هناك تفكير جدي في الوقت الحاضر حول توسيع الاستثمارات الخليجية في الصين، وتم التمهيد لذلك بعد زيارة الملك عبدالله والوفد السعودي المرافق منذ شهرين.
حيث ضم الوفد عدداً كبيراً من رجال الاعمال السعوديين، كما توضح ذلك أيضاً من المباحثات الحالية التي تجرى بين الحكومة الصينية وبعض الدول الخليجية كالكويت والإمارات وقطر لشراء 10 % من البنك الصناعي التجاري الصيني.
وهو من اكبر البنوك العاملة في الصين، وهى صفقة يمكن ان تكون بداية للاستثمار الخليجي في القطاع المصرفي الصيني والذي يعتبر من اكبر القطاعات التي تقود التنمية الاقتصادية في الصين.
على ان المستثمر العربي الذي يرغب في توجيه جزء من استثماراته إلى الصين يتعين عليه ان يكون على دراية كاملة بمناخ الاستثمار هناك بالنسبة للقوانين والقرارات الاستثمارية التي تحكم استثمار الأموال الأجنبية، مع التعرف على أوضاع السياسات النقدية خاصة سياسات سعر صرف اليوان الصيني واتجاهاته في المستقبل وتاريخه في الماضي القريب، وغير ذلك من القواعد النقدية التي قد لا تهم المستثمر الصيني بقدر ما تهم المستثمر الأجنبي.
ومما لا شك فيه ان سياسة سعر صرف اليوان والقرارات التي تحكمها تعتبر من أهم المسائل التي يتعين مراعاتها قبل ان يفكر المستثمر الخليجي في توجيه استثماراته إلى الصين.
لأن سعر صرف اليوان بالنسبة للعملات الأجنبية سيكون محل اعتبار في نواح متعددة - عند تحويل رأس المال إلى الصين وعند استيراد اللوازم التي يحتاجها المشروع من الخارج، وعند تصدير المنتجات التي ينتجها المشروع، وخاصة ان اغلب المشروعات الصينية حالياً تنتج للتصدير ولا يمثل الجزء المستهلك منها محلياً الا نسبة ضئيلة.
كما تظهر اهمية سعر الصرف عند تحويل الأرباح الناتجة من المشروع، على أساس ان هذه الأرباح تتأثر بشكل كبير بسعر صرف اليوان، فاذا كان مرتفعا على سبيل المثال فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض الأرباح عند التحويل، والعكس صحيح.
ولذلك غالباً ما يقوم المستثمرون الأجانب بالاستعانة بخبير نقدي يتولى دراسة نظم وسياسات أسعار الصرف في الدولة التي يستثمرون فيها والأسس التي تقوم عليها، ثم يقوم بتقرير العملة التي يستثمر بها الفائض المالي من المشروع والوقت المناسب لهذا الاستثمار والأماكن التي يتم الاستثمار فيها في الخارج أو الداخل.
ومن هنا رأيت أن نعرض بعض الملاحظات التي تتعلق بالوضع النقدي في الصين وسعر صرف اليوان، والتي يتعين ان تكون أمام المستثمر الخليجي الذي يفكر في الاستثمار داخل الصين.
كما تكون هذه الملاحظات أمام الاقتصاديين العرب الذين يتعاونون مع المستثمرين عند البحث والتخطيط للمشروعات التي يزمعون القيام بإنشائها في الخارج، وهى ملاحظات ذكرت جزءاً منها بعض البنوك الأجنبية :
(أولاً) سعر صرف اليوان يقوم حاليا على أساس الثبات النسبي ومنذ ما يقرب من احد عشر عاما استقر فيها السعر عند حوالي 28 ,8 يوانات للدولار.
وهي السياسة التي دفعت الكثير من الدول على رأسها الولايات المتحدة الأميركية إلى ممارسة الضغوط على الحكومة الصينية مع التهديد بفرض الرسوم على صادراتها لكي تتبنى سياسات أكثر تحرراً لسعر الصرف والقيام بتعويم عملتها وفك ارتباطها بالدولار، وذلك في محاولة تخفيض عجزها التجاري معها، والذي بلغ 162 مليار دولار خلال عام 2004 فقط.
ان هذه الدول ترى ان العملة الصينية مقومة بسعر اقل كثيرا من قيمتها الفعلية، وان بقاء قيمتها منخفضة يهدف إلى تعزيز تنافسية الصادرات الصينية، كما ان تعويم سعر صرف العملة الصينية سيرفع من قيمتها مقابل العملات الاخرى وسيخفض من القدرة التنافسية للبضائع الصينية، وسيفسح مجالا لزيادة صادرات تلك الدول إلى الصين وغيرها من الدول المختلفة.
ولقد أسفرت هذه الضغوط عن قيام البنك المركزي الصيني ( بنك الصين الشعبي) في يوليو الماضي بالإعلان عن تغيير جوهري في سياسة الصين تجاه سعر الصرف.
