عندما يوعز الأطباء بتشخيص بعض الحالات المرضية إلى العامل النفسي، يعنون بذلك أن الحالة النفسية تزيد من أعراض ذلك المرض وليس السبب الرئيس له.
فمن خلال متابعتي لتعليق أحد المحللين المتخصصين في الأسواق المالية على إحدى الفضائيات أوعز المحلل سبب التراجع في سوق الإمارات المالي بداية العام الحالي إلى العامل النفسي دون ذكر الأسباب الأخرى والتي يمكن استنتاجها من المؤشرات المالية.
وهذا يدل على عدم رصده الأسباب الرئيسة لخفض مؤشر سوق الإمارات الصادر عن هيئة الأوراق المالية والسلع، لقد استخدم الاقتصاديون معايير مختلفة في وضع عدد من النماذج التي تهدف إلى مساعدة صانعي القرار في التنبؤ بالأزمات المستقبلية.
ولكن هذه النماذج حققت معدلات نجاح متباينة، منها أسلوب البيانات والفترة الزمنية التي صممت لأجلها بالتحديد، وربما تكون أوضح الأمثلة في هذا الخصوص تلك التي تنطوي على بيانات مثل معدلات القروض عديمة الأداء وكفاية رأس المال.
فمثلا قد لا تتوافر في معظم البلدان معلومات دقيقة وشاملة عن الدّين الخارجي قصير الأجل المستحق على القطاع الخاص، وفي هذه الحالة يصعب درج المعلومات في نظم الرادار(التوقعات بحدوث الأزمة) الذي يستند إلى تجارب الآخرين.
ورغم أن التنبؤ بتوقيت وقوع ركود أو أزمة أمر يبدو في غاية الصعوبة، فقد يكون أداء بعض النماذج كالرادار في رصد الحالة والتنبؤ بها، إذ توظف مؤشرات الأسواق المالية- التي تعد بمثابة مرآة للحالة الاقتصادية- للإجابة على تساؤلات المحللين والمهتمين بأسواق المال والمستثمرين، حيث تستخدم كمعيار وأدوات لقياس أداء المحافظ الاستثمارية.
وخصوصا مقارنة أداء الأسهم مع بعضها البعض، كما أنها تساعد في تقييم فرص الاستثمار المتوفرة بين الأسواق، بالإضافة إلى استعمالها لحساب عنصر المخاطرة عن طريق مقارنة متوسط العائد الذي يحققه السهم مع متوسط العائد الذي يحققه مؤشر السوق، وكذلك استخدامها لمقارنة أداء أسواق المال لدولة معينة بمثيلاتها في الدول الأخرى.
كما أن ظهور أدوات وأوراق مالية لم تكن معروفة من قبل، كانتشار عمليات التوريق، واتساع حركة التنوع المالي في الأسواق العالمية التي تجمع بين سمات الملكية وسمات الدَيّن لتتوافق مع متطلبات المدخرين والمستثمرين في ظل التطورات والتغيرات الحالية، ساعد على درج البيانات المتعلقة بها.
والتي يمكن من خلالها التنبؤ بالأزمة، وقد كان عقد التسعينات من القرن الماضي حافلا بالأزمات المالية ونتيجة لتأثيراتها على كثير من الدول النامية والمتقدمة.
فقد قام صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية دولية أخرى بتقديم العون لبعض الدول النامية، وكان التركيز ينصب على: معايير الشفافية والرقابة، إدارة التدفقات الدولية لرأس المال وأن يكون لها القدرة على التحرك بسرعة.
وتوفير الموارد المالية الكافية للمؤسسات الدولية التي تقوم بدور المقرض الدولي الأخير وتقوية النظم المالية، والعمل على مشاركة القطاع الخاص في منع الأزمات ومعالجتها.
ورغم الاحتياطات التي اتخذت من قبل بعض البلدان الأسيوية فقد فاجأت الأزمات التي هزت عددا من بلدانها عام 1997 جميع المراقبين فعلى مدى سنوات طويلة كان ينظر إلى اقتصادات كوريا وتايلاند وإندونيسيا وماليزيا باعتبارها معجزات.
وقد اختلفت آراء المحللين حول أسباب نجاح هذه الاقتصادات هل كان مرده إلى سمة تتصف بها الرأسمالية الآسيوية أم يرجع في الأساس إلى تنفيذ سياسات اقتصادية سليمة؟ وهل كان تبنيها لسياسة الانفتاح الاقتصادي سببا في تحقيق معدلات استثمار مرتفعة؟
ومدى إمكانية تطبيق الرادار المالي في الكشف عن الأزمة قبل وقوعها؟ هذه الأسئلة أجاب عنها بعض الاقتصاديين بوضع نماذج مستخدمين فيها ما يصل إلى 20 مؤشرا، إذ قرر خبراء النقد الدولي استخدام نموذج اقتصادي كلي بسيط يشتمل على خمسة متغيرات لإجراء تحليل لاحق على الحدث.
وكان من بين المؤشرات المنتقاة في السوق؛ توفر السيولة، الثقة في السوق المحلي مقابل الأسواق الخارجية، النمو الاقتصادي في قطاعات الاقتصاد المختلفة، تحسن أرباح الشركات، المؤشرات والمعايير والأدوات المالية. وتعود أزمات البورصات والأسواق المالية في العالم إلى أسباب وعوامل عديدة.
ومن أهمها المستثمرون أنفسهم، الشركات المساهمة، المؤسسات المالية، الاقتصاد القومي ومكونات المناخ الاستثماري، أجهزة الإعلام، الاقتصاد الدولي والسياسات الإقليمية، ولست بمكتشف وإنما بمذكر بأهم أسباب تراجع سوق الإمارات والتي هي:
توفر السيولة، تأثر سوق الأسهم بالتطورات الإقليمية وحركة رؤوس الأموال في منطقة الخليج، سعي إيران لاستئنافها تخصيب اليورانيوم، عدم توفر المعلومات عن أداء الشركات من مصادرها بصورة صحيحة، انتشار الشائعات، انخفاض أسعار الفائدة لدى لبنوك، وفي إطار هذه الرؤية الشمولية نجد غياب الفهم العام لمعايير الاستثمار.
وندرة التحليل الاستثماري السليم، وتركيز المستثمرين على أسهم الشركات التي توزع أرباحا سنوية مرتفعة غالبا وليس على الشركات ذات رأس المال الواسع، واحتمالات النمو الكبيرة، فلو عدنا للنظريات الاقتصادية لوجدناها تتركز على المفاضلة والتمييز بين التمويل السوقي والتمويل المصرفي ..
Kutaiba @ emirates .ne
باحث اقتصادي