وسط عالم مليء بالنكبات والمصائب والأخبار المفجعة، وفي أجواء الفن السابع التي تمتلئ بنفس صفة هذا العالم من تصوير للجريمة والرعب والحروب والتراجيديا، وسط هذا الركام كله، يندر أن يشاهد المرء ما يبهج القلب ويقتطف الابتسامة والضحك من أنياب الزمن، وربما هذا ما يتحقق لمن يشاهد فيلم «بينك بانثر ـ النمر الوردي» لنجم الكوميديا الرائع ستيف مارتن الذي يُعرض حالياً في صالات السينما بالإمارات.
الفيلم نسخة جديدة عن السلسلة الشهيرة التي حملت نفس الاسم، وتم إنتاج أول أفلامها في ستينات القرن الماضي ببطولة مطلقة لنجم الكوميديا البريطاني «بيتر سيلرز»، أما فيلمنا الحالي فهو من إخراج شاون ليفي، وشارك «مارتن» بطولته كل من: جان رينو، كيفن كلاين، والمطربة السمراء بيونسيه نولس، وهو من إنتاج شركة «سوني» العالمية.
حقق فيلم الفهد الوردي The Pink Panther منذ ظهوره في صالات السينما الأميركية قبل حوالي ثلاثة أشهر، مبيعات تذاكر وصلت قيمتها إلى 17 مليون دولار في أسبوعه الأول، وهو ما دفعه ليحتل المركز الأول في بداية عرضه، وحقق طيلة الأسابيع الثلاثة الأولى ما يقارب 42 مليون دولار، وتدور أحداث الفيلم حول اغتيال مدير الفريق الفرنسي لكرة القدم المشهور عالمياً «غلونت» وسرقة خاتمه الذي يحوي ماسة «الفهد الوردي» -جالبة الحظ للفريق الفرنسي- فيكلف مدير الشرطة «دريفوس» الممثل كيفن كلاين محققاً غبياً يدعى «جاك كلوسو» النجم ستيف مارتن للتحقيق في الجريمة، في سعي من رئيس الشرطة للحصول على وسام شرف يسعى إليه منذ سنوات.
ويبدأ المحقق «كلوسو» تحرياته باتباع أساليبه المميزة في التحقيق للكشف عن هوية القاتل وسط لقطات ومشاهد كوميدية أداها ستيف مارتن بلغة إنجليزية ونبرة فرنسية أضفت أجواء من الضحك طيلة مدة العرض، فيبدأ تحقيقاته مع نجمة البوب «زانيا» صديقة المدرب المقتول ـ أدت الدور المطربة بيونسيه نولس ـ بمساعدة زميله «بونتون ـ الممثل جان رينو ـ وسكرتيرته الحسناء «نيكول»، وتحدث في الفيلم مقالب ومطبات كوميدية للمحقق «كلوسو» يتورط فيها الجميع، ويمكن القول إن الفيلم يقدم لكوميديا «أميركية» على الطريقة «الفرنسية» نجح فيها «مارتن» في إمتاع المشاهد حتى اللحظات الأخيرة من الفيلم.
يبدو أن هذا العام هو عام ستيف مارتن السينمائي بلا منازع؛ حيث عُرض له قبل فترة بسيطة مجموعة من الأفلام المميزة فيلم «تشيز باي ذا دوزين» مع «بوني هنت»، وفيلم «بالدستة أرخص»، وفيلمه الرائع «شوب غيرل» برفقة كلير دانيس، وفيلم «البائعة» الذي كان أداء مارتن فيه رومانسياً وبعيداً عن الكوميديا التي عُرف بها، أما فيلمه القادم الذي يحمل عنواناً لا يقل غرابة عن أجوائه «بيكاسو في لابين أكيل» فينتظر عرضه منتصف هذا العام.
وقد صوّر مارتن أغلب أفلامه في كندا لعوامل مادية ـ كما صرّح بذلك للناقد محمد رضا أثناء لقائهما في برلين ـ ولكنه أشار أيضاً إلى أن «كندا» هي «أميركا» الجميلة التي ينبغي أن تكون، يذكر أن نجم الكوميديا «مارتن» كان قد حاز في نوفمبر من العام الماضي على أكبر جائزة أميركية كوميدية وهي جائزة «مارك توين» للفكاهة، وكان أول فيلم أدى فيه دور البطولة هو «الأحمق» عام 1979، كما أن له رصيداً في المسرح وكتابة السيناريو يتعدى الثلاثين عملاً.
أما النجمة السمراء بيونسيه نولس التي بدأت كمطربة مع فريق «ديستنيز تشايلد» فقد كان أداؤها لدور «زانيا» عشيقة مدير الفريق الفرنسي المغدور في فيلم «الفهد الوردي» ـ وهو ثالث أفلامها ـ يجعل المشاهد يظن أن لهذه الفنانة أرشيفاً حافلاً بأفلام السينما، فقد كانت تؤدي دورها بتلقائية وتجاوب كبير مع أجواء الكوميديا التي كان يشيعها مارتن، وخصوصاً في المشهد الذي تستضيف فيه المحقق «كلوسو» في جناحها الفخم، وحركات الغباء من قبل هذه المحقق «العبقري» التي تفضي إلى اندلاع النار في الجناح، وكان أحد أسباب قبول بيونسيه كما صرحت هي بذلك للصحافة؛ هو وجود المخرج شاون ليفي الذي عملت معه لسنوات في برنامج «ميكي ماوس»، ولكنها كانت مترددة في قبول الدور إلى أن علمت أن من يقف أمامها في البطولة هما ستيف مارتن وكيفين كلاين حيث غيرت رأيها بسرعة ووافقت بشدة على أداء الدور، يذكر أن أول ظهور لبيونسيه على الشاشة السينمائية كان في فيلم «أستن باورز» عام 2002، ثم شاركت في بطولة فيلم «محاربة الغرائز» عام 2003.
ربما كان لحضور النجمين الفرنسي جان رينو الذي يقوم بدور «بونتون» مساعد المحقق «كلوسو» والأميركي كيفن كلاين بدور رئيس الشرطة «دريفوس» شديد الأثر في إشاعة أجواء الكوميديا في الفيلم، وقد كان اختيار المخرج ومارتن موفقاً إلى حد كبير في توليف ثلاثي كوميدي استطاع أن يدخل المتعة في قلوب المشاهدين طيلة فترة الفيلم، فكان أداء «جان رينو» المعروف بنظرة عينيه المميزة بأداء دور البلاهة؛ أداءً عفوياً دون تكلّف، أما كيفن كلاين الذي أدى دور رئيس الشرطة فقد كانت مقالب المحقق «كلوسو» تتساقط على رأسه كالمطر، يُذكر أن النجم جان رينو أدى مؤخراً دوراً مختلفاً في فيلم «شفرة دافنشي» الذي ينتظر عرضه في صالات الإمارات قريباً.
عنصر آخر كان من ركائز نجاح هذا الفيلم؛ ألا وهو الذاكرة الجميلة المترافقة مع موسيقاه الشهيرة التي ألفها الموسيقار الراحل هنري مانسيني والتصقت به إلى ساعة رحيله؛ رغم أنه من أبرع مؤلفي موسيقى «الجاز» و«البوب» في أواسط القرن الماضي، ولا دليل على براعته إلا حصوله على أكثر من عشرين جائزة «غرامي» الموسيقية عن موسيقاه التي ألفها للأفلام، وحصوله على أربع جوائز أوسكار لنفس التخصص، وهو ما حدا النقاد أن يطلقوا عليه «ملك موسيقى الصورة» أما موسيقاه لفيلم «الفهد الوردي» الذي كان أول إنتاج له عام 1963م.
فقد كانت من الشهرة بمكان أن التصقت باسم «مانسيني» وأبقته أسيراً لها حتى هذا اليوم، وهي موسيقى ذات طابع قريب من «الجاز» رغم أنها تنطلق من آلات النفخ الموسيقية ـ كما هو المعهود في الجاز ـ ولكنها تختلف عن سائر أعمال هذا النوع الموسيقي بلمسات «مانسيني» الساحرة التي تحلّق في أثير الموسيقى الراقية، فكانت موسيقى «الفهد الوردي» تنطلق بأجواء الفيلم في روح مرحة بعيدة عن التعقيد.
محمد الأنصاري