حيث تخلت عن نظام ربط اليوان بالدولار الأميركي واستعادت عنه بسلة من العملات ( تشمل اغلبها الدولار واليورو والين الياباني ) وذلك في اولى الخطوات التي تهدف لتحرير سعر صرف العملة الصينية.
(ثانيا) قام البنك المركزي الصيني برفع قيمة اليوان بنسبة 1 ,2 % ليصل إلى 11 ,8 يوانات مقابل الدولار الأميركي، وسمح له بالتغير في نطاق يصل إلى 3.
% أمام سلة العملات التي سوف يقوم بتحديد نوعها ونسبتها تفصيلياً وفقا للأوزان النسبية للتجارة الخارجية الصينية. غيران صندوق النقد الدولي يرى ان الاستمرار في رفع قيمة العملة سيجعل البضائع الصينية أكثر غلاء.
وفى الوقت نفسه سيسمح للمواطنين الصينيين بشراء البضائع الأجنبية بأسعار رخيصة وهو ما يجعل الصين تتردد في رفع قيمة اليوان خوفاً من ان ينعكس سلباً على حركة الاستثمارات الأجنبية التي تشهدها حالياً والتي ساهم فيها فائض الميزان التجاري الصيني خاصة في السنوات الأخيرة.
وبالتالي فان الصندوق يؤيد إعادة النظر التدريجية في قيمة العملة الصينية خاصة وان الاتجاه الحالي الذي تتبناه الصين بعدم رفع قيمة عملتها يهدد النمو العالمي ويدفع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي إلى اتخاذ إجراءات حمائية تتعارض مع سياسة الصندوق ومنظمة التجارة العالمية.
(ثالثا) حيث ان الصين تفرض حالياً قيوداً نقدية على المعاملات الخارجية، فقد أصدرت الحكومة الصينية بعض القرارات في اطار برنامج سعر الصرف الرسمي تمثلت فيما يلي:
* زيادة حد الاحتفاظ بالعملات الأجنبية من 30 % إلى 50 % للشركات المحلية التي تمثل نفقاتها من العملات الأجنبية اقل من 80 % من إيراداتها، ومن 50 % إلى 80 % للشركات المحلية التي تمثل نفقاتها من العملات الأجنبية أكثر من 80 % من إيراداتها.
* السماح بزيادة العملات الأجنبية التي تمنح للمسافرين إلى الخارج لمدة اقل من 6 أشهر وذلك إلى خمسة آلاف دولار مقابل ثلاثة آلاف دولار في الماضي، وللمسافرين لفترة أطول من ذلك إلى ثمانية آلاف دولار.
(رابعاً) عكست التعديلات المذكورة في قواعد الرقابة على النقد والمرونة المحدودة في سياسات النقدية تخوف الحكومة الصينية من اتباع آليات السوق.
وتعويم سعر الصرف بشكل كامل، نظراً لعدم استعدادها للاستغناء عن الأداء القوى لميزان المدفوعات وسيطرة صادراتها على الأسواق العالمية بصورة مفاجئة، الا انه من المتوقع ان تسرع الحكومة الصينية في رفع قيمة العملة مع بداية عام 2006 للعديد من الأسباب أهمها :-
* استمرار تحقيق فائض كبير في ميزان المدفوعات الصيني لأن ذلك قد يكون في غير صالح الصين خاصة في المستقبل.
* الضغوط الاقتصادية والسياسية التي عانت منها الصين في الشهور الماضية.
* ازدياد القيمة الحقيقية لليوان عن القيمة الرسمية التي تربطه بالدولار الأميركي بسبب نمو الاقتصاد الصيني الكبير خلال السنوات الماضية.
* تراكم الفوائد المالية لدى الحكومي الصينية وهو ليس أيضا في صالح الصين.
* زيادة التدفقات الداخلة إلى الصين بهدف المضاربة على سعر صرف اليوان.
(خامساً) يلاحظ ان رفع قيمة اليوان بدأ متدرجاً ومرضياً لجميع الدول، وبما يجنب حدوث اضطرابات كبيرة في الاقتصاد الصيني وأسواق المال العالمية في حالة تعويمه كاملا بسبب الفارق الكبير بين القيمة الرسمية والحقيقية لليوان، وكذلك استبعاد التأثير السلبي على اقتصاديات الدول النامية التي تعتمد على السلع الصينية الرخيصة.
أقول ان الإلمام الكامل بسياسة سعر صرف اليوان واتجاهاتها في المستقبل أصبح على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للمستثمر الخليجي قبل ان يقرر الاستثمار في الصين وضخ أموال كبيرة في السوق الصيني لا يعرف مصيرها في المستقبل، وذلك بالنسبة لاسترداد رؤوس الأموال التي يمكن أن تتدفق على الصين نتيجة الانفتاح الخليجي المرتقب على هذه السوق.
kutaiba@emirates.net.ae