ما بين التدخل الشخصي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بإصدار توجيهاته بنقل إدارة ستة موانئ أميركية إلى أي شركة أو هيئة أميركية باسم الصداقة التي تربط بين الولايات المتحدة والإمارات.

والتخوفات التي أعربت عنها معالي الشيخة لبنى القاسمي وزيرة الاقتصاد بشأن الاستثمارات الإماراتية والخليجية في الولايات المتحدة الأميركية، وطلب شركة موانئ دبي العالمية من الكونغرس إجراء مراجعة مستفيضة للنواحي الأمنية في الصفقة. تناغمت إيقاعات الدبلوماسية الإماراتية في تطويقها للعاصفة السياسية التي أثارها البعض في الكونغرس الأميركي بشأن إدارة شركة موانئ دبي العالمية للموانئ الستة الأميركية في إطار استحواذها لشركة «بي آند أو» البريطانية.وتدرجت هذه الإيقاعات صعودا وهبوطا مع درجات المعارضة الأميركية في مدها وجزرها، ووصل مستوى تناغم الإيقاعات إلى الحد الذي جعل المحللين يصفون هذه الدبلوماسية بالمقطوعة الموسيقية ذات القافيات والنغمات المتجانسة والتي عزفها فريق موسيقي متجانس ومترابط.

ورغم مجازية هذا التوصيف، إلا أنه جسد براعة الدبلوماسية الإماراتية في تحركها على درب مليء بالأشواك والعثرات، وفي أجواء معبأة بالغيوم السياسية والمواقف الأيديولوجية الممتزجة بالمشاعر التي تخاطب وجدان المواطن الأميركي أكثر مما تخاطب عقله.

بعدما أفلح بعض أعضاء الكونغرس في إثارة فقاعة كلامية جرفت بالصفقة بعيدا عن محتواها الفني والتجاري، الأمر الذي أضاف للصفقة أبعادا ومحتويات أخرى، ربما لم تكن تدور في مخيلة أحد، حيث أصبح للصفقة وجهها السياسي والأمني، وتوارى إلى الخلف قليلا وجهها التجاري المحض.

وعليه، تحركت الدبلوماسية الإماراتية على خيط مشدود، منطلقة من حسابات في غاية التعقيد، ويبرز في صدارتها الموازنة بين المصلحة الوطنية الإماراتية في الحفاظ على علاقات سياسية جيدة مع الولايات المتحدة، بألا يكون للصفقة مضاعفات سياسية على العلاقات بين البلدين، والمصالح التجارية لشركة موانئ دبي العالمية في إنجاز عملية الاستحواذ لكافة حقوق وأصول شركة موانئ دبي العالمية.

تعقيدات الصفقة

ويبدو أن التعقيدات التي طرأت على هذه القضية، قد جعلت تناولها غير محصور على شركة موانئ دبي العالمية، بل صارت هناك أدوار مرسومة بعناية فائقة لدوائر ووزارات أخرى، بحيث شكلت هذه الهيئات مع بعضها البعض فريقا متجانسا، كما دفعت أيضا هذه التعقيدات إلى اتباع مواقف تتميز بالتدرج مع معطيات الوضع.

وبرزت صعوبة التحديات التي واجهتها الدبلوماسية الإماراتية من واقع أن الفقاعة الكلامية التي أثارها بعض أعضاء الكونغرس اتسع نطاق المؤيدين لها في الحزبين الجمهوري والديمقراطي نتيجة لحملة الأكاذيب التي شنوها.

وهو الأمر الذي دفع أحد الخبراء إلى القول بأنه من العار على سياسيين أن يروجوا لأكاذيب وخدع لمجرد أن تجد لها صدى لدى الرأي العام. وعلق آخر بقوله أن الجدل صار متخما بالأساطير المضللة، لدرجة ترويع المواطن الأميركي بأن الصفقة تحقق لشركة عربية السيطرة على «مدن أميركية».

وازدادت حدة التحديات التي واجهتها الدبلوماسية الإماراتية نتيجة لذهاب حملة النفخ في المخاوف إلى حد الترويج لمشروع قانون يحول دون استحواذ أي شركة أجنبية مملوكة للحكومات على أنشطة الموانئ الأميركية.

وهو ما حفز البعض على القول بأن البلاغة السياسية لمنتقدي الصفقة قد جرفت بموضوعية النقاش إلى حد العبثية. بل وصل الأمر مداه في تصويت احدى لجان الكونغرس ضد الصفقة.

وقد ثارت الزوبعة الكلامية في الكونغرس، بعدما قرر مجلس إدارة شركة «بي آند أو» سحب توصيتهم بقبول عرض شركة «بي إس أيه» السنغافورية، وأوصوا بالإجماع بأن يصوت حملة الأسهم لصالح عرض شركة موانئ دبي العالمية البالغ قيمته 8 ,6 مليارات دولار.

وبالتبعية ستوكل للشركة الإماراتية تشغيل موانئ بالتيمور وميامي ونيوجيرسي ونيوأورليانز وفيلادلفيا. وعند هذه المرحلة، بدأت بعض الأصوات القليلة في الكونغرس في ترويع المواطن الأميركي بأن الصفقة تضر بالأمن الداخلي،ومن بينها تشارليز إيسكومير عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، وجاءت إثارة هذه المخاوف من جانب ريتشارد شيلبي عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الجمهوري.

ثم تلاه كل من هيلاري كلينتون وروبرت مينينديز عضوي مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي، على أن شركة «بي آند أو» تمتلك عمليات مؤثرة في موانئ نيويورك ونيوجيرسي وبالتيمور ونيو أورليانز وميامي وفيلادلفيا، وتصنف وزارة الدفاع الأميركية خمسة من هذه الموانئ ضمن 14 ميناء ذا أهمية إستراتيجية قصوى.

وتزامن مع اللغط السياسي في الكونغرس، قيام شركة إيلير الشريك بنسبة 50% مع شركة بي آند في شركة كونتيننتال إستيفيدورينج آند تيرمينالز .

والتي تقوم بتشغيل إحدى محطات الحاويات في ميناء ميامي برفع دعوى قضائية ضد شركة «بي آند أو» تطالبها فيها بدفع بغرامة قيمتها 10 ملايين دولار كتعويض عن للأضرار التي لحقت بها من جراء الصفقة مع شركة موانئ دبي العالمية.

وزعمت في عريضة الدعوى أنه لم يتم استشارتها بشأن الصفقة، ولذلك فهي أصبحت شريكا في إدارة ميناء ميامي مع شركة موانئ دبي العالمية بشكل قسري، وادعت كذالك أن صفقة بيع شركة بي آند أو لشركة موانئ دبي العالمية غير مجازة بموجب عقد المشاركة بينها وبين شركة «بي آند أو».

وزايدت في دعواها القضائية بإشارتها إلى أنه نظرا لنهوضها بمسؤولياتها في المشاركة الكاملة في الأمن الوطني لمنع الهجمات على الولايات المتحدة، فإن الشركة تعارض نقل ملكية شركة «بي آند أو» لدبي وتطلب من المحكمة وقف الصفقة.

ولم يحل تصاعد ما وصفه البعض بالمهاترات السياسية شركة «موانئ دبي العالمية» دون شعورها بالاطمئنان بأن الصفقة ماضية في طريقها، بل وقللت من تأثير الدعوى القضائية التي رفعتها شريكة شركة «بي آند أو» في إدارة محطة الحاويات في ميناء ميامي، مؤكدة أنه تم الحصول على كافة موافقات القنوات التنظيمية.

وقد تحقق لها هذا الأمر، بإقرار المحكمة البريطانية العليا صفقة الاستحواذ، وأكدت موانئ دبي بعدها أنها أنجزت جميع الشروط والإجراءات المتعلقة بالصفقة. وانطلقت الدبلوماسية الإماراتية في تعاملها مع هذا الوضع البالغ التعقيد، وفي جعبتها الكثير من الأوراق المؤثرة.

شفافية الدبلوماسية الإماراتية

فمن جانب، جرى إبرام صفقة استحواذ شركة موانئ دبي العالمية على شركة «بي آند أو» تحت سمع وبصر الجميع، وليس في الكواليس المظلمة، وهو الأمر الذي جعل الدبلوماسية الإماراتية تتميز بالشفافية والعلنية في تعاملها مع هذا الموضوع.

وقد لفت الاهتمام هنا واقع أن الضجة وحملة التشكيك بشأن الصفقة، قد ظهرت فجأة، مما أعطى الانطباع بأن أصحاب حملة التشكيك قد أصيبوا بهول المفاجأة عندما تطرق إلى مسامعهم أنباء الصفقة.

كما لو كان قد جرى ترتيب الصفقة في الكواليس المظلمة بعيدا عن الأعين والأبصار، ولكن الحقيقة تقول غير ذلك تماما، حيث أنه ومنذ نهاية شهر نوفمبر الماضي، بدأت الأخبار في التدفق بشأن الصفقة.

وجاء في متن الأخبار أن شركة «بي آند أو» تقترب من التوصل إلى اتفاق لبيعها إلى شركة موانئ دبي العالمية بقيمة تزيد على 3 مليارات دولار وربما تصل قيمة الصفقة 1,5 مليارات دولار، وهو ما سوف يؤدي إلى خلق كيان عالمي جديد في تشغيل الموانئ.

كما أنه من المعلوم للجميع أن شركة «بي آند أو» تدير محطات الحاويات في حوالي 30 مدينة حول العالم، وتمتلك الكثير من المواقع المهمة في آسيا وشمال أميركا وأوروبا، ويعلم الجميع أيضا أنه بإضافة أعمال شركة «بي آند أو» سوف تصبح شركة موانئ دبي العالمية ثالث أكبر مشغل للموانئ في العالم.

ولهذا توقع المتابعون لسير الصفقة أن مشغلي الموانئ في هونج كونج وسنغافورة والدنمرك وأماكن أخرى من سيقومون بتقديم عرض منافس لشراء شركة «بي آند أو»، وهو الأمر الذي حدث بالفعل.

حيث بدأت الصفقة في التحول إلى منازلة دولية، بعدما أعلنت شركة «بي أس إيه» تقديم عرض منافس. وهذه الشركة مملوكة لهيئة الاستثمار السنغافورية «تيماسيمك» وقدمت عرضا بقيمة 25 ,6 مليارات دولار أميركي، وبالتالي فإن العرض الأساسي لشركة موانئ دبي العالمية كان يبلغ 1 ,5 مليارات دولار و قفز مدفوعا بالعرض المنافس لشركة «بي إس أيه» وصعود أسعار أسهم شركة «أيه آند أو».

وبعبارة أخرى، جرت تفاصيل المنافسة بين الشركتين على الملأ، حيث أن الأطراف المعنية كانت على علم بأن المنافسة لها منطقها الجاري المحض.

إذ أن شركة «موانئ دبي العالمية تسير على طريق النمو والتوسع المطردين، من خلال عمليات الاستحواذ كاستحواذها على شركة «سي إس إكس» الأميركية، ومع إضافة شركة «بي آند أو» فإن ترتيب شركة موانئ دبي العالمية سيقفز إلى مرتبة ثالث أكبر مشغل للموانئ في العالم.

عالمية الصفقة

أما الورقة الثانية التي امتلكتها الدبلوماسية الإماراتية كون أن القضية هنا لا تتعلق بالموانئ الستة الأميركية، وإنما هي قضية عالمية، إذ أن المنافسة ليست محصورة على أصول وحقوق شركة «بي آند أو» في الولايات المتحدة فحسب، وإنما تطول أصولها في كل الموانئ في أرجاء المعمورة، ووفقا للخبراء، تعتبر شركة «بي آند أو» بمثابة جائزة كبرى.

