قطاع الصناعة التحويلية القوي من أهم العناصر لأي دولة متقدمة تطمح إلى أن تشق طريقها في العالم والمشاريع الصناعية الأميركية باستثناء القليل ضعيفة في مجال التصدير.

ويفسر ذلك أن العجز الأميركي في الحساب الجاري، بلغ 3 ,6% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2005، مقابل فائض بنسبة 8% من إجمالي الناتج المحلي في عام 1965. وخلال الفترة المذكورة نفسها انخفض نصيب الصناعة التحويلية في توفير الوظائف في القطاعات غير الزراعية من 23% إلى أقل من 12%.

وكانت نسبة التجارة الأميركية في العام الماضي إلى إجمالي الناتج المحلي، هي الأسوأ بين الدول المتقدمة منذ تسجيل نظيرتها في إيطاليا عام 1924.

وتوقع بعض الخبراء عقب فترة الثورة الصناعية أن يكون الاقتصاد الجديد (تقنية المعلومات والإنترنت) سبباً لارتفاع الدخول، لكن أميركا تخلفت من حيث نصيب الفرد من الدخل عن ست دول صناعية متقدمة، حسب أسعار العملات في السوق العالمية، وهذه الدول هي الدنمارك وايسلندا وايرلندا والنرويج ولوكسمبورغ وسويسرا، وكل هذه الدول يوجد بها عمالة صناعية بنسبة أكبر من أميركا.

كما تتفوق هذه الدول الست أيضاً في مقارنات أخرى مع أميركا من حيث رفاهية المستهلك، تتفوق هذه الدول من حيث معدل الخصوبة، وباستثناء كل من ايسلندا والدنمارك، من حيث العمر المتوقع وتنخفض كل من ألمانيا واليابان قليلاً جداً عن هذه الدول من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي، وهما أكبر منافسين لأميركا.

غير أن هاتين الدولتين تتفوقان أيضاً على أميركا من حيث نسبة الأجور إلى مساحات المصانع، كما تتفوق من حيث التصدير إلى الأسواق العالمية بفضل ارتفاع الاستثمارات في الصناعة التحويلية.

وسجلت اليابان فائضاً في الحساب الجاري بمقدار 172 مليار دولار عام 2004، أي أعلى من أي دولة أخرى في التاريخ، ويزيد قليلاً على فائض عام الطفرة اليابانية في 1989.

وحقيقي أنه من الصعب على الدول الصناعية المتقدمة أن تتنافس في مجال الصناعات كثيفة العمالة مثل صناعة الملابس. لكن ليس كل الصناعات كثيفة العمالة. وسرّ نجاح الدول الأكثر تصديراً في العالم هو أن صناعاتها الأساسية كثيفة رأس المال، أي أعلى من حيث الاستثمارات.

وكلما زاد رأس المال الذي يعمل به العامل، كلما زاد احتمال ارتفاع إنتاجه. ويعزِّز الميزة التنافسية للدول المتقدمة ارتفاع ورقي الخبرة والتقنية الإنتاجية.

فإن الوسيلة الأذكى وكثافة رأس المال يمكن أن يعززا إنتاجية العامل بمقدار عشرة أضعاف أو أكثر، خاصة في الصناعات التي يمكن أن تؤدي أخطاء بسيطة فيها وعملياتها إلى تدمير الإنتاج بالكامل.

كل هذا يعود بنا إلى قصة شركة كانون اليابانية لإنتاج آلات التصوير التي ضاعفت قوة العمل لديها داخل اليابان خلال العقدين الماضيين رغم ارتفاع الأجور هناك، فقد أضافت شركة كانون ستة آلاف وظيفة في الوقت الذي ارتفعت أرباحها بنسبة 156% لتصل إلى 1,3 مليارات دولار.

وتوضح قصة كانون أن انهيار الصناعة التحويلية في الدول المتقدمة مجرد خرافة، تماماً مثل خرافة أن مزيداً من الوظائف في الصناعة التحويلية سوف تهاجر إلى دول أخرى في العالم الثالث. فالصناعة التحويلية باقية في الدول المتقدمة، أو على الأقل الصناعات التي تستخدم أساليب متقدمة في الإنتاج.

ويطبق الرئيس التنفيذي لشركة كانون قاعدة مفادها أن أي عملية إنتاج تمثل فيها العمالة أكثر من 10% من التكلفة لا بد من تعهيدها خارج الشركة في أماكن مثل الصين. لكن هذا لا يزال يترك فرصة لتوفير الوظائف داخل اليابان.

حيث تنفق 80% من إجمالي برنامجها الإنفاقي في العالم. ولا يزال المصنع الذي أنشأته كانون قبل سنوات لإنتاج خزانات حبر الطابعات تكلف 700 مليون دولار، يعمل به ألف عمل.

وبعد ذلك استثمار 700 ألف دولار لكل وظيفة وليس من المدهش أن كانون اختارت ان يكون المصنع داخل اليابان. والاحتفاظ بالمصانع داخل البلاد يساعد الشركة في عدم إفشاء أسرار رفع الانتاجية إلى الشركات المنافسة.

وفي الوقت الذي نسمع فيه هذه الأيام عن نجاح الصين في إنتاج السلع الاستهلاكية، لاتنشر كثير من الأخبار عن احتمالات توقف المصانع الصينية، اذا لم تتوفر لها المكونات المتقدمة والخامات ومعدات الانتاج. وغالبية هذه المواد تأتي من الدول المتقدمة الغنية التي تفوق الصين في معدل الانتاجية.

وهناك كثير من الامثلة على ذلك في اليابان، مثلاً شركة شين إتسو للأسمدة الزراعية وهي شهيرة في العالم، وهي الآن من الشركات الرائدة في انتاج الخامات المتقدمة خاصة الصورة النقية من السليكون اللازمة لإنتاج شرائح الحاسوب.

المثال الآخر هو شركة شارب التي تنج الشاشات الكريستال السائلة والأجهزة التي تستخدمها. وشركة نيشيكون في مكونات الهاتف النقال وشركة متسوبيشي لإنتاج البطاريات الدقيقة القوية.

وهناك أمثلة أخرى على أن الصناعة التحويلية تزدهر في الدول المتقدمة. مثلاً ألمانيا تشتهر بريادتها في صناعة السيارات، لكن ميزتها التنافسية حالياً تذكر في معدات الإنتاج، أي كل شيء آلي من ماكينات الطباعة إلى محطات توليد الطاقة وقامت شركتان ألمانيتان هما سيمنز وتايش كروب ببناء البنية التحتية الصينية وقطار شانغهاي السريع.

إيرلندا مثلاً، تدين بتقدم اقتصادها لبرنامج حكومي لإنشاء مشروعات صناعة تحويلية متقدمة وتصنع آبل أجهزة جي 5 ماك هناك، وتصنع إنتل أجهزة المعالجة الدقيقة هناك أيضاً.

ويعمل حالياً 8 آلاف عامل في شركة جلين (مبلكس أكبر شركة في العالم لأجهزة التدفئة والتسخين الكهربائي وتملك الدنمارك عدداً كبيراً من المصانع الرائدة منها سميدن التي تسيطر على نصف السوق العالمية لماكينات إنتاج الاسمنت وفستاز لأنظمة الطاقة الكهربائية من الرياح.

وبالطبع لايزال في أميركا شركات صناعية مهمة لكنها غير ملفتة للنظر، فهي تتفوق في انتاج المعالجات الالكترونية، لكن للحواسيب الشخصية فقط.

وتختلف عن اليابان في المعالجات السريعة المستخدمة في العاب الفيديو. ولا ترتقي إنتل إلى قوة تصديرية كبيرة لأنها تنتج غالبية شرائح الحاسوب في الخارج.

وأصبحت شركة جنرال الكتريك أكثر اعتماداً على موارد شرق آسيوية وأوروبية في المكونات المتقدمة، لاسيما المستخدمة في المحركات النفاثة. لقد ولى الزمن الذي اكتشف فيه الأميركيون المبدأ الذي قامت عليه بلادهم وأصبحت قوة اقتصادية عاتية، إنه الصناعات التحويلية.