في وقت تتسارع فيه خطى التجارة العالمية، وفي ظل انتشار العولمة الواسع،، فإن ثمة مفارقة عجيبة، تمس الأسواق الحرة في الصميم، ألا وهي التدخل الحكومي المتزايد في الصفقات، وكما يقول محللون، فإن ثمة مضاعفات خطيرة لذلك، قد تصيب تداعياتها الاقتصاد في مقتل.
وكانت الجهود التي بذلتها الحكومات الأوروبية المتعددة، لإيفاد الأجانب خارج حدودها، أتت ثمارها، إلا ان التدخلات في أماكن أخرى كانت أكثر استساغة على غرار ما فعلته الحكومة الأميركية عندما أقرت صفقة استحواذ موانىء دبي العالمية للشركة البريطانية »بفنسيولار أند أورينتال ستيم نافينجيشن« التي تدير بعضاً من الموانىء الأميركية.
وكما أبدى المسؤولون البريطانيون استياءهم عندما وضعت عملاق الغاز الروسي غاز بروم، نصب أعينها شركة الغاز البريطانية سنتريكا، هدفاً استحواذياً محتملاً.
لقد ساهمت العولمة في الأسواق العالمية، في خفض حواجز العبور، غير ان التكاليف المحتملة. وتعريض الوظائف للخطر، على سبيل المثال لا الحصر، أفرزت بيئة خصبة لدهاقنة السياسة لدس أنوفهم، وبناء بطولات وأمجاد لدفة الاستحواذات الأجنبية.
وحسبما يقول محللون إن الحكومات أخذت في توظيف أنفسها كأكبر نصير وحليف، لأهداف استحواذية في حروب العصر التجارية، وفي هذا السياق، قال لورينزو كوندوغنو، الاقتصادي في بانك أوف أميركا ـــ في لندن، إن »سياسة الحمائية تبقى التهديد الأكبر للنمو العالمي«.
وتابع إن هناك أعداداً متزايدة من البلدان، التي تشعر بضيق متزايد من الضغوط التنافسية القادمة من آسيا وتراخي الصناعة المحلية، مشيراً إلى وجود توترات سياسية واجتماعية متنامية تكتنف هذا السلوك.
ومن جهته قال مايكل ماركس، رئيس مجلس إدارة نيو سمت كابيتال بارتنرز، والرئيس التنفيذي السابق لعمليات ميريل لينش السابق في أوروبا »لا شك ان الحكومات باتت أكثر حمائية«.
وقال اقتصاديون وخبراء في صنع الصفقات، إن زيادة جرعة المواقف الحمائية، تعود في جذورها جزئياً إلى النجاح الذي حققته العولمة، والغنى الفاحش الذي تشهده بعض بلدان الأسواق الناشئة.
وعلى الصعيد ذاته، قال جوليان فرانكس، أستاذ التمويل في كلية اقتصاد لندن، »إن الصفقات الآنية غير مهمة« مشيراً إلى »أن السيل الجارف، وحجم موجة الشركات الزاحفة« لتنفيذ الصفقات خارج حدودها، هو الذي يحض الحكومات على التصرف.
وكانت الشركات على النطاق العالمي، أعلنت خلال الشهور الاثني عشر الماضية، أنها نفذت صفقات بقيمة 1.06 تريليون دولار خارج حدودها، بارتفاع 627 ملياراً عن العام الذي سبقه. وفقاً لبيانات من تومبسون فاينانشيال.
غير ان الخبراء الاقتصاديين يقولون ان على الساسة والمساهمين والمواطنين الأوروبيين والأميركيين توطين أنفسهم، على شراء الشركات الصينية والروسية والهندية والبرازيلية لأسمائهم التجارية اللامعة، ومن جانبها توقع اقتصاديون من غولدمان ساكس، بأن الزيادة السنوية لانفاق اقتصاديات تلك الأسواق الناشئة الأربعة ستكون بحلول عام 2009، أكبر من انفاق دول العالم الغنية الست.
ويجيء تحالف شركتي المنافع العامة الفرنسيتين سويز وغاز دوفرانس، لعرقلة صفقة »أنيل« الايطالية في أعقاب التحرك الاسباني لعرقلة عرض ألماني لشراء شركة طاقة اسبانية، ليؤكد انبعاث الروح القومية، في ضوء صعود العولمة.
ولم تأل فرنسا جهداً، لترطيب سمعتها، في حماية أصولها الوطنية، عندما قامت بترتيب عملية دمج نهاية الأسبوع، بين شركتي سويز وغاز دوفرانس، لسد الطريق في وجه المشترين الايطاليين.
ويجيء ذلك في اعقاب الجهود التي بذلتها كل من فرنسا ولكسمبورغ لعرقلة عرض قوي بقيمة 23 مليار دولار، قدمته ميتال ستيل. التي يدير مالكها لاكشمي ميتال، الهندي لشراء شركة ارسيلور للفولاذ، التي تتخذ من لكسمبورغ مقراً لها.
إلا أنها تمتلك كثيرا من العمال في فرنسا غير ان بعض السياسيين البريطانيين، سارعوا إلى تعنيف فرنسا لسلوكها المعادي للمنافسة وما لبثت ان سميت غاز بروم، في غضون أقل من أسبوع، كمشتر محتمل لشركة الغاز البريطانية سنتريكا، وهو الأمر الذي أثار زوبعة من الجدل في بريطانيا، بحيث جعل وزارة التجارة والصناعة البريطانية تسارع إلى القول ان الصفقة ستكون خاضعة »لمراقبة كثيفة«.
ويزعم بعض الساسة الفرنسيين، أنهم يقتدون بالولايات المتحدة حيث ان الاحتجاجات على قيام موانئ دبي العالمية، التي تتخذ من دبي مقراً لها، بتولي إدارة موانئ أميركية قائمة على الزعم بأنها تشكل تهديداً للأمن القومي.
وكان وزير المالية الفرنسية، ثيري بريتون، قال في مقابلة مع ليزابكولا، نشرتها في الثلاثين من يناير بأنه ينوي مطالبة ميتال بالنظر بدقة، إلى العطاء الفاشل الذي قدمته شركة النفط الصينية CNOOC لشراء يونوكال.
ويعتبر رد الفعل الفرنسي تجاه عرض ارسبلور والرد الأميركي على عرض CNOOC ارتجاعاً طبيعياً للقوة المتصاعدة لتلك الشركات حسبما قال خبراء تجاريون عالميون. وقال فيليب سواغل الطالب الداخلي في معهد المشاريع الأميركي ان فكرة العمل لشركة صينية أو هندية، مازالت جديدة، بحيث تثير الفزع« وتوقع سواغل، انقضاء عقد قبل ان تتقبل أوروبا أو الولايات المتحدة الفكرة.
ترجمة وائل الخطيب: