قليلة هي الأفلام العربية التي استطاعت أن تشد إليها المشاهد المحلي (العربي) قبل أن تستطيع أن تلفت الآخر الأجنبي. ففي تاريخ السينمات العربية إنتاجات كثيرة لا يمكن أن يخرج منها ما له علاقة بالفن السابع سوى الشيء الضئيل.
وكما هي السينما العربية تعاني بنسب مختلفة من شح في الإنتاجات الجيدة لأسباب كثيرة، كذلك هي السينما اللبنانية على طوال تاريخها لم تستطع إلى حد كبير أن تثبت نفسها أو أن تجد لها مكاناً في مساحات الفن البصري السينمائي.وفي الآونة الأخيرة بدأت تظهر علامات جديدة في السينما اللبنانية أدهشت المتابعين لغناها الفني والتقني، فبرز أسد فولادكار في «لما حكيت مريم» وزياد دويري في «غرب بيروت»، ليلمع بعدهما فيليب عرقتنجي في فيلمه الطويل الأول «بوسطة» الذي يبدأ عرضه بعد يومين في الصالات المحلية.
وقد أقيم أمس في صالة سينما «سيني ستار» في «مول الإمارات» عرض خاص للاعلاميين والشخصيات الاجتماعية لفيلم «البوسطة» بدعوة من القنصلية اللبنانية العامة في دبي والإمارات الشمالية ومدينة دبي للاستوديوهات.
يستخدم مخرج فيلم «بوسطة» فيليب عرقتنجي حكاية الفيلم ذريعة ليصوّر ما هو أبعد من المروي، الذي يبدو بسيطاً للوهلة الأولى. ويختار مقدمة قوية وموحية لفيلمه، فنرى زحمة سير، وسيارات من كل الأنواع، يقودها أناس من أعمار وجنسيات مختلفة، سيارات بعضها حديث.
وأخرى قديمة، تذكر بزمن الحرب الأهلية اللبنانية، في المشهد المألوف آنذاك بأن تحمل السيارات على سطوحها فراشاً لمهجرين من منطقة إلى أخرى.
نكتشف أن مسبب الزحمة هي «بوسطة» قديمة صبغت حديثاً باللون الأحمر وزينت بأسلوب تشكيلي. ركابها عبارة عن فرقة دبكة يريدون التوجه إلى بلدة جبلية حيث مسابقة رقص تنافسية.
بطارية السيارة معطوبة، يتبول السائق فيها، كي يصلحها، تحت وابل الصراخ والشتائم لمن ضجر الانتظار. فجأة على الطريق المعاكس تتقدم أربع دراجات شرطة بأسلوب استعراضي وخلفها سيارات توضح أن الموكب لمسؤول سياسي، يمر وسط التفاتات كل من في الشارع، أو على شرفة منزله، ويسود الصمت وتنتهي المقدمة، ليبدأ الفيلم من جملة قبل ثلاثة أسابيع.
فيظهر «كمال» الممثل رودني الحداد العائد من المهجر إلى بلده الأصلي، محاولاً تجميع أعضاء فرقته الراقصة القديمة من جديد، فينجح، لكن الفرقة ترفض لأن رئيسها يتعرض لتهمة هدم «التراث» كونه أضاف على رقصة «الدبكة» المعروفة على «التكنو».
هذه الحكاية البسيطة لا تلبث أن تكشف ما هو أعمق بكثير من السطح. فالشخصيات اللبنانية التي تتحرك في مساحة الكادر وفي «الباص» رمز الوطن الذي يبدو مجتمعاً متشظياً، بين التراث والحديث، وبين الذكر والأنثى وبين القاعد في الوطن والمهاجر، وبين المرأة والمرأة، وبين الذات والموضوع، والذات والذات.
وبين عناصر القوة وعناصر الضعف، الحالي والماضي، كل هذا في بوتقة واحدة، وضمن سياق استعراضي غنائي موسيقي درامي يتآلف أمام مشاهد الفيلم في اللحظة نفسها لتوليد الصورة.
بالطبع الانفصام سيد اللعبة، ولا يغيب على طوال عرض الشريط فيوظف عرقتنجي كل تفاصيل الحكاية والسرد مع التوازن اللوني للصوري المتناقض والمتجاور في آن، ليصنع منها جميعاً لغة رمزية بصرية من طراز فريد، يذكرك بأساليب مخرجين من أمثال الإنجليزي ديفيد لين.
وهنا ليس من وجه للتشابه بمعنى التأثر أو النمط بقدر ما هو تشبيه لمستوى نص بصري بآخر. يفاجئ المشاهد لأنه مستوى لم نتعود عليه في السينما العربية.
فالمخرج فيليب عرقتنجي في عمله البكر لا يدّعي بقدر ما يعمل، ولا يستخدم رموزاً بشكل تقليدي، وهو يتيح لمشاهد عمله أن يشارك فيه بأن تكون له قراءته الخاصة، التي قد تكون متناقضة وهذا بحد ذاته إنجاز مهم يتساوى مع تناقضات الفيلم الكثيرة.
وهو وظف كل العناصر التقنية والفنية من دون أي مجانيات لا ضرورة لها ولا يحتاجها العمل. ويبدو هذا واضحاً في مونتاج الفيلم الذي انتقل من مشهد إلى مشهد كأنه طيف مع حركة للكاميرا منسجمة مع روحية السيناريو المتغول تماماً. أدار التصوير غار تورنبل.
بميزانية محدودة، أنتج عرقتنجي شريطه الممتاز، ولأول مرة يستطيع المشاهد تحمل اللكنة اللبنانية في عمل سينمائي، فبدت لغة ميسرة بين لكنات عدة رائجة في لبنان.
وأدار ممثليه بدقة مع ان أكثرهم غير محترف العمل في السينما، فكانوا جميعاً مذهلين ومنسجمين مع خطة المخرج، بداية مع رودني الحداد الشخصية الرئيسية في الفيلم إلى الممثلة .
والمخرجة نادين لبكي التي فاجأتني بدقة الأداء البسيط التعبيري في شخصية «عليا» التي تقاسمت في هذا الدور مع «مستر نعيم» الشهير بشخصية «فهمان» الكوميدية الممثل محمود بسيط مساحة الضمير المستتر الذي يحافظ على «الوطن»، ومنير ملاعب في شخصية توفيق كوريفرافير وموهوب في التمثيل أيضا.
وزميلا مهنته عمر راجح وخليل بشارة عطاالله اللذان عرفا كيف يكونان جزءاً صلباً من «البوسطة». وبمستوى ليس أقل ليليان نمري في دور «ارزة» وهي تتمتع بموهبة أكيدة وخفة ظل حقيقي. «بوسطة» فيلم بلغة بصرية عالمية تجمع لحظة الدمع والفرح.
حسين قطايا:

