قبل فترة، نشرنا في «البيان» أن فيلم هاري بوتر، بجزئه الرابع، باع 60 ألف تذكرة في أول ثلاثة أيام من عرضه في دولة الإمارات، بما تقدر قيمته بحوالي نصف مليون دولار أميركي.
وقلنا ان اسم «هاري بوتر» وحده يقدّره خبراء العلامات التجارية بأكثر من 4 مليارات دولار أميركي. المسوقون الذين حيرتهم الأرقام، وضعوا ظاهرة «هاري بوتر» تحت المجهر.
بعضهم كتب مقالات، البعض الآخر نشر كتباً وآخرون ألقوا المحاضرات. اهتمامنا بهاري بوتر، قد يبدو للبعض مبالغا به، كونه «مجرد شخصية محببة للأطفال». لكنّ الأرقام تقول ان الكبار يذهبون لمشاهدة الفيلم أكثر من الصغار.
كما أنه ظاهرة استهلاكية اعتبرت من الأنشط، على صعيد العالم، في السنوات القليلة الماضية. هو أيضا ظاهرة دعائية، حيث التسويق يلعب أبهى أدواره. أيضا، هو تحد رئيسي لكل المنظرين الذين جزموا بأن هناك نظريات تسويقية ثابتة.
بأن «واحد زائد واحد يساوي اثنين» في دنيا التسويق. بوتر، بالرغم من ذلك، جاء ليقلب القواعد. استحضر قواعد تسويقية كدنا نتجاهلها ونعتبرها سلعة من الماضي، بوصفها منتهية الصلاحية في زمن التسويق الالكتروني والمختبرات العلمية المعقدة لبناء العلامات التجارية.
أعاد بوتر طرح الكثير من الأسئلة، التي كنا نظن، إلى وقت قريب، أننا قد اقتربنا من حسم الإجابات حولها: كيف تغزونا العلامات التجارية؟ كيف تلمع هذه العلامات في مخيلة الكبار والصغار؟ كيف تتحول إلى بقرة حلوب تدر الملايين؟
أسئلة، نحاول مقاربتها من زاوية التسويق. حتى هذا التاريخ، هناك ستة أجزاء من أصل سبعة، تحمل اسم الساحر الصغير، قد باعت حوالي 250 مليون نسخة في دول العالم كافة.
هذا يعني أن كتب هاري بوتر تعتبر الكتب الأكثر مبيعا في العالم بعد الإنجيل (5 ,2 مليار نسخة) وأفكار الإمبراطور ماو (800 مليون نسخة).
شركة «وورنر براذر» كسبت 6 ,1 مليار دولار من تحويلها الكتب الثلاثة الأولى إلى أفلام عرضت في دور سينما العالم، كذلك 750 مليون دولار من بيع الفيلم على أسطوانات «دي في دي». في المتاجر، تستطيع أن تحصل على أكثر من 400 منتج تحمل اسم هاري بوتر وشكله.
كل شيء بدءا من الشموع مرورا بالنعال ووصولا إلى ألعاب الكمبيوتر الالكترونية. عليك أن تفكر أكثر من مرة قبل أن تستعين بالاسم لكي تضعه كماركة على أي منتج تصنعه. فلكي تحصل على إذن استخدام الماركة عليك أن تدفع 4 مليارات دولار، وان لم تحصل على الإذن، فستكون تكلفة محاكمتك قضائيا أكبر بكثير.
ذلك غيض من فيض مكّن الاسم من أن يكون علامة تجارية قيّمة. هل نقول أيضا أن الأمكنة التي تم استخدامها لتصوير مشاهد الأفلام قد تحولت إلى مزارات سياحية يدفع السواح ثمن تذاكر لكي ينفذوا إليها؟
حتى أن السيارة التي طارت في أحد أجزاء الفيلم، قد تمكن احدهم من سرقتها من مدينة الاستوديوهات في ستنا اغنيس ببريطانيا، رغم أنها مجرد ديكور من مجموعة قطع، وهي ليست في حالة تسمح بالطيران الفعلي.
«كويديش»، «ماغيلز»، «غريفندور»، «هوغوارتس» وغيرها من الكلمات التي استخدمت في الفيلم دخلت إلى قواميس لغة الكبار والصغار.
هاري بوتر هو تصدير بارز للصورة الانجليزية. وهو، بشهادة الخبراء، السفير الثقافي الانجليزي الأكثر انتشارا في العالم بعد فريق «البيتلز» الغنائي وأفلام العميل السري «جيمس بوند».
لن يمضي وقت طويل قبل أن تتحول صورة الخط التي كتبت فيها حروف «هاري بوتر» Harry Potter، بتلك الميزة المجعدة التي كتب بها حرف الـ P، إلى سمة تشبه سمات لوغو علامة نايكي، بشكل الصح الشهير، أو ماك دونالد، بقوسها الذهبي أو كوكاكولا بطريقة التدوير المعروفة.
قد يظن كثيرون أن هاري بوتر ليس سوى شخصية محببة للأطفال. لكنه أكثر منذ ذلك بكثير. انه اسم يحمل دروسا في عالم التسويق والعلامات التجارية.
فيما يلي درسان رئيسيان:
ـ هيبة السرد
في السنوات الماضية القليلة، قرر المسوقون فجأة أن يصيروا «علماء رياضيات». كتبوا المعادلات، وضعوا الفرضيات، واحتقروا قاعدة تسويقية قديمة، هي الحكاية.
سيطرت موجة من التنظير ضد السرد بوصفه أسلوباً تسويقياً قديماً، وأن المستهلك يحتاج إلى حقائق لا إلى قصص. واختفى أسلوب ربط العلامة التجارية برواية ما تعلقها في الذهن إلى الأبد.
علامة «هاري بوتر» أثبتت لهؤلاء أنهم كانوا مخطئين إلى حد بعيد. وان هناك مجدا للسرد لا يزال مهيمنا على رغبة المستهلك.
وأن العبارات العلمية المختصرة مثل TQM، CSR، 4s، 3s وغيرها من تلك الاختصارات التي غزت القواميس التسويقية، لا يمكنها أن تماثل سحر التشبيهات والاستعارات والمجازات. لقد اخطأ الظن كل من حسب أن القاعدة العريقة التي تقول «قل الحكاية تحقق الأرباح»، أو tell the tale, make the sale، قد أصبحت من الماضي.
إن أنجح العلامات التجارية هي التي أحيطت دوما بالحكايات. وهاري بوتر، أكثر من حكاية لماركة واحدة. إنها حكاية الكتاب الذي حقق مبيعات أسطورية.
وحكاية الفيلم الذي حقق مليارات الدولارات وحكاية انتقادات حاربت فكرة ترويج السحر وحكاية القصص التي يقرأها المعتقلون في «غوانتانامو» وبطل الفيلم دانييل رادكليف الذي كان طفلا معدما يتيما، ثم حقق له الفيلم ثورة هائلة جعلته أغنى شاب بريطاني بعد الأمير وليام ابن الأمير تشارلز. ان تحاط العلامة التجارية بهذا القدر من الحكايات.
وغيرها الكثير، فهذا كفيل بأن يحيطها بكل البريق اللازم. انه بريق العلامات التي تسمى «العلامات ذات الوجوه المتعددة» أو multi-faceted brand story.
ـ غواية الالتباس
بعكس ما يتوقع الكثيرون، فان الالتباس قد يكون مفيدا في التسويق. هاري بوتر نموذج لذلك، وكل ما يحيط به. شخصية ملتبسة بين سن الطفولة أو المراهقة. حكاية هي مزيج لعناصر عدة: أسرار، مدرسة داخلية، أطفال يكبرون.
قديمة وحديثة. يحبها المستهلكون ويكرهها النقاد. يرى البعض في الترويج لها مهارة تسويقية عالية، ويتهمها البعض بإتباع التسويق الرخيص. قد يبدو الأمر منبوذا من قبل مديري العلامات التجارية.
هم يريدون أن يكون كل شيء واضحا بدرجة الدقة. يعتبرون أن اللوغو هو أمر مقدّس، وأنه لا يتوجب عليهم أن يحيدوا قيد أنملة عن فكرة العلامة والمكان الذي تتموضع فيه brand positioning.
لكنّ الأمر مختلف، وها نحن إزاء نموذج ناجح مما يسمى «امبي براندز» ambi-brands التي تعني علامة تجارية تستدعي احتياجات متعددة واستراتيجيات متعددة. هاري بوتر هو الصورة الايقونية للالتباس المغوي.
د
بي ـ «البيان»: