هناك الكثير من «الرياضة» في مسيرة شركة «استثمار». فقد تأسست هذه الشركة قبل سنتين فقط، بمهمة اقتناص الفرص الاستثمارية في الأسواق العالمية وربطها، بطريقة أو أخرى، بدبي،.

وتمكنت من تنفيذ 35 مشروعاً حتى اليوم. انه النشاط إذاً، بالدرجة الأولى. ولكن الأهم، هي تلك الاستراتيجية الآخذة «استثمار» باتباعها، في كل مرة تستعد فيها لإتمام صفقة جديدة.

وهي استراتيجية «الضرب بوزن أكبر». الرياضيون يعرفون تماما ما تعنيه تلك العبارة، أي أن يضرب الملاكم بقوة تفوق ما يؤهله وزنه الفعلي للقيام به، وهو ما تفعله الشركة الإماراتية تحديداً.

الحكمة، ضبط النفس، التحكم بالانفعالات، أخذ الحيطة والحذر والنفس الطويل هي صفات أخرى، تمتاز بها العقلية الاستثمارية «الرياضية» لتلك الشركة. هل يجب علينا أن نغفل هنا أن رئيسها التنفيذي أيضا هو رياضي من الدرجة الأولى؟

فمنير طرموم يحمل الكثير من شهادات الخبرة العالمية في مجال استشارات إتمام الصفقات الكبرى، لكنه يحمل، في يد أخرى، عدداً من شهادات وجوائز الركض وتسلّق الجبال، وهو يقول أنّ إتمام بعض الصفقات الاستثمارية يحتاج إلى نفس أطول من الوصول إلى قمة جبال كليمانجارو، التي تسلّقها حقيقة!

اختصرت «استثمار» الزمن، وهي اليوم تقف بكعب عال لكي تقارع الشركات التي لها باع يعود إلى عشرات السنوات في مجال البحث عن الفرص الاستثمارية المجدية في الأسواق العالمية.

مشروعها الأخير الذي أعلنت عنه ويقضي بإنشاء محفظة عقارية عالمية بقيمة نصف مليار درهم تختص بجذب مجموعة من رجال الأعمال المهتمين بالاستثمار في السوق العقاري العالمي، ليس سوى مؤشر بسيط عن التطوّر الذي طرأ على عقلية الشركة وآلية عملها.

فالمحفظة منشأة بصيغة الشراكة بين الشركة الإماراتية وشركة أميركية والمستثمرين المساهمين، وهذا يعني أنّ «استثمار» تستعد، بطريقة عقد الشراكات المجدية، إلى اقتحام ساحات الكبار و«الضرب بوزن أكبر». ولا يمانع الرئيس التنفيذي في الكشف عن ملامح لتلك العقلية.

وحين سؤاله عن إمكانية أن تمد الشركة يدها إلى شركات إماراتية أو خليجية (منها سعودية) عاملة في المجال ذاته، من أجل تشكيل وزن قوي يتمكن من الفوز بصفقات معينة، يجيب طرموم بأنّ «لا مشكلة لدينا في مسألة الشراكات، بشرط أن نتوافق على الأهداف والرؤية».

يتحلى مفاوضو «استثمار» بدرجة عالية من ضبط النفس، والحفاظ على المعايير (ستاندر) التي لا تزيح عنها الشركة حين الاقتراب من العروض التي تتقدم بها للطرف الآخر، حتى لو اضطرها ذلك إلى خسارة المشروع بأكمله.

«ضبط النفس والالتزام بالمعايير ضروري جدا في عملنا»، يشدد طرموم: «الموزانة محسوبة بدقة والشركة لا تتهوّر في اختيار مشاريع الصفقات، كما انها تحسب، بعد جهد هائل ودقيق من الاستقصاء والدراسات والتشاورات، حجم الحصة الاستثمارية في أي من الفرص التي تضعها في مرماها».

وإذا كانت «استثمار» توصف ب«الذراع العالمي للمؤسسة» (تضم أيضا نخيل ومركز دبي للمعادن والسلع وتجاري)، فإنها ذاتها تتحرك بثلاثة أذرع تجعلها قادرة على الوصول إلى الأسواق المتطورة (أوروبا والولايات المتحدة الأميركية) والناشئة (الهند والصين وأوروبا الشرقية).

الأذرع الثلاثة، التي هي أيضا بمثابة الركائز الرئيسية للتفكير الاستراتيجي للشركة، هي: توخي العائد الأفضل للمستثمرين، تفادي المجازفات والمخاطرات، وتوخي السمعة الجيدة للشركات التي يتم الاستثمار فيها.

توخي عائد 20%

وتحدد «استثمار» العائد المرغوب من وراء أي مشروع تنفذه، بضرورة تحصيل 20% من الأرباح للمستثمرين. وتنوّع في خططها بين الدخول إلى الأسواق العالمية، أو فتح قناة بين تلك الأسواق والسوق المحلي. وتتوخى هذا العائد في أربعة قطاعات رئيسية هي: العقارات والاستهلاك والصناعة والخدمات المالية.

وتندرج تحت مظلة الاستهلاك قطاعات محددة من قبيل التجزئة والإعلام والرعاية الصحية: قطاع الرعاية الصحية تحديداً هو من القطاعات الحيوية بالنسبة لنا».

ومؤخرا نفذّت الشركة مشروعا مشتركا مع شركة بمرونجراد العالمية المحدودة (BIL)International Limited Bumrungrad المعروفة في القارة الآسيوية في قطاع الرعاية الصحية، يقضي بإنشاء أول مستشفى لها في المنطقة في دبي.

وتستقطب المستشفى مليون مريض سنوياً من ضمنهم 360 ألف مريض من 140 بلداً في مختلف أنحاء العالم، 50 ألفاً منهم من منطقة الشرق الأوسط.

لذلك وجدت «استثمار» فرصة مثالية لجرّ رجل أولئك المرضى إلى دبي، بدل حزم حقائب السفر والانتقال إلى تايلند. وفي المقابل، استثمرت الشركة ما قيمته 50 مليون دولار في الشركة الأم التي تعمل تحت مظلتها مستشفى بمرونجراد.

وردا على سؤال حول دور محتمل ل«استثمار» في تنشيط قطاع الرعاية الصحية بدبي، وهو القطاع الذي يعتبر خبراء أنه دون مستوى جودة قطاعات الخدمات الأخرى عالية المستوى، يصف طرموم دبي بأنها مدينة تتوسع بسرعة وتزيد كثافتها السكانية، لذلك من المنطقي أن يزيد الاهتمام بقطاعات حيوية مثل قطاع الرعاية الصحية.

ولا تعتبر بمرونجراد الشركة الوحيدة على لائحة «استثمار» التي لها نشاط تجاري مسبق مرتبط بمنطقة الخليج والشرق الأوسط، فشركة «إنش كيب» العالمية المتخصصة بالخدمات البحرية، اشترتها «استثمار» كاملة بمبلغ 282 مليون دولار.

بعد أن اكتشفت أنّ 35% من أرباح الشركة يأتي أصلاً من منطقة الخليج، التي تتواجد فيها منذ العام 1862: «لا نبحث عن شركات لها ارتباط بمنطقتنا، ليس بالضرورة، بل أي شركة في أي مكان، يحقق الاستثمار فيها أهدافنا».

تفادي المجازفات

حين قررت «استثمار» اقتحام سوق الطيران الهندي، صوّبت بحرص نحو الهدف واختارت قطاع الطيران «مخفّض التكاليف» (لو كوست)، باعتباره مرشحاً لنمو كبير في السنوات المقبلة.

ويستهدف هذا القطاع الطبقة الهندية المتوسطة (دخل 3 آلاف دولار) والتي ستنمو بمعدل أربعة أضعاف، في ظل الدعم الحكومي لهذا القطاع إضافة إلى تحرير السوق أمام القطاع الخاص.

وتملك الشركة الإماراتية 10% من حصة «سبيس جت»، إلا أن تلك الحصة، وإن بدت متواضعة، تخوّل «استثمار» في التدخل في سياسات استراتيجية للشركة، كالقرارات الإدارية بشأن توسيع الأسطول وزيادة الوجهات وشراء الطائرات والتسليف والقروض.

يقول طرموم: «ليس من الضروري أن نمتلك حصة كبيرة في الشركات التي نستثمر فيها كي يكون لنا الحق في المشاركة بالقرارات الاستراتيجية، فنحن نشترط من البداية أن يكون لنا المقدرة على لعب هذا الدور».

وينبع الحرص على إمكانية لعب هذا الدور من ضمان تفادي المجازفات واستثمار المال في أماكن قد تسير على سكك مختلفة لا ترغب الشركة بالخوض فيها. وقد تم اختيار «سبيس جت» بعد دراسات وافية تناولت 30 شركة طيران هندية، ثم تم حصر الهدف بثلاث شركات في النهاية:

«واحدة لم تكن معروضة للبيع، وأخرى طلبت أكثر مما عرضنا والثالثة كانت سبيس جت». ويعكس الاستثمار في هذه الأخيرة صورة واضحة عن سياسة «تفادي المجازفات» التي تتبعها الشركة، إذ تشير تقارير الخبراء أن «سبيس جت».

هي شركة الطيران الهندي مخفض التكاليف الوحيدة التي لم تغرق في مشاكل المديونية تجاه الحكومة، إذ أن أعمالها تنمو بمعدل 36%، وهو رقم ملفت مقارنة مع معدل النمو العام للقطاع والذي يصل إلى 67%.

وتتفادى الشركة أيضا سياسة شراء شركات على شفير الافلاس واعادة هيكلتها، وتعتبر أن سياسة «تغيير الاتجاه» ليس من اهتماماتها في الوقت الحاضر أو المستقبل: «فتلك عملية معقدة تحتاج إلى كثير من الضمانات، كم الوقت».

ولا يعتبر طرموم أنّ الدخول إلى الأسواق الناشئة يحتمل المجازفة، ويقول: «لقد تبدلت الصورة، فالصين والهند وأوروبا الشرقية هي الأسواق الأكثر نموا وجذبا للاستثمارات وليست الأسواق المتطورة مثل أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فنموها أقل من الناشئة بضعفين».

وتستعد الشركة للإعلان عن صفقات قريبة في السوق الصيني في مجال الخدمات المالية. وعن سبب اختيار هذا القطاع تحديدا، يشرح طرموم أن المواطن الصيني يبحث اليوم عن فرص لاستثمار ادخاراته فيها، في ظل تردي ثقته بالحلول المقدمة من قبل الجهات الرسمية.

ومعروف عن الصيني أنه يدخر 40% من دخله، وتريد «استثمار» الاستفادة من هذا الوضع عبر تأمين خدمات استثمارية في الصين: «بلغت بعض صفقاتنا في الصين مراحل متقدمة من العمل الجدي، وبعضها الآخر لا يزال في طور البحث».

وينسحب الأمر عينه على صفقات أخرى في الهند، «حيث القطاع المصرفي هو الأكثر جاذبية اليوم، والاقتصاد ينمو بمعدل 5,9% سنويا، في ظل معدلات الطلب المتنامية على قطاع الطاقة والماء والكهرباء». ويتكرر الأمر بالنسبة إلى أسواق أوروبا الشرقية، التي أدى تحول أنظمتها من الاشتراكية إلى الليبرالية إلى زيادة الطلب على الخدمات المالية.

ويرى طرموم أن هناك فرصاً استثمارية جذابة في تلك الأسواق من أجل شراء المصارف أو الاستثمار في شركات التأمين، «لأن الناس هناك لا يثقون في حكوماتهم لكي يحصلوا منها على تعويضات وافية لنهاية الخدمة».

وبالرغم من ذلك، فللشركة أموال مستثمرة في السوقين الأميركي والأوروبي، ولا يعتقد الرئيس التنفيذي ل«استثمار» أن المال العربي يواجه صعوبة في التدفق إلى الأسواق الغربية، في ظل اتفاقيات تحرير الأسواق وخطط العولمة. لكن، ألا تعكس حالة «بي أند أو» غير ذلك؟ لا يهوى طرموم الخوض في تفاصيل هذا الملف:

«استثمار هي شركة شقيقة لنخيل وإحدى شركات المؤسسة، ولا دخل لنا بصفقة الموانئ». لكنه يقول من جهة أخرى إن الاستثمار «يشمل نواحي تقنية وسياسية ومالية، ويجب أن يتم توقع كل شيء ودراسة كل الاحتمالات».

«دبي ـ خاص «البيان الاقتصادي»: