حذر دونالد كمرفيلد، رئيس الجمعية الدولية للمطبوعات الدورية، من خطورة الانصياع لرغبات المُعلن الترويجية على حساب الهوية التحريرية للصحيفة، مؤكدا أن فقدان ثقة القارئ يضيع مصداقية المطبوعة للأبد.
وفي حوار خاص مع« البيان» على هامش مؤتمر الشرق الأوسط للنشر،الذي اختتم أعماله في دبي مؤخراً، أوضح المسؤول الدولي أن التنافس المحموم بين الناشرين في المنطقة الخليجية قد حال دون إنشاء إتحاد للناشرين .كما أوصت دورة العام الماضي من المؤتمر ذاته. وتطرق المسؤول إلى عدد من القضايا، منها المعوقات التي تواجه صناعة النشر في المنطقة العربية. وفيما يلي نص الحوار. * في البداية أود التعرف على رؤيتك لدور الناشر في الآونة الحالية في أعقاب التغيرات الجذرية التي طرأت على صناعة الصحافة والنشر في العالم على امتداد السنوات الأخيرة لاسيما في ضوء التدفق اللامحدود للمعلومات سواء من خلال الشبكة العالمية أو وكالات الأنباء أو المحطات الفضائية، إلخ.
ـ لدى الناشر والصحافي الآن فيض من المعلومات والأخبار لم يكن متوافراً بأي شكل من الأشكال في الماضي القريب، وذلك في ضوء الانتشار الرهيب للإنترنت ووكالات الأنباء العالمية.
غير أن ذلك الواقع الذي نعيشه نحن المسؤولين عن تلك الصناعة ويعيشه معنا الصحافيون، كل في مجاله، فرض مزيدا من التحديات بدلا من أن يزيد من سهولة العمل الصحافي.
فهذا الواقع فرض على الصحافي ضرورة اختيار ما يكتب في ضوء ما هو متاح من حرية وفي ضوء ما يفرضه عليه المجتمع من قيود وفي ضوء ما تحمله بعض القضايا من حساسية بالغة على المستويين الحكومي والشعبي.
فقد أصبح لزاما على الصحافي أن يختار ما يمكن أن يكتب فيه وما لا يمكن أن يتعرض له، وهو أمر في غاية الصعوبة أن تجد لديك المعلومات وفي الوقت ذاته لا يمكنك الكتابة عنها أو الخوض فيها.
وعلى الرغم من أنني لست هنا في موقف الحكم على ما يحدث في منطقتكم، إلا أنني أرى أن تلك الإشكالية تعوق عمل الصحافي والناشر بشكل يفوق مثيله في مناطق أخرى كثيرة من العالم لا يوجد فيها أي نوع من الرقابة على ما يُكتب.
ولكنني في الوقت ذاته لا يمكنني القول إن الرقابة الذاتية على ما يكتب وما يُنشر هي أمر مقصور على منطقة الشرق الأوسط فحسب، إذ أن تلك الرقابة موجودة أيضا في أماكن أخرى كثيرة من العالم بما فيها الدول الغربية أيضا.
وفي هذا الصدد لا يمكنني إخفاء تعاطفي مع الناشر والصحافي. ولكن على الرغم من القيود المفروضة على عملية النشر والتعبير فإن الصحافي في الوقت ذاته مطالب بأن يعمل على التركيز على ما يهم القارئ.
وعلى إعطاء أولوية للموضوعات التي يعرف أنها تلمس أجزاء مهمة من معاناة القارئ واهتماماته وما يريد أن يعرفه ويكتسبه من الصحيفة محل القراءة.
ولا شك أن هذا الأمر يتطلب قدرة كبيرة على النفاذ إلى عقلية القراء وتبيان ما يفضلون معرفته. وهنا ينبغي أيضا الإشارة إلى نقطة مهمة للغاية .
وهي عدم تفضيل ما يريده المُعلن أو ما تريده الحكومة على ما يريده القارئ، ما يعني أن الأمر يتطلب شجاعة كبيرة من قبل الناشر في المقام الأول.
* الحديث يقودنا إلى التطرق إلى قضية المعلنين وما يتم فرضه من ضغوط من قبلهم.
ـ أعتقد أن أهم نقطة يمكن أن تقال في هذا الشأن هي العمل على إعطاء أولوية إلى احتياجات القارئ وتوقعاته من الصحيفة التي يقرأها.
سوق النشر يزخر بأنواع عديدة من المجلات التي تخاطب مختلف الاتجاهات والميول، ومنها مجلات المشاهير والفضائح والشائعات ومجلات الفن والترفيه وغيرها.
في مثل تلك المجلات يتبين أن القارئ لا يولي اهتماما كبيرا إلى عامل المصداقية فيما يقرؤه. غير أن الوضع يختلف كل الاختلاف عندما يأتي لقراءة المجلات الطبية أو الاقتصادية المتخصصة وكذلك الصحف اليومية.
فهُنا يتعاظم دور عامل المصداقية لدى القارئ، الأمر الذي يدفعنا إلى تحري الدقة فيما يُكتب وإلى عدم الاستخفاف بالقارئ لصالح المعلن.
وهنا أعني بالضرورة العمل التحريري في الصحف. فهذا المبدأ لا يمكن تطبيقه في جميع أنواع المجلات حتى نكون واقعيين ولكنه يجب أن يمثل أولوية في الصحف.
فالناشر يجب أن يعلم أنه عندما يفقد مصداقية القارئ فإنه من المستحيل استرجاعها مرة أخرى. إذاً فالمصداقية تأتي دائما قبل رغبة المُعلن.
فعندما يطلب منك المعلن أن تنشر اسم منتج ما داخل مقال تحريري لا يبدو من الوهلة الأولى للقارئ أنه مقال إعلاني، عندما يطلب منك المعلن ذلك ينبغي رفض الطلب فورا لأن الاستجابة له في هذا الطلب تنطوي على خطورة كبيرة تتمثل في إمكانية فقدان ثقة القارئ الذي عندما يكتشف أنك لا تتحدث بشكل موضوعي من المستحيل أن يصدقك في أي معلومة تنقلها إليه بعد ذلك.
وأنا هنا لا أدعو إلى تطبيق هذا المبدأ في جميع أنواع المجلات والصحف ولكنني أدعو إلى حماية مصداقية الصحيفة والانحياز إلى مبدأ احترام عقلية القارئ في مواجهة أي ضغوط.
وهنا يأتي عنصر آخر يجب الالتزام به، ألا وهو عنصر الشفافية. فإذا كان لديك إعلان تحريري فلتوضح أنه إعلان ولا تضعه أبدا في صورة مقال بهدف خداع القارئ ودفعه دفعا إلى قراءته في صورة مادة تحريرية وليست مادة إعلانية.
* ماذا عن صناعة الإعلان في المنطقة العربية؟
ـ أعلم بشكل كامل أن صناعة النشر في المنطقة العربية لاسيما الخليجية تعتمد بشكل كبير للغاية على الإعلانات، الأمر الذي يعطي فرصة للمُعلن أن يفرض كلمته في أحيان كثيرة.
الوضع مختلف إلى حد كبير في دولة مثل بريطانيا على سبيل المثال وليس الحصر. فالمُعلن في بريطانيا لا يأتي سوى بـ 35 % فقط من الإيرادات والباقي يأتي من خلال القارئ.
في حين أن النسبة الأعظم من الإيرادات في دول الخليج تأتي من خلال المعلن، مما يجعل من الصعوبة بمكان مقاومة رغبات هذا الأخير.
ففي الغرب تأتي النسبة الكبرى من الإيرادات عن طريق القارئ وليس المعلن، الأمر الذي يعطي الأولوية للقارئ على حساب المعلن.أما في المنطقة العربية فالوضع مختلف تماما.
وكلما زاد الإيراد القادم عن طريق القارئ، زادت استقلالية المطبوعة وتعاظم تحررها من قبضة المعلن وضغوطاته. فلا شك أن صناعة الإعلان صناعة خطيرة للغاية ويجب التعامل معها بعناية شديدة.
وهناك نقطة مهمة للغاية في هذا الشأن أثبتتها الدراسات، ألا وهي أنه عندما ترفض أنت طلب المعلن في أن يتم تضمين منتجه الترويجي داخل مادة تحريرية بشكل يخدع القارئ، فإن هذا المُعلن سيرجع إليك حتما في النهاية عندما يدرك أن المصداقية عندك هي الأساس ولها الأولوية، وهو الأمر الذي يساهم بشكل رئيسي في رفع معدل التوزيع.
* أود الانتقال إلى قضية أخرى وثيقة الصلة بقضية الإعلانات، ألا وهي ظاهرة التوزيع المجاني للصحف التي انتشرت بشكل كبير في الآونة الأخيرة؟
ـ لقد انتشرت تلك الظاهرة في العالم أجمع وليس في منطقتكم بشكل خاص. والأمر هنا يرجع إلى سببين. طوال الخمسين عاما الماضية كان هناك اعتقاد سائد بين المعلنين يفيد بأن القارئ سيتابع فقط الجريدة التي يدفع ثمنها.
وبالتالي سيقرأ ما بها من إعلانات ولن يلتفت بأية حال من الأحوال إلى الصحيفة التي تأتي له بشكل مجاني مفروض عليه. وكان هذا بمثابة انطباع ضمني لدى جميع المعلنين طوال أكثر من خمسين عاما وأكثر.
غير أن هذا المفهوم قد تغير خلال الأعوام الأخيرة. فقد أثبتت الدراسات والبحوث التي قامت بها دور النشر والإعلام المرئي أن متابعة القارئ للمحتوى التحريري الموجود في الصحيفة ليس له أي علاقة بالطريقة التي يحصل من خلالها على تلك الصحيفة.
فهو سيقرأ المحتوى التحريري الذي يريده سواءً كان قد اشترى الصحيفة أم أن تلك الصحيفة قد جاءته بشكل مجاني. وبالتالي فإن افتراض أن القارئ سيتابع فقط ما يشتريه قد تلاشى. ومع هذا التلاشي ظهر العامل الثاني الأكثر أهمية وهو عامل التكلفة.
وهنا تبين الآتي: بعد دراسة تكلفة جميع العناصر التي تدخل في عملية إنتاج الصحيفة على مدار عشرين عاما تبين أن أكثر العوامل تكلفة هو عامل التوزيع .
وأن هذه التكلفة هي الأكثر ارتفاعا بين جميع النفقات الأخرى.فتكاليف التوزيع هي التي تواصل الارتفاع دائما، إذ تبين أن عملية نقل الصحف وتوزيعها في المناطق المزدحمة هو الجزء الأكثر تكلفة بين جميع مراحل إنتاج الصحيفة. وتبين أنه لا توجد أي وسيلة لتقليص تلك التكلفة بأية حال من الأحوال بالمقارنة بالتكاليف الأخرى.
فمن الممكن خفض التكلفة التحريرية عن طريق توظيف عدد أقل من المحررين وكذلك تقليص تكلفة الإخراج والتصميم، إلخ، عن طريق المبدأ ذاته.
غير أنه من المستحيل تقليص تكلفة التوزيع. ومن ثم فإننا وصلنا إلى قناعة تفيد بأن ما نحصل عليه من إيرادات من عملية بيع الصحف يكاد لا يغطي تكلفة عملية التوزيع.
وعندما وصلنا إلى تلك القناعة تكونت لدينا فكرة الاستغناء عن عملية التوزيع تلك التي تكلف أكثر مما تُدر، لاسيما أنه تبين أن الناشر،و كذلك المحرر، سينجحان من خلال التوزيع المجاني للصحف في الوصول إلى شريحة أكبر من القراء وبشكل أكثر فعالية وتأثيرا بالمقارنة بوضعها على أكشاك بيع الصحف.
وعندما تصل إلى عدد القراء الذي تريده فإن الأمر يساعدك كمحرر على إخراج كل ما لديك بشكل أكثر إجادة لاسيما عندما تعلم أن مادتك ستصل إلى مثل هذا الكم الهائل من القراء.
وفي الوقت ذاته فإن الأمر سيساعد بشكل كبير المعلن الذي ستتسع لديه قاعدة القراء الذين يتعرفون على منتجه. وفضلا عن ذلك كله فإن معدل التوزيع سيتعاظم.
وفي ضوء كل تلك العوامل يتبين أن هناك أسبابا قوية تدعو إلى اللجوء إلى التوزيع المجاني للصحف شريطة الاحتفاظ بالجودة الصحافية للمادة المقدمة لتلك الشريحة الهائلة من القراء.
* ذكرت أن منطقة الشرق الأوسط ليست هي الوحيدة في العالم التي تعاني من وجود ذلك الكم الكبير من القيود والموضوعات غير القابلة للنشر، ولكن ألا ترى أن حجم القيود الصحافية في العالم العربي هو بالفعل فريد من نوعه ؟
ـ حسنا. أنا قمت ببعض الأنشطة في بلاد عديدة مثل الصين، حيث تبين لي أن حجم القيود لا يقل عن تلك ا لموجودة في بلادكم. فأي موضوع صحافي يذهب قبل النشر إلى هيئة رقابية في غاية التشدد.
نحن نعلم تمام العلم أن لديكم مجموعة من المحرمات التي هي غير موجودة سوى في بلدان العالم الثالث، مثل انتقاد الطبقات الحاكمة أو التعرض لشخصيات بعينها، سواء لأغراض سياسية أو إعلانية، ولكننا في الوقت ذاته نأمل أن تستطيع تلك الدول التخلص من تلك القيود في الوقت المناسب قبل أن يفوت الأوان.
أنا لست هنا من أجل توجيه النقد إلى مستويات الحرية أو للتحدث بشأن السرعة التي تتم بها الإصلاحات الإعلامية، وذلك لسبب بسيط وهو أننا نحن في الغرب لسنا في موقع يسمح لنا بتخليص شعوب المنطقة من تلك القيود.
* ولكنكم تنظرون إلى الأمر بشكل مختلف في الولايات المتحدة على سبيل المثال حيث ينظر إلى افتقاد حرية التعبير والنشر بشكل عام باعتبارها أحد معوقات التنمية الاقتصادية؟
ـ هذا صحيح. ولكن دعني في الوقت ذاته أضرب لك مثالا بما يحدث في الصين. فقد حدث منذ فترة قصيرة أن قامت الحكومة هناك بإغلاق مجلة تُدعى « بنجلين»، وتمت إقالة الناشر لمجرد أن السلطة ترى أنه شديد الانتقاد للحكومة.
وبعد إغلاق المجلة، أعيد افتتاحها بعد فترة تحت قيادة رئيس تحرير جديد من المفترض أنه أقل انتقادا لسياسات الحكومة. هذا بالطبع إفراط في الاضطهاد الصحافي وأمر لا يمكن قبوله بأي معايير أخلاقية أو مهنية.
وقد ضربت لك هذا المثال لأوضح أن عملية الاضطهاد الصحافي ليست موجودة في منطقة الشرق الأوسط وحدها وإنما هي موجودة في مناطق عديدة أخرى من العالم.
ونحن بدورنا نعمل بالطبع على فتح قنوات حوار مع الجهات التي ترتكب مثل تلك الجرائم المهنية ونسعى إلى تحسين الموقف بها. وسوف نعقد مؤتمرا في العام المقبل في الصين يتناول مثل تلك القضايا الحساسة والشائكة .
ونتمنى بدورنا أن تتخلص منطقة الشرق الأوسط من الآفة ذاتها. نحن نعمل في هذا الصدد على الاتصال بالصحافيين والجمعيات الصحافية الأهلية في مختلف أرجاء العالم من أجل المساعدة على تحسين الأوضاع بشكل أو بآخر على قدر استطاعتنا.
* لقد كنت في دبي العام الماضي وحضرت المؤتمر ذاته. هل ترى ثمة تغيير على مستوى سوق النشر في المنطقة بشكل عام وفي دبي بشكل خاص؟
ـ لا أعتقد أن هناك أي تغيير ملموس على الساحة في المنطقة. وما أريد التركيز عليه في هذا الصدد هو أن التنافس المحموم بين دور النشر في المنطقة بشكل عام قد حال دون إقامة اتحاد للناشرين.
ففي نهاية مؤتمر العام الماضي خرجت توصية تدعو إلى العمل على إقامة اتحاد للناشرين يمكن من خلالها التصدي إلى المعوقات التي تواجه عملية النشر والعقبات التي تقف أمام نمو الصناعة بشكل عام. ولكن لم يحدث هناك أي تقدم في هذا الشأن.
فمن خلال مثل ذلك الاتحاد يمكن العمل بشكل جماعي على التصدي إلى كل ما يحول دون الارتقاء بصناعة النشر بشكل عام وحرية الرأي والتعبير بشكل خاص.
ومن خلال ذلك الاتحاد يمكن أيضا التأكيد على كل تلك العقبات وإعلانها بكل صراحة ووضوح أمام الرأي العام ومن ثم إكسابها صبغة إقليمية وعالمية يمكن من خلالها معالجة ما يستجد من مشكلات وعقبات وذلك بدلا من أن يخرج كل ناشر بشكل فردي للتحدث عن مشكلاته سواء كانت مهنية أو اقتصادية.
وكنت أتصور أننا قد وصلنا إلى اتفاق يخرج بذلك الاتحاد إلى النور في دورة العالم الماضي. وأعتقد أنه كانت هناك جهات سعودية قد قررت تخصيص 500 ألف درهم لتمويل المشروع.
وبعد ذلك عُقدت عدة اجتماعات في هذا الشأن ولكن في نهاية المطاف فشل الناشرون في الوصول إلى اتفاق. وأنا هنا أتحدث عن ناشري الصحف والمجلات وليس ناشري الكتب، فالأمر مختلف تماما في هذا الشأن.
ولا شك أن هذا أمر مؤسف للغاية وأن أشعر بالأسف حياله ولكنني في الوقت ذاته أؤكد على أن الأمر لا ينطبق على منطقة الشرق الأوسط وحدها وإنما هو موجود في مناطق عدة من العالم.
ففي دولة مثل اليونان على سبيل المثال احتاج الأمر مناقشات امتدت إلى نحو 7 أعوام قبل أن يتمكنوا من إقامة جمعية للناشرين. وفي تايلاند احتاج إنشاء النقابة ذاتها إلى أربعة أعوام.
ولذا فإن رسالتي للمنطقة لديكم هي ألا تتوقفوا وتعملوا على الوصول إلى صيغة توافقية في هذا الشأن يتمكن الناشرون من خلالها أن يكون لديهم صوت واحد يتعاملون من خلاله مع المشكلات التي تقابل صناعتهم بدلا من التعامل مع تلك المشكلات بشكل فردي.
* يبدو من خلال الأمثلة التي ضربتها ـ اليونان والصين وتايلاند ـ أن المشكلة تخص دول العالم الثالث بشكل حصري.
ـ كما يقول المثل البريطاني فإن روما لم تُبن في يوم واحد. هناك دول كثيرة في العالم الغربي احتاج فيها الناشرون إلى سنوات عديدة للوصول إلى مثل تلك الجمعيات.
فحتى الجمعية الدولية للمطبوعات الدورية التي أتولى رئاستها احتاجت لسنوات قبل أن تخرج إلى النور. فجمعيتنا تأسست في البداية في عام 1983 في فرنسا. وظلت الجمعية يديرها شخص واحد حتى العام 1990.
وبعد ذلك بدأت عملية استقدام شخصيات يهودية تستطيع تمويل المنظمة، وبُذلت جهود عديدة لجمع التبرعات التي يمكن من خلالها تقوية مركز الجمعية في العالم وزيادة مساهمتها في صناعة النشر.
ولذلك فأنا هنا لا أوجه انتقاداً مباشراً إلى منطقة الشرق الأوسط بسبب فشلها في إقامة جمعيات للناشرين ولكني أدعو إلى عدم فقدان الأمل والعمل بجدية حتى يكون للناشرين صوت مسموع يمكنهم من خلاله التغلب على مشكلاتهم.
* ولكن ألا ترى أن الهوة بين الدول التي تسمح بحرية النشر وتلك التي لا تسمح- تلك الهوة آخذة في التنامي في السنوات الأخيرة؟
ـ في واقع الأمر لا يمكنني الحكم بشكل قاطع وعام في هذا الشأن، فالأمر يختلف من دولة لأخرى. فهناك دول تسمح بقدر من حرية النشر ودول أخرى لا تسمح بأي متنفس.
وفي الوقت ذاته فإن الدولة الواحدة قد تغير اتجاهاتها أكثر من مرة في فترات قصيرة. ولكن الأمر الذي أريد التأكيد عليه في هذا الشأن هو ظهور الانترنت وكيفية التعامل معها.
وهنا أضرب أيضا مثالاً بالصين، وهي الدولة التي أرى أن الانترنت يتعرض فيها إلى رقابة ليست موجودة في أي مكان آخر بالعالم، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط.
غير أن الأمر الذي ينبغي أن تُدركه مثل تلك الحكومات هو أنه لا يمكنها منع مواطنيها على المدى البعيد من الاطلاع على ما يُكتب في المواقع الإلكترونية باللغة الانجليزية.
حيث سيدركون حينها أن ما تعرضه تلك المواقع المتاحة للجميع على الشبكة العالمية يختلف كل الاختلاف عما يُكتب في صحافتهم المحلية.
ومن جانبي فإنني أرى أن وجود الانترنت من شأنه في المستقبل أن يقنع مثل تلك الدول بتخفيف القيود المفروضة على عملية النشر في بلدانهم.
* يُفضي بي حديثك إلى إلقاء الضوء على ما يعرف بـ « مجتمع المعلوماتية». كيف ترى من وجهة نظرك التغيير الذي طرأ على هذا المجتمع خلال العقد الماضي في ضوء التطورات الكبيرة التي طرأت على صناعة الصحافة والنشر؟
ـ حسنا الأمر لم يكن خلال العقد الماضي فنحن يمكننا الحديث عن آخر ثلاث سنوات فحسب. لقد ظهرت الانترنت في بداية التسعينيات. وخلال عقد التسعينيات بدأ التعامل بشكل فعال مع الشبكة العالمية من خلال صناعة النشر والصحافة.
وبدأ استثمار الأموال بشكل فعال للغاية من قبل القائمين على صناعة الإعلام والصحافة المكتوبة. ثم حدث ما حدث من انهيار في عام 2000 للأنشطة القائمة على الانترنت وتكنولوجيا المعلومات بشكل عام.
ومررنا بحالة كبيرة من الشك والريبة في مستقبل الانترنت في الفترة من 2000 إلى 2003 أو 2004 حيث كانت هناك شكوك كبيرة حول قدرة الانترنت على التعامل مع الاقتصاد العالمي والاضطلاع بالدور المتوقع لها.
وما إذا كان يمكن لها بالفعل السيطرة على صناعة الاتصالات في العالم أم لا. غير أن السنوات الثلاث الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن الانترنت بوسعها أن تتعامل مع الاقتصاد العالمي بكل فعالية.
فالآن أصبح لدى الجميع القدرة على التعامل مع الانترنت بشكل أكثر سرعة في ضوء توافر التقنيات الحديثة مثل تكنولوجيا النطاق العريض. ولم يعد الأمر يتطلب أن يكون الشخص عالم ببواطن ودخائل تقنية المعلومات حتى يمكنه استخدام الانترنت.
وأضحى استخدام الشبكة العالمية أقل تكلفة، وهذا هو العامل الأكثر أهمية. وبالطبع لعب ارتفاع وتيرة المنافسة بين الشركات العاملة في هذا المجال دورا كبيرا في خفض الأسعار.
وهو الأمر الذي أدى بدوره إلى اجتذاب حجم أكبر من المستخدمين. ولا شك أن هذا يعد بادرة طيبة ومشجعة على جميع الأصعدة، إذ أصبحت الانترنت متاحة للجميع وليس للصفوة فحسب.
ولا شك أن لمثل هذا التطور صداه السياسي قبل الاقتصادي. فالجميع الآن لديه القدرة على التحدث كيفما يشاء عن أي موضوعات لا يمكن التطرق إليها في الصحافة المكتوبة.
* يقودني هذا إلى قضية أخرى تستحوذ على قدر كبير من الاهتمام في الآونة الحالية وهي إمكانية أن تتسبب الصحافة الإلكترونية في زوال الصحافة المكتوبة.
ـ يتعين علينا أولا الاعتراف بأن هناك قوة جديدة من الصحافة موجودة الآن وهي الصحافة الإلكترونية. هذا النوع من الصحافة في رأيي يدعم من مكانة الصحافة المطبوعة أكثر منه يضعفها.
فمن خلال وجود مواقع للصحف العالمية على الانترنت، ستكتسب تلك الصحف قدرا أكبر من ثقة ومصداقية القارئ إذا كانت بالفعل تلتزم بالمعاير الصحافية المتعارف عليها. فأنا أرى أنه يجب الاستفادة من الصحافة الإلكترونية وعدم اعتبارها تهديدا.
واعتقد أن ثقة القارئ في هذا المواقع الإلكترونية للصحف العالمية وما يتاح عبرها من أخبار ومعلومات تفوق بشكل كبير ثقته في المواقع المجهولة الهوية ومواقع كاتبي المذكرات المعروفة ب« البلوغرز».
وأعتقد أن المعنيين بصناعة النشر على علم بهذا الأمر ويعملون على الاستفادة من الصحافة الإلكترونية باعتبارها وسيلة لنشر المعلومات بشكل أيسر وأكثر مرونة من الصحف التقليدية.
* كيف ترى في ضوء خبرتك الطويلة التحديات أو التهديدات التي يفرضها العصر الرقمي على الساحة العالمية بشكل عام وعلى صناعة الصحافة المكتوبة بشكل خاص؟
ـ لا يمكنني وصف الأمر بالتهديدات إلا في حال واحدة فقط وهي عندما نتجاهل وجود الشبكة العالمية وأن نتعامل مع الآخرين وكأن الشبكة العالمية غير موجودة.
فهنا فقط ستتحول الإنترنت إلى تهديد كبير لا يمكن التصدي له. ولكن كما قلت من قبل فإننا إذا استطعنا التعامل معها والاستفادة منها وعملنا على استغلالها بشكل إيجابي من أجل تحقيق مزيد من الانتشار، فإنها ستتحول إلى فرصة وليس تهديدا. علينا أن ندرك حقيقة مهمة للغاية .
وهي أن زوار الموقع الواحد للصحيفة على الشبكة العالمية يفوق معدل توزيع الصحيفة المطبوعة بأربعة أو خمسة أضعاف، ما يعني أن الصحيفة يمكنها من خلال موقعها الإلكتروني الوصول إلى شريحة أكبر بكثير من القراء، الأمر الذي بدوره سيحقق قدرا أكبر من الإيرادات.
فما نعرضه ونعلنه من ماركات عالمية ومحلية عبر صحفنا المطبوعة يصل إلى عدد من القراء هو أقل بكثير من ذلك الذي يأتي به موقع الصحيفة على الانترنت، وهو ما يولد مزيدا من الإيرادات التي لم تكن لتأتي عن طريق آخر.
أجرى الحوار: حاتم حسين

