سجلت أسعار المشتقات النفطية ارتفاعا كبيرا خلال الأسبوع الحالي في محافظة الأنبار غرب العراق على خلفية الأوضاع الأمنية المتدهورة وتداعيات الأحداث الأخيرة عقب تفجيرات الأضرحة الشيعية في سامراء يوم 22 فبراير الماضي.

وأرجع أحد المسؤولين عن توزيع المنتجات النفطية في الانبار رفض الكشف عن اسمه أسباب ذلك إلى ما وصفه بعجز الحكومة ووزارة النفط كونها بعيدة عن نبض الشارع العراقي والواقع المرير الذي يعيشه المواطن العراقي.

وقال إن إجراءات المسؤولين الحكوميين تفتقر إلى دقة احتياجات المحافظات من حصص النفط فضلا عن سوء التوزيع. ورغم ارتفاع سعر لتر البنزين في الانبار خلال هذا الأسبوع إلى ألف دينار عراقي (قيمة الدولار الواحد تساوي 1780 دينارا عراقيا)، لكنه شحيح أيضا وغير متوفر سواء بمحطات توزيع الوقود أو في السوق السوداء ولذلك ارتفعت أسعاره.

ولا تتوفر أيضا المشتقات الأخرى مثل وقود الديزل في مدن المحافظة كما أن أسعارها لا تقل عن أسعار البنزين.

وتقع الانبار ذات المساحة الشاسعة والتي تشكل ثلث مساحة العراق غرب العاصمة بغداد ومن مدنها الفلوجة والرمادي والخالدية والقائم وهيت وحديثة وراوة وعنة وغيرها. وتمثل هذه المحافظة تحديا للوجود الأميركي كما أنها أصبحت كذلك مسرحاً للعمليات العسكرية التي طالت معظم البنى التحتية والخدمات.

وتشير استطلاعات الرأي للمراكز البحثية العراقية إلى أن 50 في المئة من إجمالي عدد ضحايا المدنيين العراقيين كانت من نصيب محافظة الانبار سقطوا جميعا في العمليات العسكرية المتواصلة بين العناصر المسلحة والقوات الأميركية.

وقد تردت الأوضاع الخدمية وتفاقمت منذ النصف الثاني من العام الماضي وحتى الوقت الحالي.واتهم عبد الله إبراهيم وهو صاحب محطة البشائر لوقود البنزين بالفلوجة وزارة النفط العراقية بحجب حصص المحافظات وبيعها في السوق السوداء.

وقال «لقد أصبح موظفو الوزارة من أثرى الأثرياء بالعراق في الوقت الحاضر» كما اتهم القائمين على الوزارة بعدم الشعور بهموم المواطن العراقي ولاسيما بالأنبار.

وبجانب أسعار المشتقات النفطية هناك أيضا المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بشكل لم تشهده المحافظة من قبل. ويرجع التاجر عبد الكريم محمود صاحب أكبر أسواق تجارية غذائية بالرمادي هذا الارتفاع إلى ارتفاع أسعار الوقود مما أدى إلى رفع أجور النقل التي شملتها الزيادات الأخيرة.

وشكلت أحداث «الأربعاء الأسود» وهو لقب يطلقه العراقيون على تفجيرات مرقد الإمامين بسامراء في فبراير الماضي وتداعياتها المأساوية أحد أسباب ارتفاع الأسعار حيث فقد كثير من العراقيين أرواحهم في بغداد في إطار عمليات وصفت بالبدايات الأولى لحرب طائفية وخلقت حاجزاً من الخوف لدى المواطنين الذين عزفوا عن التنقل بين بغداد والانبار.

وشكا الموظف المصرفي أسامه محمد من ثورة الأسعار للسلع والمشتقات النفطية التي لا تتناسب وراتبه الشهري وقال «إن راتبي 153 ألف دينار عراقي ويرافقني الإفلاس منذ نهاية الأسبوع الثاني من استلام راتبي الحكومي».

ويبقى العراق يواجه نذر حرب أهلية تقف أمامها تصريحات زعامات دينية عقلانية لتهدئتها وارتفاع أسعار مشتقات النفط في بلد من أغنى بلدان العالم بالنفط واحتقان نفسي من تداعيات وضع العراقيين التي يقول أبناء الانبار إنها تنبع من ثلاثية الاحتلال والفوضى والحراك السياسي غير المتوازن لقادة الأحزاب السياسية.

