عندما اقترب موعد خروج آلان جرينسبان الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الأميركي من منصبه بنهاية يناير الماضي تصور الكثيرون أن الرجل سيختار التقاعد والاسترخاء خاصة وأنه يبلغ الثمانين من عمره. ولكن الإعلان عن اختياره كمستشار لوزارة المالية البريطانية أواخر العام الماضي .
وبدء جولة عالمية له يكشف عن طموح جديد لهذا الرجل الذي تولى إدارة السياسة النقدية للولايات المتحدة على مدى نحو 18 عاماً. والمفارقة أن الرجل تولى رئاسة مجلس الاحتياطي الأميركي وهو أكبر بنك مركزي في العالم في الوقت الذي كان من هم في مثل سنه يستعدون للتقاعد حيث كان عمره في ذلك الوقت 61 عاماً.
وعلى مدى 18 عاما أمضاها جرينسبان في رسم وإدارة السياسة النقدية للولايات المتحدة حقق الرجل شهرة عالمية واسعة بفضل قدرته على قيادة الاقتصاد الأميركي في مواجهة عدد من الأزمات الكبيرة.
بل إن البعض يقول إن الرجل استطاع تحويل أسعار الفائدة إلى أداة فعالة في توجيه عجلة الاقتصاد العام للدولة العظمى في العالم كما لو كان يعزف على آلة موسيقية.
ورغم أن الرجل الذي احتفل قبل أيام بعيد ميلاده الثمانين يعد من الناحية الرسمية متقاعدا ويحصل على مخصصات تقاعد تضمن له قضاء ما تبقى له من عمر في أحد المنتجعات.
ولكنه قرر مواصلة مسيرة العمل حيث يلقي المحاضرات في مجالات الاقتصاد وسياسات الطاقة وسوق العقارات وإدارة صناديق التقاعد بعد أن أصبح متحدثا رئيسياً في أغلب المؤتمرات والتجمعات الاقتصادية في العالم.
ورغم كثرة المحاضرات والكلمات التي ألقاها جرينسبان العجوز منذ ترك منصبه الرسمي فإنه يلتزم الصمت تماماً تجاه أي شيء يتعلق بالسياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الأميركي حالياً وأسعار الفائدة الأميركية احتراما للرئيس الجديد للمجلس بن بيرنانكه.
فالرجل يدرك تماما أي كلمة أو تعبير غير دقيق أو يساء فهمه يمكن أن يؤدي إلى تحركات غير مطلوبة في أسواق المال الأميركية. ويبدو أن جرينسبان لن يقبل بمجرد التحول إلى محاضر في المؤتمرات والندوات الاقتصادية وإنما يفكر في إنشاء شركة للاستشارات المالية خاصة به.
ويفكر جرينسبان الذي اشتهر ببراعته في العزف على آلة الساكسفون الموسيقية حيث كان الرجل يحلم بأن يكون موسيقيا محترفا في بداية حياته في تحقيق المزيد من المجد رغم انه حقق الكثير منه خلال رئاسته لأهم مؤسسة نقدية في العالم. وينظر الكثيرون إلى جرينسبان باعتباره مهندس أطول فترة ازدهار للاقتصاد الأميركي منذ أواخر الثمانينات وحتى مطلع الألفية الثالثة.
كما نجح جرينسبان في قيادة الاقتصاد الأميركي إلى بر الأمان رغم تعرضه لسلسلة من الأزمات منها الأزمة الاقتصادية الآسيوية عامي 1997/1998 وكذلك تداعيات هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ضد نيويورك وواشنطن.
وعندما كانت الأزمات المالية تلوح في سماء العالم تتجه الأنظار إلى جرينسبان باعتباره صاحب الرؤية الصائبة والقول الفصل بشأن أفضل السبل لمواجهة هذه الأزمات.
كما اشتهر جرينسبان باهتمامه البالغ بكل كلمة ينطق بها لأنه كان يدرك جيدا أن مثل هذه الكلمات يمكن أن تترجم إلى خسائر للمستثمرين في أسواق المال بمليارات الدولارات.
ومن كلماته الشهيرة «علي أن أحذرك من أنه إذا بدا الأمر وكأنني أعبر عن نفسي بوضوح خاص فربما تسيء فهمي». ورغم أنه كان مسؤولاً عن إدارة السياسة النقدية لأكبر اقتصاد في العالم فقد كان الرجل يتسم بروح الدعابة والمرح خاصة في الحفلات والجلسات الخاصة بعد انتهاء عمله اليومي.
وقد ارتبط جرينسبان منذ البداية بالحزب الجمهوري حيث عمل مستشاراً اقتصاديا مع الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون ثم مع خلفه جيرالد فورد. ورغم ذلك فإنه عمل رئيساً لمجلس الاحتياطي الاتحادي لمدة ثماني سنوات في ظل الرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون. (د.ب.أ)