ما هي طبيعة الأزمة التي نتجت عن الموقف الأميركي الرافض لقيام شركة موانئ دبي العالمية بإدارة عدد من الموانئ الأميركية كانت تقوم بإدارتها شركة «بي آند أو» البريطانية والتي آلت «لموانئ دبي» والتي نزعت فتيلها بذكاء عندما قررت نقل المهمة إلى شركة أميركية؟ وهل لحركتها دوافع أمنية حقا؟ أم هي اقتصادية أو سياسية؟
عندما يعلن الرئيس الأميركي جورج بوش قلقة من رفض الكونغرس لإتمام الصفقة الخاصة بإدارة هيئة موانئ دبي لستة من الموانئ الأميركية، مشيرا إلى أن مثل هذا الرفض سيوجه رسائل خاطئة لأصدقاء أميركا في الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بمدى عدم احترام مبادئ التجارة الحرة، ومحذرا من استخدامه للفيتو ضد أي قرار يفشل هذه الصفقة ..
فإن الدوافع الكامنة وراء هذه الأزمة المفتعلة تبدو سياسية واقتصادية أيضا.
وحينما يصف الرئيس الأميركي رفض الصفقة بأنه يعكس نزعة «انعزالية وحمائية»، وتنم عن افتقار ثقة الأميركيين في قدرتهم على تشكيل مستقبلهم، وتعبر عن سياسة اقتصادية خاطئة، محذرا من تحول أميركا إلى دولة حمائية، وهو ما يتناقض مع المساعي الأميركية لإبرام اتفاقيات ثنائية للتجارة الحرة مع الدول الخليجية.
فإن الدوافع التي كانت وراء الأزمة تبدو اقتصادية أحيانا، وعنصرية أحيانا .
أما الدوافع الأمنية التي يعلن عنها أنصار رفض الصفقة فإن هناك من الردود عليها ما يجعلها بحاجة إلى إعادة الدراسة والمراجعة خلال ال45 يوما المعروضة عليهم لإعادة النظر، خصوصا أن العديد من الموانئ الأميركية تديرها شركات من دول أجنبية وليست شركات أميركية !
يؤكد ذلك ما عبر عنه بعض الكتاب الأميركيين ومن بينهم مدير تحرير مجلة «فورين أفيرز» الذي وصف الرفض الأميركي بأنه لا يخلو من عنصرية، ولا علاقة له بالمخاوف الأمنية، ولا بالأمن الوطني، موضحا أن عمل شركة دبي لا علاقة له بالأمن الذي تتولاه هيئات الأمن الفيدرالية الأميركية وليست شركات الشحن والتفريغ .
بينما يؤكد بعض الشخصيات الاقتصادية العربية الأميركية أن الموضوع الاقتصادي البحت قد تم تسييسه بهدف الربط بين الإرهاب والعرب . وهذا بلا شك يأتي بنتائج سلبية على الاستثمار العربي عموما والخليجي خصوصا في الولايات المتحدة.
ويشير المراقبون إلى أن نسبة كبيرة من الاستثمارات العربية سوف تأخذ طريقها من جراء هذه السياسة الاقتصادية الخاطئة إلى آسيا وإفريقيا وأوروبا بعدما بدأ المستثمرون العرب يشعرون بعدم الاطمئنان على استثماراتهم في أميركا.
إن ذلك بلا شك هو ما يفسر قلق الرئيس الأميركي على المصالح الأميركية التي ستتأثر سلبا من جراء هذا الرفض، وحرصه على ألا يضيف للصورة الأميركية مزيدا من عدم المصداقية في العالم عموما وفى الشرق الأوسط خصوصاً.
وأن يأتي هذا التناقض بين رفع شعارات الحرية الاقتصادية، وبين تطبيق السياسة الحمائية من جانب واحد، فهذا ينطلق من موقف سياسي سيكون له بالتأكيد آثاره الاقتصادية السلبية على اقتصاد الولايات المتحدة الأميركية وعلى مصالحها في المنطقة .
من هنا ربط العديد من المراقبين بين رفض الصفقة وإعلان الإمارات عن تأجيل استئناف مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الدولتين، وفسر بعضهم هذا التأجيل بأنه نوع من الاحتجاج السلبي على النزعة الحمائية التي يعكسها موقف النواب الأميركيين المخالف لسياسة تحرير الأسواق بالتبادل، كما أنه نوع من الغضب المكتوم على النزعة الانعزالية وعلى عملية تسييس الموضوع بصورة مناهضة للعرب .
mamdoh77t@hotmail.com