في الأساس، أبعد ما تكون عليه وجهة النظر الحالية القائلة إنّ المهندس هو «المصمّم» الوحيد للمباني - عن عمليّة البناء الحقيقيّة بمجملها. فما يحكم شكل البيئة، وما يمكنه خلق هيكليّة الحياة، ما هو إلاّ النظام الكليّ للتسلسلات والعمليّات التي بها يتمّ بناء المباني.
وهذا النظام يتضمّن المال، العقود، التمويل، القروض، تفاصيل البناء، الهندسة، التوقيت ومشاركة المستخدم. هي العمليّة التي تُدعى في إنكلترّا التعاقد (Procurement). وعمليّة التعاقد، عمليّة الحصول على البيئة، وهيكليّتها هي عمليّة كبيرة تمتدّ إلى بضعة آلاف من الأشخاص.
إنّ مهندس القرن العشرين ذا الطراز القديم، ذلك المهندس الذي يخطّ الرسوم، وإلاّ جاء خارج عمليّة التعاقد، يمكن مقارنته بمصمّم خياليّ لمشروع الهبوط على القمر في العام 1969 الذي كان ليقول: «أنا هو المصمّم.
ومهمّتي تقضي بأخذ القرار حول المكان الذي سنهبط فيه على القمر. أمّا كيفيّة الوصول إلى ذلك، هي مسؤولية شخص آخر، وليس بمهمّ». ولا يُعَدّ تركيزُ المهندس على الرسوم وحدها باعتبار أنّها عمليّة هندسيّة ذا بصيرة وبعد نظر.
فتحديد كذلك يقيّد بشكل كبير المهندس حتّى يكاد يجعل الجهد الهندسيّ هامشيّاً، بل يتجاهل حبّ المهندس للمباني، وضرورة مشاركته في الحرفة، الصنع، الصناعة، الهندسة، الناس، المال والنقاش العامّ.
غير أنّ المهندسين، في نهاية القرن العشرين، رفضوا في الواقع وبشكل قاطع وراسخ التفكير في عمليّة التعاقد فكيف بالأحرى التفكير فيها ككلّ فريد. ونادراً ما كانوا على استعداد لاعتبار التعاقد كمشكلة نظريّة وعمليّة مهمّة. وقلّة منهم فحسب كانوا على أهبة لتلويث أياديهم بما يكفي للإنخراط في تلك العمليّة.
ونتيجة لذلك، أخذت المهنة تختبر التهميش أكثر فأكثر. ففي وقت كان المهندسون يطلبون تعرفة بلغت ما بين 7 و15 في المائة من ميزانيّة البناء، راحت تلك النسبة تتدنّى بثبات في نهاية القرن العشرين، إذ انتشرت في المجتمع وجهة نظر تقول إنّ المهندسين قلّما يساهمون.
وقد سمعتُ مؤخّراً عن حالة حدِّد فيها بدل أتعاب المهندس في سلسلة من وظائف لوزارة الدفاع في المملكة المتّحدة بلغت كلفتها ستّة ملايين دولار ب3,0%؛ وهو ما يعادل ثلاثين أو خمسين جزءاً ممّا كان عليه في يوم من الأيّام.
أخذت المهنة إذاً تتدهور في نهاية القرن العشرين لأنّ المهندسين غالباً ما فشلوا في أداء عمل جيّد، فلم يعيروا اهتماماً لخلق هيكليّة حيّة، ولم يعرفوا كيف يتحمّلون مسؤوليّة العمل الصعب عن حقّ والمضمون، لم يعرفوا كيف يوجّهون أنفسهم نحو أكثر ما يهمّ: القلب الإنسانيّ.
أمّا شائبتنا في عالم الهندسة المعماريّة العربيّة فتكمن في أنّنا نقلّد شوائب الآخرين. فنحن ليس لنا لغة هندسيّة خاصّة بنا؛ ولا ننفكّ نستعير من اللغات الموجودة. وما حدث في المملكة المتّحدة يحدث يوميّاً في عالمنا العربيّ، لأنّ مشكلة التقليد، في أغلب الأحيان، تكمن في أنّ الناس دائماً ما ينسخون الصورة النهائيّة ولا ينسخون المقاربة أو الطريقة.
ونتيجة لذلك، لا نستعير إلاّ المقوّمات الاستثنائيّة، لا المقوّمات التي تصنع القاعدة. ونتيجة لذلك، لا تزال المهنة تتدهور في عالمنا العربيّ، وما هو أسوأ من ذلك بعد، وفي حالات كثيرة، هو تحديد المهندس وتحديد العمليّات التي تحدّد: المفهوم (concept): بداية كلّ هيكليّة حيّة ما يطرح السؤال التالي: ما عسانا نفعل؟ لا أظنّ الهندسة بتحديدها الحاليّ تساهم في أيّ شيء. فعلينا أساساً أن نبدأ من الصفر وأن نطرح على أنفسنا السؤال التالي إن كان لدينا فكرة (Idea) بناء فندق على سبيل المثال:
هل نصمّم مبنى فندق؟ أم نصمّم تجربة إنسانيّة في مبنى الفندق؟
إن كنّا نصمّم مبنى فندق فإنّنا بحاجة إلى مهندس(Architect)، وإن كنّا نصمّم تجربة إنسانيّة فإنّنا نحتاج إلى مهندس مفاهيم(Conceptual Architect). وقد يعطينا الأوّل مبنى جيّداً، أمّا الثاني فيفتح لنا الباب لنحصل على حياة جيّدة في مبنى جيّد.ولنا الحريّة، إن شئنا، في خلق هندسة أساسها الحياة. ولنا الحريّة في تجاهلها. فكيف ترانا نختار الجهل؟
zina@arabianconcept.com