أشارت النشرة الشهرية لمصرف الإمارات الصناعي، لشهر مارس الجاري، الى أن التطورات المتلاحقة والسريعة في أسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها أسواق المال في الدولة تثير الكثير من التساؤلات والاستفسارات حول مستقبل هذه الأسواق من جهة، ومدى تأثيرها على تطور القطاعات الاقتصادية الأخرى، وبالأخص قطاعي الصناعة والعقارات من جهة اخرى.

وتدور هذه التساؤلات والاستفسارات حول القفزات التي حققتها أسواق المال في دول المجلس في العام الماضي والتي لم تشهد أسواق المال العالمية مثيلاً لها طوال السنوات الماضية.

فالقيمة الاجمالية لأسواق المال في دول المجلس ارتفعت بأكثر من الضعف في عام 2005 محققة 1137 مليار دولار مقارنة مع 529 مليار دولار عام 2004. وتوقعت النشرة ارتفاع هذه القيمة خلال 2006 بمعدلات جيدة نتيجة للإصدارات العديدة المتوقعة.

واستحوذت السوق السعودية على أكثر من نصف القيمة الإجمالية لأسواق دول المجلس، تلتها السوق الإماراتية ومن ثم الكويتية. وعلى الرغم من بعض المحاذير المثارة حول هذا النمو الكبير في قيمة الأسهم الخليجية.

إلا ان لهذا الارتفاع ما يبرره بالنسبة لمعظم الشركات المدرجة في أسواق دول المجلس، وذلك اذا ما استثنينا عمليات المضاربة على أسهم بعض الشركات والتي ربما لا تتمير بأداء قوي على العكس من أداء أسهم الشركات القيادية والتي حققت مستويات تداول جيدة خلال العامين الماضيين.

لم تأت هذه التطورات الإيجابية في أسواق المال في دول المجلس من فراغ، إذ أنها تزامنت مع تضاعف أسعار النفط حيث ارتفع متوسط سعر برميل نفط دبي من 27 دولاراً في عام 2003 إلى 49 دولاراً في عام 2005، صاحب هذا الارتفاع في الأسعار زيادة كبيرة في الإنتاج وبالأخص في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات ودولة الكويت.

ونتيجة لذلك، توفرت في كل دول المجلس تقريبا سيولة كبيرة يتوقع ان يستمر تدفقها في العام الحالي 2006، وذلك إلى جانب عودة جزء مهم من رؤوس الأموال الخليجية المستثمرة في الخارج بعد تعرضها لمخاطر جمة بسبب أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة.

ونظراً لمحدودية فرص الاستثمار في القطاعات الاقتصادية باستثناء القطاع العقاري، فقد وجدت هذه السيولة طريقها نحو بورصات دول المجلس المتعطشة للسيولة، خصوصا وأن أسعار أسهم الكثير من الشركات ذات الأداء الجيد كانت أقل من قيمتها الحقيقة، كما ان مكرر أسهم هذه الشركات تشكل عامل جذب قوياً للمستثمرين في أسواق المال في دول المجلس.

ولم تقتصر التأثيرات الإيجابية للزيادة الكبيرة في العائدات النفطية على توفر السيولة المحلية فحسب، وإنما على أداء مختلف القطاعات الاقتصادية غير النفطية.

فأعلن في جميع دول المجلس عن تنفيذ مشاريع كبيرة وازداد الإنفاق الحكومي وحققت اقتصاديات دول المجلس نسب نمو مرتفعة لم تعرفها منذ سنوات، كما تجاوزت الموازنات السنوية في دول المجلس العجوزات المستمرة، وحققت فوائض كبيرة، مما انعكس إيجاباً على الأوضاع الاقتصادية والمالية في هذه البلدان.

وساهمت مجمل هذه التطورات في ارتفاع أرباح الشركات والبنوك والمؤسسات الاقتصادية بشكل عام، مما أدى إلى إقبال المستثمرين على شراء أسهمها، كما ساهمت البنوك التجارية في هذا الجانب من خلال تمويل شراء الأسهم وتأسيس محافظ استثمارية كبيرة للتداول في أسواق المال في دول المجلس.

وبجانب هذه التطورات الموضوعية، لم تخل الزيادات الكبيرة في أسعار الأسهم من عمليات المضاربة وجني الأرباح في فترات زمنية قصيرة، حيث كان لكبار المضاربين وصناديق الاستثمارات دور رئيسي في ارتفاع وانخفاض الأسواق بصورة حادة في أوقات زمنية قصيرة.

ورغم انجذاب مجرى السيولة المحلية في دول مجلس التعاون الخليجي نحو أسواق المال في العامين الماضيين، إلا أن ذلك لم يترك آثاراً سلبية على معدلات الاستثمار في القطاعات الاقتصادية غير النفطية الأخرى، فبفضل السيولة الكبيرة وغير المتوقعة، فقد عم الانتعاش الاقتصادي قطاعات مهمة، وبالأخص القطاع العقاري والذي يشهد طفرة غير مسبوقة بكل المقاييس.

في الاتجاه نفسه، أعلن عن إقامة مشاريع صناعية كبيرة في معظم دول المجلس وخصوصاً في الصناعات ذات الكثافة الرأسمالية والتي كان آخرها مصنع الألمنيوم بأبوظبي بتكلفة 6.6 مليارات دولار.

ويبقى السؤال الأهم والذي يدور حول آفاق استمرار النمو في أسواق المال في دول المجلس، حيث يمكن في هذا الجانب الإشارة وبثقة كبيرة إلى أن عوامل الدفع المشار إليها سابقاً مازالت مستمرة وبقوة.

فأسعار النفط في أعلى معدلاتها يضاف إليها التوسعات المرتقبة في عمليات الإنتاج، كما تشهد قطاعات مهمة كالتجارة والعقار والصناعة والخدمات توسعات كبيرة ويتميز أداء الشركات والبنوك بمستويات أداء غير مسبوقة وتحقق أرباحاً عالية، مما يجعل أسهم هذه الشركات مغرية وخصوصاً إذا ما صاحبها تصحيحات سعرية، وذلك ضمن الآلية التي تعمل بها كل أسواق المال في العالم.

وإذا ما أضيف إلى ذلك الإصدارات العديدة المتوقعة في هذا العام، فإن القيمة الإجمالية لأسواق المال في دول المجلس سوف ترتفع بمعدلات جديدة عام 2006 خصوصاً وأن هذه الأسواق سوف تسير باتجاه المزيد من الانفتاح.

ففي هذا العام سوف تستكمل عمليات تنفيذ القرار الخاص بالسماح لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي بالتداول في كل بورصات دول المجلس بحرية تامة، كما سيتم تقديم المزيد من التسهيلات للوافدين المقيمين للتداول في أسواق دول المجلس.

حيث تعتبر هذه العوامل بعضاً من المؤشرات الإيجابية التي تدفع بأسواق المال في دول مجلس التعاون الخليجي نحو تحقيق المزيد من المكاسب في العام الجاري.