يُعرض حالياً في صالات السينما في دولة الإمارات فيلم «جسر الملك سان لويس» بطولة النجم العالمي روبرت دي نيرو وإخراج ماري ماك جوجن، وهو النسخة الثالثة لرائعة الكاتب المسرحي ثورنتون وايلدر، ويؤدي أدوار البطولة فيه إلى جانب دي نيرو مجموعة من النجوم أبرزهم: كاثي بيتس، و غابرييل برني، وموري إبراهام.

ورغم أن الفيلم أنتج عام 2004، إلا أنه يعرض بعد سنتين لأسباب غير معروفة، وتدور أحداثه حول مصرع خمسة أشخاص بعد انهيار جسر «الملك سان لويس» في بيرو في القرن الثامن عشر، حين كانت أسبانيا تسيطر بالكامل على تلك الدولة اللاتينية والمناطق المجاورة.

تبدأ أحداث الفيلم بمشاهد من القدّاس الجنائزي الذي يُقام على أرواح أبطال القصة الخمسة الذين قضوا في انهيار جسر «الملك سان لويس»، ويظهر رئيس الأساقفة «روبرت دي نيرو» وهو يتحدث عن سخط الله وغضبه على بعض الأرواح البشرية للذنوب التي يقترفها الناس، ثم تنتقل المشاهد لرئيس الأساقفة وهو يجادل الكاهن «جونيبر» (يلعب شخصيته الممثل غابرييل برني)، ويقدمه للاستجواب في إحدى محاكم التفتيش ـ السيئة الصيت ـ في عاصمة بيرو حول ما أسماه هرطقته وتجديفه على الذات الإلهية في تحقيق الكاهن الذي استمر 6 سنوات حول ضحايا الجسر، والذي خرج فيه بنتيجة مفادها أن لا مجال للصدفة في تلاقي هؤلاء الضحايا في وقت واحد، وأن الأمر يعدو كونه حادثاً قدرياً.

اعتمدت المخرجة على مدى أحداث الفيلم الطريقة المعكوسة في التراتب الزمني للأحداث، حيث بدأت من النهاية لتقدم للمشاهد عن طريق سرد الكاهن «جونيبر» في محكمة التفتيش الكنسية حكاية الضحايا الخمسة وخيوط التلاقي بينهم، فتسرد حكاية الماركيزة «دونا ماريا» (تلعب شخصيتها الممثلة كاثي بيتس) التي تظهر بشكل ثرية محبطة ومدمنة على تعاطي الكحول، بسبب وحدتها وآرائها المتطرفة تجاه الإيمان بالغيب ،بعد فراقها لابنتها الكونتيسة التي ترحل من بيرو لتتزوج بأحد أبناء الأسرة المالكة الأسبانية في مدريد.

ثم تظهر شخصية العم «بيو» (يلعب الشخصية الممثل هارفي كيتيل) الذي يرعى إحدى أشهر ممثلات بيرو «بيرتشولي»(تلعب شخصيتها الممثلة بيلار لوبيز)، ويقدمها من خلال مسرحياته إلى الجمهور، فيقع نائب ملك أسبانيا( حاكم بيرو) في غرام الممثلة الشابة ويتخذها عشيقة له، ويرزق منها بطفل؛ وتشاء الأقدار أن تصاب الممثلة «بيرتشولي» بوباء الجدري وتؤثر اعتزال الفن والاعتزال مع طفلها في قرية نائية بعد أن فقدت جمالها، الشيء الوحيد الذي كانت تملكه.

وتأتي ساعة اللقاء في منطقة الجسر، وتتقدم الماركيزة يتبعها العم «بيو» حاملاً معه طفل الممثلة «بيرتشولي»، والخادم «استيبان» الذي كان يخدم في إحدى الكنائس والقبطان البحري «بيبتا» الذي كانت له قصص كثيرة مع الموت، فينهار الجسر وتبدأ معه تحقيقات الكاهن «جونيبر» الذي يخلص إلى نتيجة الحكمة من هذا الموت .وتستمر أحداث الفيلم حتى الحكم عليه من قبل المحكمة بإحراقه وكتبه التي ألفها عن الحادث، لتطلق إحدى الراهبات كلمة تدل على فلسفة الحكاية: «هناك أرض للأموات وأخرى للأحياء، والجسر هو الحب الذي يجمع بين الأرضين».

ولم يظهر دي نيرو نجم «المافيا» الإيطالية الذي اشتهر في أدائه أدوار الشر والجريمة؛ مختلفاً هذه المرة إلا من خلال العنوان الذي ظهر به. فهو في أفلامه السابقة كان زعيم «مافيا»، لكن «مافيا ـ دي نيرو» هذه المرة كانت عبارة عن رئاسته لأسقفية تتمتع بنفوذ مقيت على حساب العلم والحرية التي تسعى البشرية لنيلها.

ويبدو أن دي نيرو في هذا الفيلم استعاد إرثه من أدائه المسرحي الذي كان يزاوله في مطاعم وصالات نيويورك الصغيرة والتي سبقت دخوله عالم السينما، أي قبل حصوله على جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد في عام 1973عن فيلم «العرّاب» لعملاق السينما المخرج فرنسيس فورد كوبولا، وكانت تلك فترته الذهبية في أفلام مثل: «سائق التاكسي»، و«الثور الهائج»، وعدة أفلام إلى أن بدأ مستواه الفني بالهبوط طيلة ثمانينات القرن الماضي، ثم عاد مرة أخرى ليؤدي بعض الأدوار القوية مع روبن ويليامز و آل باتشينو و مارلون براندو وبعض الأدوار الكوميدية التي حاز عنها عشرات الجوائز.

لم يوفق روبرت دي نيرو باختياره رواية وايلدر «جسر سان لويس راي» إذ ان الأداء المسرحي الغالب على الفيلم، أخرج الرواية من دائرة الفن السابع لتغوص بعيداً في أجواء المسرح، وهذا الفيلم جاء خلافاً للصورة الرائعة التي ظهر بها آل باتشينو في فيلم «تاجر البندقية» قصة الكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير، حيث استطاع فريق العمل والمخرج وبطل الفيلم الخروج من النمط المسرحي للرواية وتحويلها إلى فيلم سينمائي متكامل لجهة الشروط الفنية والأداء، وهو ما لم يوفق به دي نيرو لكونه المنتج الذي يتحكم بمجمل عناصر الفيلم، وليته أبقى على النص المسرحي كما هو ولم يحاول التجريب عليه سينمائياً.

لقد استطاع عشرات المخرجين أن ينجزوا كتابات ثورنتون وايلدر المسرحية سينمائياً ويحصدوا عنها عشرات الجوائز، بل أن وايلدر نفسه حاز على أول جائزة «بوليتزر» في حياته عن رواية «جسر سان لويس راي» التي صدرت عام 1927. واستطاع المخرج إيلي كازان أن ينطلق في الشهرة من خلال مسرحية أخرى للكاتب نفسه بعنوان «جلد أسناننا» عام 1942 التي حاز عنها «كازان» جائزة النقاد في نيويورك، إضافة لعدة روايات أخرى استفاد منها مخرجو السينما في هوليوود، وحولوها إلى أفلام ناجحة، ومع ذلك فإن دي نيرو قد جازف بصورة غير مسبوقة في إنتاج هذا الفيلم، وربما سيكون عليها في الأشهر والسنوات المقبلة البحث عن طريقة للعودة للشاشة البيضاء من خلال عمل يعيد إليه بريقه.

ربما يُفهم من كلامنا أن الفيلم فاشل من ناحية التقنيات كالصوت أو التصوير أو المؤثرات الأخرى وحركة الكاميرا، لكن الأكيد أنه لم يفشل من هذه الناحية؛ بل انه أخفق في إخراج الرواية من قمقمها المسرحي وتقديمها في شكل فني يناسب السينما. وربما نكون مخطئين في حكمنا هذا، ولكن العمل لو قدم بالصورة ذاتها للمشاهد على أنه عمل مسرحي، فلا شك أنه سيكون من أجمل الأعمال المسرحية التي يمكن للمرء مشاهدتها في القرن الحادي والعشرين.

وختاماً، ثمة جملة للكاتب ثورنتون وايلدر من روايته «جسر الملك سان لويس»، لعلها تستطيع التعبير أفضل من الفيلم عن الرواية: نحن أيضاً نحب لفترة ما، ثم يطوينا النسيان، ولكن يظل الحب في اكتفاء تلك النبضات الدافقة من الحب، يرجع الفضل فيها لصانعها الحب، حتى ان الذاكرة والذكريات ليست ضرورة للحب، وهناك أرض للأحياء وأخرى للأموات، وبينهما «هوّة» يستحيل عبورها إلا فوق جسر الحب، كل شيء يزول؛ إلا المعنى وحده، فهو يمكث في الأرض.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري: