يعتقد الكثير من المتفائلين بالأسواق المالية أن الصعود يجب أن يستمر من دون توقف ولا مكان للنزول مطلقا وعندما تمر الأسواق بمرحلة من الانخفاض يبدأ شحن الهمم بأن الارتداد قريب وأن هذا عارض صحي سينتهي فورا، فإذا لم يحدث الارتداد المنشود واستمر الانخفاض يبدأ اللوم وتوجيه التهم تارة لإدارة الأسواق وتارة للوسطاء.

وللإعلام والمحللين نصيبهم أيضا وهم يستحقونه لأن الجميع تناسى أن هناك فرقاً بين الحلم والواقع ووضع يده على نصف الحقيقة الايجابية في السوق وتجاهل النصف الآخر.

إن الأشياء بطبيعتها تمر في أطوار ومراحل، فقوانين الطبيعة هذه تنطبق على أسواق المال حيث تمر الأسواق بمراحل وأطوار تنمو وتكبر وتتشكل خلالها مفاهيم وقناعات وتنضج خبرات متعددة حولها، فإذا اعتبرنا البداية في نشأة السوق هي الشركات المساهمة نواة السوق ومادته الأساسية حيث لا تلبث هذه الشركات أن تتكاثر حول بعضها مثل الخلايا.

وتشهد أسهم خلال هذه المرحلة طلبا وإقبالا متزايدا وبعد اكتمال وجود الشركات داخل سوق المال وقد أدرج منها ما هو نشيط ومتحرك وما هو خامل لا حراك لأسهمه.

وبعد انتهاء هذه المرحلة من تدفق أكبر حجم من رؤوس الأموال إلى حلبة سوق المال واكتمال النصاب يبدأ تناقص اندفاع رؤوس الأموال الجديدة وينخفض تدفقها إلى السوق وعندها يبدأ شعور تلقائي لدى حاملي الأسهم أن هذا السعر كبير ومعقول ويكتفون بالربح الذي وصلوا إليه.

فيبدأ ذلك من أدرك هذه الحقيقة أولا ثم يتبعه عدد آخر بالانسحاب تدريجيا، حتى إذا وصلت حالة تدفق رأس المال الجديد إلى أدنى مستوياتها وجدنا أن من تبقى من ملاك الأسهم بالسعر المرتفع يعرضون بضاعتهم ولا مشتري.

أما من وضع أمواله في أسهم غير نشطة فهذا أصبح وضعه أصعب من غيره خاصة بعد انسحاب الكثير من رأس المال من الأسهم النشيطة وانخفاض قيمها وسيجد نفسه يعرض أسهمه.

ولا يجد من يطلبها، وهذه إحدى مضار وجود شركات يمكن تصنيفها على أنها من الصف الثاني أو الثالث داخل الأسواق على المدى الطويل حيث تمثل هذه الشركات طرقا فرعية غير سالكة في مسار السوق تجمد فيها الأموال إلى أجل غير مسمى.

وبعد إعادة التقييم الذاتي للأسواق وأسعارها والشركات تكون هناك حالة التوقف والحيرة من المستثمرين حيث ينجم عنها مراجعة شاملة فالكل يراجع أسلوبه وطريقته وتتشكل مفاهيم وتعريفات جديدة تتضح معالمها بوضع النقاط على الحروف في تعريف الفرق بين الاستثمار والمضاربة.

ولاشك أيضاً أن وجود هذه الأسواق خلال عشرات السنين قد أدى أيضاً إلى تطور ثقافة اجتماعية ومفاهيم تعرف الاختصاصات وتوضح معالمها بشكل يمنع التداخل والانتقال العشوائي بين الاستثمار طويل الأمد والمضاربة اليومية وبين التفرغ لهذا العمل واتخاذه مهنة .

ومصدراً للدخل الأساسي أو أن يكون استثمارا أضافيا يؤدي إلى نسبة منطقية من الأرباح، وباتت هناك قناعة واقعية أن السوق ليس مكانا لتحقيق الربح السهل وإنما يمكن للربح أن يأتي بناء على تخطيط وإدارة سليمة للأموال.

aymansaif@yahoo.com

مستشار مالي