ولاحظت مؤسسة «فيتش» أنه على الرغم من أن شركة بي آند أو تشغل الترتيب الرابع ضمن أكبر مشغلي الموانئ في العالم، إلا أن محفظتها تفوق من يعلوها في الترتيب من زاوية التنوع الجغرافي. وهو ما يعني أن لديها موانئ تغطي قارات العالم.

وفي سوق مغلق على غرار سوق تشغيل الموانئ، تعتبر الصفقة بمثابة انقلاب تاريخي، حيث تتجاوز في أهميتها مسألة قيمتها التي تتجاوز 3 ,3 مليارات جنيه استرليني، ليصبح الأمر متعلقا بحيازتها من الأصول والحقوق، وهي تعد أصولا حيوية في التجارة العالمية.

بالنظر إلى ازدهار تجارة السلع المصنعة الزهيدة التكلفة في آسيا وبروز الصين كقوة اقتصادية، وبالتالي، فإن المنافسة تدور حول السيطرة على الموانئ التي تنطلق منها السلع الرخيصة المصنعة في آسيا، والموانئ التي تستقبل هذه السلع في الولايات المتحدة وغرب أوروبا وأماكن أخرى من العالم.

ومع تواصل عولمة التصنيع، صار من المتوقع أن ينمو بقوة سوق الشحن البحري، الحاويات، وفي هذا المجال، تعتبر موانئ شركة «بي آند أو» من بين أصول الموانئ الأخيرة المتاحة للبيع، أما بقية الأصول، فهي إما أنها خاضعة لسيطرة الدول، أو شركات غير مهتمة ببيع أصولها، وعندما تفكر في ذلك فإن الأمر سوف يستغرق عدة سنين.

وقد عبر عن ذلك نيل دافيدسون رئيس قسم الموانئ في شركة «دريوري للاستشارات الملاحية» Drewry Shipping Consultants ومقرها لندن بقوله «إن عمليات بي آند أو في آسيا وشمال أميركا والمملكة المتحدة تعتبر أصولا جوهرية ورئيسية».

وأضاف «إذا ما قامت شركة بشراء شركة «بي آند أو»، فإنها ستحصل على الشريحة الأكبر من السوق الهندي، كما أنه بإمكان المشتري المحتمل أن يبني مركزا في المملكة المتحدة وهو أمر نادر الحدوث».

عبثية المخاوف الأمنية

وحوت جعبة الدبلوماسية الإماراتية على ورقة رابعة، تمثلت في عدم استناد المخاوف الأمنية التي أثارها بعض أعضاء الكونغرس إلى أية أسس منطقية، وهو ما أدى إلى خلق حالة من البلبلة في أوساط الخبراء والمحللين إلى حد أن طرح بعضهم سؤالا حول ما هي القضية بالضبط ؟

هل قيام شركة موانئ دبي بإدارة الموانئ الأميركية الستة معناه أن الولايات المتحدة تتجه إلى كارثة أمنية من العيار الثقيل؟ أم أن الصفقة برمتها موضوع يدخل في إطار المنافسات التجارية الدولية، وما يثار من مخاوف بشأنها لا يعدو أن يكون سوى ضجة مفتعلة من لا شيء؟

ورد البعض على هذه الانتقادات بأنها تعد ضرباً من الخيال والجنون، فهي تصور الأمر بما يشبه الفانتازيا السينمائية التي تحبك مشاهدها الدرامية على أساس الوصول بالمشاهد إلى ذروة الخوف، وتنسج فصولها على أساس أن هناك قنبلة نووية تنتظر تولي شركة موانئ دبي العالمية الموانئ الأميركية لكي يتم شحنها إلى هناك.

وربما يجد الضرب على وتر الخوف ـ من وجهة نظر البعض ـ صداه لدى جمهرة الرأي العام، خاصة وأن الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد الإرهاب، وهو ما يدعوها لأن تكون أكثر تبصراً بالمخاطر المختلفة.

ولكن يبدو في رأي البعض أن ثقافة الخوف والتي تعتبرها هيلاري كلينتون آفة الجمهوريين قد انتقلت إليها شخصياً، حيث إنها صارت تعتنق هذه الثقافة، وهي تتجه الآن صوب عرقلة كل الصفقات التي تتعلق بالموانئ الأميركية وليس صفقة شركة «بي آند أو».

وتساءل بعض المحللين عما إذا كانت الولايات المتحدة قد وصلت إلى هذه الدرجة المتدنية من الهشاشة الأمنية، بحيث تلجأ إلى تشريع قانوني للحيلولة دون إتمام صفقات تتعلق بالموانئ الأميركية كما لو كان ليس لديها جمارك أو سلاح بحري يقوم بحماية الموانئ. وكما لو كان رجال البحرية سيستقبلون السفن التي تقل الإرهابيين بأيادي الترحيب.

ويجيب هؤلاء المحللون عن هذه الأسئلة بالقول ان الولايات المتحدة لم تصل إلى هذا المستوى المتدني، وانه من غير الممكن فهم قرع أجراس الخطر، وبالتالي، فانه من غير المستساغ قبول مثل هذه الطريقة في التفكير.

وخلص الخبراء هنا إلى أنه سيبدو غريبا وغير منطقي أن تغير الإدارة الأميركية رأيها ليس لأي سبب سوى أن شركة موانئ دبي العالمية هي شركة عربية.

خصوصا وأن الخبراء في مجال الأمن يجمعون على أن الصفقة لا تنطوي على أيه مخاطر أمنية. وتتعدد هنا شهادات الخبراء، فمن جانب قال كيم بيتريسين رئيس شركة فورت لوداردال Fort Lauderdale-based SeaSecure انه من غير المحتمل أن تجد مواطنين من دولة الإمارات يديرون الأمن أو حتى يقومون بتشغيل أي ميناء أميركي».

كما قالت هارلان آلمان مستشارة في شؤون الأمن القومي في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية بواشنطن» ان الصفقة ليست القضية، وإنما القضية هنا تتعلق بمدى إمكانية تسلل الأشخاص.

وهو أمر وارد حدوثه سواء أكانت الجهة التي تتولى ادارة الميناء أميركية أو غير أميركية. وقال أيضا ريك إيفيردام محرر نشرة The Florida Shipper أنه من المعتقد أن شركة موانئ دبي العالمية ستبقي على أغلبية العاملين في شركة «بي آند أو» وأنه سوف تحدث القليل من التغييرات فيما يتعلق بالموانئ الأميركية.

وعلى الصعيد نفسه، قال كيم بيترسون رئيس شركة سي سيكيور والمدير التنفيذي لمجلس الشحن البحري والذي يمثل 70 % من عمليات الشحن في العالم، ان المخاوف المثارة بشأن الأمن الأميركي مبنية على تعصب أعمى وانه من العار على سياسيين ان يختلقوا قضايا يعتقدون أنها سوف يكون لها صدى لدى الجمهور.

وأضاف أن التصور بأن دبي بصدد السيطرة على الموانئ الأميركية أو أنها سوف تقوم بوضع المقاييس مجرد إشاعة كاذبة وافتراء وكلام مضلل وخادع، واستدرك موضحاً أن شركة موانئ دبي العالمية شأنها شأن كل مشغلي الموانئ ستكون ملتزمة بتطبيق قانون أمن النقل البحري الذي أصدره الكونغرس في عام 2002 وميثاق أمن منشآت الموانئ والسفن الدولية الصادر في عام 2004.

وكلا القانونين يضعان المقاييس التي تطبق في الولايات المتحدة من قبل حرس السواحل. وقال ان المعارضين ينحدرون في انتقاداتهم إلى حد التعصب الأعمى ضد العرب.

وعلية فان الضجة المثارة بشأن الصفقة لا تستند إلى الحقائق الموجودة على الأرض.

ويبرز من بينها واقع أن حرس السواحل والجمارك الأميركية هما المسؤولان عن فحص الشحنات القادمة والركاب والأطقم وليس مشغلي المحطات، كما أنهما مسؤولان عن أمن الموانئ.

إدارة أجنبية للموانئ الأميركية

كما امتلكت الدبلوماسية ورقة خامسة، تمثلت في كون شركة «بي آند أو» التي كانت تدير الموانئ البريطانية هي شركة بريطانية، وهو ما جعل البعض يعبر عن استغرابه من عدم استساغة قلة من أعضاء الكونغرس قيام شركة أجنبية بإدارة الموانئ الأميركية، ويتساءلون هنا بتعجب:

أو ليست شركة «بي آند أو» البريطانية التي أدارت الموانئ الأميركية هي شركة أجنبية ؟. وتزداد مشاعر الاستغراب كون الصفقة ليست عملية بيع لشركة أميركية لشركة موانئ دبي العالمية، إنما هي عملية بيع لرابع أكبر شركة إدارة محطات حاويات في العالم وهي شركة بريطانية لسابع لأكبر شركة إدارة موانئ في العالم وهي شركة موانئ دبي العالمية.

وتعتبر شركة «بي آند أو» واحدة من الشركات التي تتمتع بباع طويل في مجال الشحن البحري وإدارة الموانئ، ويضرب تاريخها في هذا المجال بجذوره في تاريخ الإمبراطورية البريطانية.

الشرق الأوسط الكبير

أما الورقة السادسة التي امتلكتها الدبلوماسية الإماراتية، فتتمثل في الموقع المهم التي تشغله الإمارات في إطار المبادرة الأميركية الخاصة بإقامة شرق أوسط كبير.

وهو ما جعل البعض يتساءل عن مدى منطقية أن تقوم إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بتغيير رأيها بشأن الصفقة، بأن تستجيب لحملة المشككين، في الوقت الذي تتبنى فيه الإدارة الأميركية مشروع الشرق الأوسط الكبير.

وفي الوقت الذي تروج فيه لإقامة منطقة تجارة حرة كبرى، تضم كافة دول المنطقة، إذ اقترحت الإدارة الأميركية إقامة منطقة التجارة في الشرق الأوسط والتي تربط 22 دولة بحلول عام 2013.

ودخل اتفاق التجارة الحرة مع المغرب حيز التنفيذ في 1 يناير الماضي، وتم التصديق على اتفاق مماثل مع البحرين في شهر ديسمبر الماضي.

ومن المتوقع أن يدخل حيز التنفيذ في شهر مارس المقبل علاوة على اتفاقات تجارية حرة موجودة بين الولايات المتحدة وكل من إسرائيل والأردن. وبالتالي، فان القضية هنا لا تتعلق فحسب بقوة علاقات التحالف بين الولايات المتحدة والإمارات فحسب.

وإنما كذلك في النموذج الذي تقدمه الإمارات في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير، فهي من الدول القليلة في المنطقة التي تطبق اقتصاديات السوق الحرة بكافة أبعادها، وهي مرتبطة في نموذج تطورها بالغرب، وتمتلك بنية تحتية بالغة الحداثة.

وما يدل على أهمية دولة الإمارات في مشروع الشرق الأوسط الكبير، هو ما جرى مؤخرا من إطلاق مبادرتين في دولة الإمارات ستعملان على تعزيز مشاركة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط، في إطار الجهود القائمة لمساندة الإصلاحيين الذين يسعون إلى زيادة الحريات والفرص في المنطقة.

ويبدو أن الدبلوماسية الإماراتية تحركت وهي على إدراك كامل بمواطن قوتها، ولهذا تدرجت في مواقفها حسب درجات حدة تعقيدات الوضع، بحيث صار ينطبق عليها مجازا وصف «المقطوعة الموسيقية» المتناغمة الإيقاعات.

كتب مجدي عبيد: