في الظاهر، يحيط بنا التعقيد. فالمدينة العربيّة الحديثة مليئة بالتعقيدات. المباني معقّدة.الأنظمة البيئيّة والمحيط الحيويّ أكثر تعقيداً.أنظمة الكمبيوتر وشبكاته وبرامجه معقّدة أشدّ تعقيداً.

وبالتالي من الطبيعيّ التوقّع بأن يكون لنا نظريّة عن التعقيد، أن يكون لنا طريقة فعّالة وحسّاسة في التفكير حول أفضل السبل لخلق التعقيد. ونظراً إلى الحاجة التي تزداد يوماً بعد يوم، تلك الحاجة إلى خلق هيكليّات معقّدة ناجحة حولنا، قد يتوقّع المرء بأنّنا سألنا أنفسنا على الأقلّ كيف يمكن، بشكل عامّ، أن تصبح هيكليّة معقّدة ذات شكل حسن.

وكان الأجدر بنا، منذ زمن طويل، أن نطرح السؤال الأساسيّ التالي على أنفسنا: هل الطريقة التي نرى بها التصميم، التخطيط والبناء - في المجالات كلّها، الأنظمة البيئيّة، والمباني ـ هي الطريقة الصحيحة لإنتاج ما يكفي من التعقيد، وهل لما نقوم به فرصة للنجاح؟

أمّا الجواب فهو أنّه يتوفّر قانون أساسيّ بشأن خلق التعقيدات وهو قانون واضح وبيّن للجميع ـ غير أنّ هذا القانون، عن قصد وتصميم، متجاهل 99% في عمليّات البناء اليوميّة في المجتمع.

وهذا القانون ينصّ على أن كلّ الأنظمة المعقّدة الحسنة التنظيم التي نعرفها في هذا العالم، أو كلّ تلك التي نراها فائقة النجاح، ما هي إلاّ هيكليّات مُوَلَّدَة لا مصنّعة. فدماغ الإنسان، وهو الشبكة العصبيّة الأكثر تعقيداً، كما كلّ الشبكات العصبيّة الأخرى، هو دماغ مولَّد لم يتمّ جمعه أو تصنيعه.

وغابات الأمازون مولَّدة لا مصنّعة .والنمر، ذلك المخلوق الجميل، مُولَّد لا مصنّع.عندما نوقد ناراً تحرق بالفعل، فإنّما نُولِّد هيكليّتها عبر وضع بضعة جذوع، بشكل استراتيجيّ، لخلق تيّارات هوائيّة، وأشعّة بين الجذوات المشتعلة، بما يسمح لهيكليّة النار أن تخلق نفسها بنفسها.

ولعلّ الموسيقى، من بين كلّ الأشياء الأخرى، مولَّدة حتّى وإن حفّزتها علامات موسيقيّة .وكلّ ذلك يصحّ أيضاً على المباني وعلى مجتمعاتنا. بتعابير أوسع، تكون الهيكليّة المولَّدة تلك التي يكمن فيها تعقيد عميق معيّن وقد تمّ خلقها بطريقة كأنّها بيولوجيّة وتبلغ مستويات من الهيكليّة المصقولة أعمق من تلك التي نربطها عادة بالتصميم أو بالأشياء المصمّمة.

ففي هيكليّة مولَّدة، أكثر ما يشعر المرء به، وبشكل غريزيّ، أنّها أكثر تعقيداً وأكثر صقلاً من أيّ شيء يمكن تصميمه أو صنعه . ومفهوم التعبير »مولَّد» ليس مباشراً كما يبدو إن نظرنا إلى هندسة خريطة. وعلى سبيل المثال، ظنّ المهندسون على مدى عقدين أو ثلاثة أنّهم يستطيعون، بطرق مختلفة، أن يحفّزوا الجمال والهيكليّات الحيّة فيحقّقون، بعملهم هذا، التنوّع والجمال.

ولكنّ دلالة الهيكليّة المولَّدة تكمن في مفهوم الأخطاء .فدائماً ما تحتوي الرسوم المصنّعة على الكثير من الأخطاء ـ ولا أعني بضعة أخطاء بل عشرات الآلاف، بل حتّى الملايين منها. فلو أخذ الجنين شكله عبر التصنيع ولم يكن مولَّداً لَكثُر عدد الأخطاء بشكل لا يُعقَل. فالجنين البشريّ يُخلَق عبر خلايا تتضاعف 50 مرّة.

فيبدأ بخلية واحدة (وهي البويضة الملقّحة) تصبح بعد مضاعفتها خمسين مرّة 250 خلية .وخلال عمليّة المضاعفة هذه التي تحدث 50 مرّة، يكون لكلّ خلية الفرصة لتكيّف ذاتها، وإزالة الأخطاء الممكنة عبر التمركز، التكييف، الدفع والسحب.

فيكون العدد الإجماليّ لفرص التصحيح عندئذ في الجنين الناميّ : (1+2+2+22+23+ 250) = 251 لنعكس الحجّة.

يمكننا أن نعبّر عن ذلك بالقول إنّ جمع خلايا الجنين، إن لم تُمنَح فرصة التكييف بل تمّ القيام بها، بدلاً من ذلك، عبر التصميم أو التصنيع، كان ليتضمّن بشكل نموذجيّ 251 خطأ ـ وهو رقم كبير جدًّا، أي ما يقارب 1015 ،أو ألف تريليون خطأ محتمل. ذلك هو ما كان ليحصل لو تمّ تصميم جنين أو بناؤه .فلو بني جنين وفق خريطة بناء، ولم تولّده عمليّة تكييفيّة، لَحدث ألف تريليون خطأ.

ولكن، نظراً إلى أنّه هيكليّة مولَّدة، وفق تاريخه، لم يحدث أيّ خطأ... نظرياً. أمّا في الهندسة فمسؤوليّتنا أسهل بكثير :وهي بناء المجتمعات. ومع ذلك، لم ننجح حتى الآن، نظرياً أو تطبيقياً، في إنتاج بيئة خالية من الأخطاء، لأنّ ذلك يتطلّب ببساطة:تغييرات عميقة ـ بل عميقة كثيراً ـ في الأذهان والإجراءات.

Zena@arabianconcept.com