ساهمت استوديوهات هوليوود على الدوام في سياسة تصوّر المعتدى عليه بأنه متخلِّف ويستحق أن يسحقه البطل الأميركي القوي الشجاع الخيِّر مقابل الشرير الساذج والكريه. فاخترعوا أبطالاً يجوبون العالم من ألمانيا إلى اليابان وكوريا وفيتنام وبيروت وعدن وسواها من مدن العالم، يقف فيها «رامبو» وغيره من مواطنيه لا يهتز لهم جفن حين يقتل الأشرار بالعشرات والمئات، ولا تفرغ بندقيته من الرصاص، في مشاهد حرب تدّعي الذكاء والنظافة، وهي على العكس تماماً. ففضائح قتل الأبرياء في كل هذه الحروب الأميركية على نصف كوكب الأرض تقريباً، كانت ولا تزال بشعة وكريهة، وتدل على مشكلات نفسية للجندي الأميركي الذي يعشق إذلال الآخر، بأساليب لم تمارسها حتى النازية الوحشية.
بعد احتلال أميركا للعراق، وما نتج عنه من مآسٍ لا تُعد ولا تُحصى، قامت مجموعة من قوات المارينز بتوقيف 11 ضابطاً تركياً في مدينة السلمانية في شمال العراق، وقاموا بإذلالهم بشكل متعمّد، ووضعوا لهم أكياس الخيش في رؤوسهم، على شاكلة فضيحة التصرفات بحق مساجين سجن أبوغريب في بغداد، مما استدعى توتراً في العلاقات التركية ـ الأميركية على المستوى الرسمي، واعتبر الكثير من الأتراك أن ما حدث ليس سوى إهانة للأمة التركية، ومحاولة لتركيع الذات التركية التي لم تسمح لقوات الغزو بأن تستخدم أراضيها لهذا الغرض.
فتعالت الأصوات داخل تركيا مطالبة بالثأر للكرامة التركية التي انتُهكت، ولم تتقبل الاعتذار. إلى أن خطر ببال المخرج التركي سرادار اكار مع كاتبي السيناريو راجي شاماس وبهادير اوزدنر بإنتاج فيلم سينمائي على خلفية هذه الحادثة. وبالفعل قاموا معاً بإيجاد شركاء إنتاج من كندا وتركيا وحققوا حلمهم تحت عنوان «وادي الذئاب».
يبدأ الفيلم من هذه الحادثة التي أوردناها، ومن ثم ينتقل إلى مشهد لانتحار ضابط تركي ممن اعتُقلوا بعد أن يقبِّل علم بلاده، ويسلِّم الراية إلى جندي آخر هو الممثل التركي المشهور نجاتي شاشناز، الذي يطارد عدوّه الأميركي «سام» على طوال الفيلم حتى يتسنى له قتله في النهاية انتقاماً للكرامة الوطنية.
ويتضمن الفيلم مشاهد كثيرة عن الفظاعات الأميركية في العراق، مثل قتل مجموعة من الأطفال أمام أمهاتهم، ومدنيين أبرياء في حفل عرس، وإلقاء قنبلة على مصلين خلال صلاة العشاء، وانتهاكات حقوق الإنسان في سجن أبوغريب، وقيام مجنّد يهودي ـ أميركي يعمل طبيباً في الجيش على استئصال أعضاء من أجساد عراقيين وهم أحياء في سبيل بيعها في تل أبيب ونيويورك ولندن، وأعمال قتل كثيرة يقوم بها الجنود الأميركيون للمتعة فقط بمشاهدة الضحايا وهم يتعذبون.
والفيلم يقدم تحية للمقاومة العراقية ولعملياتها الفدائية، ويجسِّدها رمزياً الشيخ عبدالرحمن الكركوكي الذي يرحِّب بالمهجَّرين العراقيين من منازلهم داخل داره، والذي ينقذ أحد جنود المارينز من خاطفيه ويمنعهم من قتله، لكن هذا لا يشفع له من أن يعتبره الاحتلال إرهابياً. يجسِّد دوره الممثل السوري الفذ غسان مسعود الذي لعب دور القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي في فيلم «مملكة السماء» للمخرج الإنجليزي ريدلي سكوت.
صوّر «وادي الذئاب» بأساليب التقنية الأميركية من حيث تصميم المعارك المعتمدة على الإبهار البصري. وبلغت تكلفته 12 مليون دولار، وهو رقم مضاعف عشرات المرات عن إنتاج أي فيلم تركي في تاريخ السينما التركية، التي لم تسجل إنتاجاً تجاوز المليون دولار على الأكثر. وبدأ عرض الشريط منذ بداية الشهر الحالي في أكثر من 500 صالة داخل تركيا، وشاهده الملايين من الأتراك الذين أحبّوه واعتبروه ثأراً لكرامتهم، خصوصاً أن الجندي التركي بدا كمحرِّر للعالم الإسلامي وللعراق من هيمنة وطغيان الولايات المتحدة.
وتعرَّض «وادي الذئاب» لحملة إعلامية مناهضة وواسعة خلال عرضه في بعض الدول الأوروبية وفي طليعتها ألمانيا التي استفز فيها كل التجمعات اليهودية واعتبرت الشريط معادياً لـ «السامية»، كونه صوّر السلوك المشين للطبيب اليهودي. ولم يكتف الأمر على اليهود، بل إن حاكم ولاية في جنوب ألمانيا منع عرض الفيلم، وما لبث أن تراجع بعد أن تحركت الجاليات الإسلامية الكبيرة في ألمانيا لعدم منعه. واعتبره بعض النقاد الألمان يقوِّي نزعة التطرُّف عند الجاليات المسلمة في الغرب عموماً.
وعلى عكسهم رأي آخرون أن الفيلم عرض للأحداث الحقيقية لما يقوم به الاحتلال في العراق، وقال فيلاري هيوسمين الناقد الفني المعروف في ألمانيا إن الفيلم يسقي الأميركيين في السينما من الكأس ذاتها التي أسقوا منها العالم في الواقع من خلال جيوشهم، وفي أفلامهم التي زوَّرت الحقائق على طوال عقود. يُذكر أن زوجة رئيس الوزراء التركي قامت بتهنئة صنَّاع «وادي الذئاب» على عملهم بشكل رسمي. فالسينما هنا وجهة نظر، ووسيلة ثأر عبرها الأتراك من الأميركيين.
الفيلم سيبدأ عرضه في الصالات المحلية مطلع الشهر المقبل.
حسين قطايا:

