أثارت علاقة الفن بالسياسة على الدوام قضايا ونقاشات بين المثقفين. ولطالما وصفت السياسة على أنها عابرة في آنيتها، بمقابل وصف للفن على أنه خالد في أصله وفحواه. هذا التعريف للسياسة اجتزائي واختصاري وفي أحسن الأحوال متسرع ومسطح،
فالصلة بين صيرورة التاريخ والسياسة تكاد تكون عضوية وأكثر، أو أن التاريخ في صيرورته بالتأكيد سياسي، وعلى هذا الأساس عرف علم الاجتماع الحديث الإنسان على أنه «حيوان سياسي»، أنتج اجتماعيته بحكم تركيبه البنيوي.
تيارات كثيرة لا تريد للفن أن يلوث «جمالياته» بفساد السياسة، وهذا حق يراد به حق. وهو صحيح إلى حين أن نعي أن كل فكرة أو إبداع أو فن أو توليد، ومهما صاروا إلى ادعاء القفز عن الآني هم في الضرورة أبناء الواقع بمعناه المباشر أو التاريخي،
أي الواقع السياسي بامتياز، لأن التصورات مستمدة من حالة حسية مباشرة، أو غير مباشرة، والحس على تماس مع حالة أو حالات كلها بالضرورة مرئية أو متوارية ناتجة عن فجاجة وصخب الواقع.
الصراع على أرض فلسطين منذ آلاف السنوات ما زال مستمراً حتى الساعة، بكل أشكال العنف والدمار حتى صح تسميته صراعاً أزلياً لا ينتهي، وهو اليوم أتته فرصة لكي يضع رحاله ويسير إلى سلام مطلوب من المتحاربين والمتفرجين والعالم أجمع.
لكن روح الانتقام والثأر تكاد تقضي على هذا الأمل، ولا يمكن أن ننسى الجشع وطمع المعتدي الذي لا يرضى لو رضيت الضحية بحق أقل من ثلث ما تستحق، ولا يكتفي المعتدي عند هذا الحد، فيتهم الضحية بالإرهاب وهو يمارس أقبح عمليات القتل الجماعي والاقتلاع والتشريد والعنف الهائل الممارس، تحت ذريعة الرد على صرخة الضحية بالدفاع عن الذات.
بهذا المعنى يحمل فيلم ستيفن سبيلبرغ الجديد «ميونيخ» إدانة للعنف الإسرائيلي بمنحاه الثأري والقبلي، وهو أثار أوساطاً إسرائيلية وجمعيات دينية يهودية حول العالم مع أن سبيلبيرغ نفسه يهودي، وهو لم يخن في عقيدته، لكنه اعتبر أنه يسوّق للسلام بإظهار العنف المتبادل في المستوى ذاته، فالدولة الإسرائيلية لا تتحمل أن تظهر للرأي العام العالمي، على أنها تتآمر لقتل فلسطيني حتى لو كان متهماً بالنسبة إليها بالقتل.
فالصورة التي تحرص إسرائيل على تعميمها خاصة في الغرب، بأنها دولة صغيرة في بحر من العالم الإسلامي، الساعي إلى تدميرها، قد تهتز، وهذا ما لا تستطيع تحمله، وهو في الغالب أمر لا يستحق هذا الحرص فالمجتمعات الغربية قد ركنت إلى الموت الفلسطيني اليومي المستمر بفظاعة وكأن الأمر لم يكن، أو أنه موت هامشي لا يستحق التوقف.
تشن على سبيلبيرغ اليوم هذه الحملة على أنه مضلل، وقال مسؤول إسرائيلي: «إن الخطير في هذا الفيلم ليس ما يظهره بل ما يخفيه». وسبيلبيرغ قال: «غايتي من وراء الفيلم أن يعرف كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أن العنف لن يوصل إلا إلى الموت، بمقابل السلام الطريق الوحيد إلى الحياة».
وأضاف «الفلسطيني إنسان يحب ويأكل ويشرب ويذهب إلى المدرسة، يفرح ويحزن، كما الإسرائيلي تماماً أريد أن يعرف بعضهما بعضاً. أن يتبادلا الحوارات والأفكار بدل الرصاص والنار».بالطبع هذا ليس مشروعاً سياسياً، بقدر ما هي رسالة إنسانية هي جزء لا يتجزأ من طبيعة الفن،
أي الأنسنة التي كدنا ننسى في الشرق الأوسط أننا ننتمي إليها، وبدل أن يناقش الفيلم من نواحيه الفنية والتقنية نوقش من ناحية موضوعه السياسي فقط، ومن جانب واحد هو الجانب الإسرائيلي ومن يناصره
فالفيلم يفتقر إلى الكثير من فنيات مطلوبة تبدأ من كتابة السيناريو مروراً بالتمثيل ووصولاً إلى الإخراج، الحكاية مستمدة من أحداث حقيقية وقعت سنة 1972 حين قامت مجموعة فدائية فلسطينية باختطاف فريق رياضي إسرائيلي في أولمبياد ميونيخ، حيث أدى تدخل فريق الإنقاذ الإسرائيلي إلى قتل الخاطفين والمخطوفين على حد سواء.
الأمر الذي لم تكتف فيه إسرائيل، فشكلت فريقاً مكوناً من خمسة رجال ليقوموا بتصفية وباغتيال كل من خطط وقاد عملية الاختطاف، كتب السيناريو توني كوشنير واريك روث عن رواية جورجي جوناس تحت عنوان «الثأر»، وهي رواية بوليسية تجسسية من مستوى ما دون الوسط،
والسيناريو تحمل أعباء كثيرة، فأراد صاحباه أن يقولا كثيراً لكنهما أخفقا. فراوحت الحكاية في إطار بوليسي محملاً بأثقال «أيديولوجية» لم تستطع معها حرفية ستيفن سبيلبيرغ الإخراجية أن تجد مفراً من الارتباك. ومما زاد الطين بلة أن الفيلم سبقته دعاية قوية ظننا معها بأن المشاهد سيقف أمام عملا ملحمي متقن، لا أمام فيلم سردي يستخدم رموزاً مستهلكة ومباشرة.
فالنوايا الطيبة كما يعرف سبيلبيرغ لا تصنع وحدها شريطاً جيداً. وعلى المستوى ذاته من الهبوط كان أداء بطلي الفيلم اريك بانا الأسترالي والأميركي دانييل كريغ. باختصار «ميونيخ» فيلم أقل بكثير مما هو متوقع ولذلك لم ينل في حفل الأوسكار أي جائزة.
حسين قطايا

