برغم أن المؤشرات والأرقام الأخيرة أكدت عودة النمو إلى منطقة اليورو التي تشمل 12 دولة، عقب الإحباط الناتج عن أرقام الربع الأخير من عام 2005، حين أصاب الإنفاق الاستهلاكي المنخفض اقتصاد ألمانيا إلا أن أوروبا تنقسم إلى جزءين من حيث النمو الاقتصادي.

وقد ارتفع معدل تفاؤل رجال الأعمال في فرنسا في فبراير الماضي، وارتفع مؤشر المستهلك في إيطاليا، بما يشير إلى تزايد تفاؤل العائلات في منطقة اليورو.

الأكثر تشجيعاً بالنسبة لمنطقة اليورو ان المديرين في الشركات الألمانية بلغت معدلات تفاؤلهم أعلاها منذ أكثر من 14 سنة، وفق أحدث استطلاع لمؤشر إيفو الذي يعكس آراء رجال الأعمال ويشمل سبعة آلاف شركة.

وفي الوقت نفسه تسارع معدل التضخم بشكل طفيف خلال يناير ليصل إلى 2.4% مقارنة بيناير العام الماضي، وفاق ما يستهدفه البنك المركزي الأوروبي بمقدار 0.4% فقط.

وهناك شعور بالارتياح من أن الضغوط التضخمية (التضخم كان 1.5% في ديسمبر 2005) إلى جانب الأنباء الإيجابية على جبهة النمو، مقابل توقعات بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الأقل مرتين خلال العام الجاري لتصل إلى 2.75% ويحتمل أن ترتفع الفائدة إلى 3% قبل نهاية 2006، لكن هذا الاحتمال غير كبير.

كبريات دول المنطقة

وكررت المؤسسة ستاندارد آند بورز التأكيد على توقعاتها لعام 2006 مع تغير بسيط في الشهر الماضي. وتوقعت المؤسسة أن ينمو إجمالي الناتج المحلي الأوروبي (منطقة اليورو) بنسبة 1.9% خلال العام الجاري. مقابل 1.3% في 2005 وأن يصل تضخم أسعار المستهلك إلى 2%، مقابل 2.2% عام 2005، بسبب تراجع النمو خلال النصف الثاني من العام.

وتوقعت المؤسسة بالنسبة لألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، أن ينمو اقتصادها بنسبة 1.6%، مقابل 0.9% في العام الماضي وأن ينمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 2% العام الجاري مقابل 1.4% العام الماضي، وإيطاليا بنسبة 1.3% مقابل 0.2% وأسبانيا بنسبة 3.1% مقابل 3.4% العام الماضي، وأن تستمر على رأس القائمة.

وفي بريطانيا، خارج منطقة اليورو، توقعت المؤسسة أن ينمو الاقتصاد بنسبة 2% في العام الجاري مقابل 1.7 العام الماضي، وأثبتت أحدث أرقام تجارة التجزئة انخفاضاً بنسبة 1.3% في يناير مقارنة بنفس الشهر العام الماضي.

لكن هذا هو رأي الأقلية حيث يتوقع آخرون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة حتى 4.25%.

نمط نمو مزدوج

غير أن السؤال الحقيقي المطروح يتعلق باستمرارية النمو الاقتصادي الأوروبي، الذي يعتمد حالياً على استمرار الإنفاق الاستهلاكي وارتفاعه وقد يكون ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي مؤقتاً في ألمانيا في ظل الارتفاع في ضريبة القيمة المضافة في عام 2007.

الأكثر أهمية أن هناك نمطين للنمو يظهران في منطقة اليورو، مما يعني صعوبة التقائهما تحت راية عملة واحدة. هناك نمط البحر المتوسط، رغم أنه ينطبق أيضاً على ايرلندا.

