانيا »النزعة الاقتصادية القومية« في الماضي عندما كانت تشعر أن المصالح الاقتصادية للبلاد أو شركاتها الرائدة ربما تواجه تهديدا حتى وإن كان ذلك يعني صداما مع بروكسل.
فالاتحاد المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل والاتحاد الاشتراكي المسيحي، الذي تزعمه المستشار السابق غيرهارد شرودر دافعا بقوة عما أطلق عليه »قانون فولكسفاغن« في وجه الضغوط الهائلة من قبل المفوضية الأوروبية لإلغاء القانون الذي أثار جدلاً واسعاً. (وكالات)