كأن الهجمات التخريبية وعمليات القتل وانهيار البنية التحتية ليست كافية لبلد يسعى جاهدا لإصلاح الدعامة الأساسية لاقتصاده.

فمن شأن فشل العراق في تشكيل حكومة بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات أن يدفع صناعة النفط الى الغوص أكثر في المستنقع.

ويقلص الغموض السياسي الذي يكتنف العراق الذي توجد في أراضيه ثالث أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم أي مصداقية تبقت له كمورد عالمي للخام.

وتقول وزارة النفط من جانبها ان ضائقة مالية تهدد حتى الإمدادات المحلية مما قد يثير غضبا شعبيا عاماً.

وهوت الصادرات الى أدنى مستوى لها منذ ذلك الحين مسجلة 1 ,1 مليون برميل يوميا في ديسمبر بسبب الهجمات التخريبية في الشمال والطقس السيئ في الجنوب فضلاً عن المشكلات تتعلق بانتظام إمدادات الكهرباء وغيرها.

وتحسن مستوى الصادرات كثيراً الآن حيث بلغت 3 ,1 مليون برميل يوميا في فبراير.وأدى انتشار العنف والتخريب الى نقص حاد في الوقود مما أجبره على استيراد حوالي نصف احتياجاته من البنزين.

وزادت الحكومة الأسعار المحلية ثلاثة أمثالها مما أغضب الكثير من العراقيين. وتواصل الحكومة التحكم في الأسعار مما يشجع سوقاً سوداء مزدهرة للوقود لأولئك غير الراغبين في الانتظار في طوابير لساعات بل وأيام في بعض الأحيان لتعبئة سياراتهم.

وحذر جهاد أن وزارة النفط قد لا يصبح بمقدورها الوفاء بالتزاماتها ما لم تتشكل حكومة في أقرب وقت.

وقال إن الوزارة تتوقع مواجهة الكثير من المشكلات وربما أزمة اذا تأخر تشكيل الحكومة موضحا أن الوزارة قد لا تتمكن من تلبية كل الطلب على النفط نظراً لحاجتها إلى الدعم المالي من الحكومة.

وتابع قائلاً إن ميزانية وزارة النفط لعام 2006 أقل من نصف ميزانيتها في 2005 مضيفا أنها تحتاج المزيد من المال في ظل الهجمات على خطوط الأنابيب وفي ظل الوضع الأمني الراهن وأنه من المفترض أن تأتي تلك الأموال والقرارات بشأنها من الحكومة.

وينتظر قطاع النفط العراقي سن قانون لتنظيم الاستثمار الأجنبي في قطاع النفط وجذب الشركات العالمية.ويتعين أن تصادق على القانون لجنة برلمانية لكن مثل تلك المسائل لن تناقش قبل تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات بموجب دستور سن في أكتوبر.

وقال مسؤول رفيع في وزارة النفط العراقية: «الحكومة المؤقتة ليس بمقدورها إبرام صفقات وتوقيع عقود... وكلنا يعلم أنه بدون استثمار أجنبي لن تنمو الصناعة».

كما يبدي مسؤولون في بغداد وبعض محللي الطاقة الدوليين قلقهم بشأن طموحات السلطات الإقليمية في العراق لإبرام صفقاتهم الخاصة في القطاع متجاوزة بذلك حكومة بغداد وذلك بعد ما تعززت صلاحيات هذه السلطات حديثا بموجب الدستور الجديد.

وتمثل احد سبل معالجة هذا الوضع في إيضاح وتقييد سلطات الأقاليم في قانون الاستثمار النفطي.وقال مسؤول وزارة النفط العراقية: «يحتاجون إلى الانتهاء منه سريعا وإلا ستقع فوضى» محذرا من التضارب بسبب الاتفاقيات التي أبرمتها السلطات الاقليمية.

وتابع: «بدأنا نرى بوادر ذلك في الجنوب».وأضاف «أيضا في الشمال تبرم الحكومة الكردية اتفاقيات مع شركات نفطية دون الرجوع الى الحكومة المركزية» مشيراً الى اتفاق تنقيب أعلن العام الماضي مع شركة نرويجية.

وتابع «اذا استمرت بهذا المنوال ستزداد الأمور سوءاً».وقال مسؤول كبير آخر «حتى اذا تشكلت حكومة الآن فإنها ستحتاج إلى وقت طويل لإنعاش القطاع»