ويتميز هذا النمط بانخفاض الإنتاجية وزيادة التوظيف في قطاع الخدمات (وانخفاض معدل البطالة) والنمو البطيء لكنه إيجابي في الأجور وارتفاع متواضع في الطلب المحلي يشمل هذا النمط اسبانيا وإيطاليا وفرنسا إلى حد أقل، حيث تتأرجح بين النمطين، وتتعرض لخطر الجوانب السلبية لهما.

النمط الآخر هو الذي تمثله ألمانيا حيث حققت قدرة تنافسية عالية من خلال خفض التكلفة وثبات الأجور. وتطبيق هذا النمط خارج منطقة اليورو يؤدي إلى أن نضع بريطانيا في الفئة الأولى، حيث بطء نمو الإنتاجية وارتفاع عجز الحساب الجاري وانخفاض معدل التوظيف وارتفاع الوظائف في قطاع الخدمات وارتفاع الطلب المحلي.

انتعاش غير متوازن

لا يحتمل أن تؤدي المفاوضات حول الأجور المتوقع أن تجرى خلال العام الحالي في ألمانيا إلى رفع الأجور برغم ارتفاع معدل النمو الاقتصادي، والحقيقة أن أقل من نصف العاملين في ألمانيا الذين تشملهم اتفاقيات جماعية، سيشاركون في مفاوضات العام الحالي.

ولا يزال النصف الآخر مشمولاً باتفاقيات تم التوصل إليها في السنوات الماضية، وليس هناك إشارات على أن بلداناً مثل إسبانيا أو إيطاليا سوف تغير نظامها وتطبق برامج جريئة لخفض التكلفة.

نقاط ضعف

هناك نقاط ضعف في كلا النمطين، فالنمط الألماني يجعل الاقتصاد معتمداً بشكل كبير على الطلب الخارجي، وهو مصدره الوحيد للنمو خلال السنوات القليلة الماضية، ويؤدي ارتفاع البطالة في نمط البحر المتوسط إلى تزايد خلل الأمن الاجتماعي.

وضعف الطلب الداخلي في ألمانيا يشكل تحدياً لاقتصاد دول اليورو بالكامل، الذي تمثل ألمانيا له كعبة الصادرات، وهناك مشكلة أخرى في هذا النمط هي تدهور القدرة التنافسية التي لا يمكن معالجتها بخفض قيمة العملة، في ظل العملة الموحدة.

وكان الفائض في الحساب الجاري لمنطقة اليورو في 2005 متواضعاً، ومعدل النمو 0.4% بفضل مجموعة دول، خاصة ألمانيا (2.4%) وهولندا (7.4%) وبلجيكا (2.4%)، ويعني ذلك أنه ليس هناك ضغط مباشر فوري من أجل تقابل أداء المجموعتين من الدول.

لكنه على مستوى كل دولة على حدة تفرض عيوب كل نمط أن يظل الانتعاش الحالي غير متوازن، سوف يستمر اعتماد ألمانيا على المبيعات الخارجية بمجرد تراجع الإنفاق الاستهلاكي مرة أخرى بعد انتهاء 2006، وستعاني دول نمط المتوسط فرط الاعتماد على الطلب المحلي.

مشكلة الإنتاجية

في نهاية الأمر تنحدر المشكلة إلى نمو الإنتاجية. نمو الإنتاجية أكثر ارتفاعاً في ألمانيا، لكنه لا يزال غير كاف لرفع الأجور، وفي نمط المتوسط زاد ارتفاع الأجور على معدل نمو الإنتاجية.

مما سبب تدهوراً في القدرة التنافسية وانخفاض الاستثمار الإنتاجي في كلتا المجموعتين بدأ يؤثر على اقتصاداتها، وفي ظل ضغط المساهمين اختارت كثير من الشركات الكبرى زيادة توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم بدلاً من الإنفاق الاستثماري.

غير أنه على المدى الطويل فإن الطريقة الوحيدة لتحسين القدرة التنافسية لهذه الشركات هي زيادة رأس المال، وما يحدث في هذا الجانب خلال 2006 سيوفر مؤشرات مهمة حول تلاقي نمطي النمو داخل منطقة اليورو.

ترجمة: أشرف رفيق