الدورة الـ 78 لتوزيع جوائز الأوسكار هذا العام جاءت إلى حد بعيد منصفة. ليس بالكامل، لكنها مقبولة إذا ما قيست بدورات سابقة. لانها أولاً خرجت عن المألوف باختيار الأفلام الفائزة.. فلم تعتمد في نتائجها على الأفلام ذات الانتاجات الضخمة مثل «كينغ كونغ» أو «نارينا» و«حرب العوالم».

واستبدالها بافلام شبهمستقلة ذات انتاجات محدودة، روائية وتتحمل قضايا إنسانية اجتماعية سياسية.بهذا المعنى كان فوز فيلم «كراش» بأوسكار أفضل فيلم إضافة إلى جائزتي أفضل سيناريو وأفضل إنتاج جاء بفرحة خاصة للاتجاهات السينمائية الأميركية المستقلة.

ولكل صناع السينما في العالم الذين ينتمون إلى سينما القضايا، من دون التخلي عن الشروط الفنية، وبابتعاد أكيد عن سينما الاستعراض المجاني والإبهار البصري، المكرر والمجتر، والذي لا يؤدي وظيفة على الإطلاق. ولكثرة تشابهه مع غيره أصبح بعيداً عن الإمتاع.

كان التخوف كبيراً أن يحصل «بروك باك ماونتي» على جائزة أفضل فيلم، وهو لا يستحق، مع ان تقنياته وفنياته رائعة، لكن قصته، وموقف مخرجه الواضح من الحكاية، كاد أن يقضي على روحية العمل، إضافة إلى طوله غير المبرر.

ونهايته المقررة عنوة بحكم ان السرد قد خرج من يد مديره، وهو لا يقاس من حيث اللغة البصرية بفيلم «كراش» الذي توقعت له منذ أشهر بجوائز عديدة، واعتبرته ومازلت أنه من أفضل ما أنتج من سينما أميركية وعالمية في السنوات العشر الأخيرة.

صحيح أن مخرجه بول هاجيس قدم إخراجه الأول في هذا الشريط وهو كاتب سيناريو محترف برز في الأعمال التلفزيونية وبإفلام كثيرة منها «طفلة المليون دولار» من إخراج كلينت ايستوود. حاصد الأوسكارات العام الفائت.

إلى جانب «كراش» يأتي فيلم «غودنايت اند غودلاك» من اخراج جورج كلوني الممثل البارع والباحث عن ما يثير وما يتصل بقضايا الإنسان بكل مستوياتها. فصور المرحلة الماركسية بكل ما حملته من ظلم بحق رجال الإعلام، والفن.

وسلط الضوء على ماكينة النظام السياسي الذي ينتج ع لي الدوام حالات «ماركسية» توزع التهم جزافاً، فإن كنت لا تؤيد سياسة ما لإدارة ما فاذن انت ضدنا.

مقولة مقززة، تفرز الناس بين عدو وتابع. يرفضها كلوني، يبحث عن منطقة وسط تنظر إلى الواقع بإشكالياته وبالفعل يستحق عنه أوسكار أفضل اخراج بدل انج لي مخرج بروك باك ماونتي، لكنه حصل على أوسكار أفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم السياسي أيضاً «سيريانا» .

واعتبر كلوني ان هوليوود مظلومة حين يتهمها البعض انها تخفي حقائق وتنطق بأخرى حين تسلم أوسكار ليلة أمس، وهو محق فهوليوود ليست اتجاهاً واحداً، بل فيها التنوع، الرديء، والجيد، والممتاز، جنباً إلى جنب.

والغلبة هذه المرة كانت للجيد على العادي، ولو لم يحصل الفيلم الفلسطيني «الجنة الآن» على أوسكار أفضل فيلم أجنبي بسبب الضغوطات التي مارسها اللوبي الصهيوني، الذي يمثل مكانة قوية داخل هوليوود والمجتمع الأميركي عموما. لم تأت من الصدفة، بل من خلال عمل طويل ودؤوب عمل عليه الصهاينة لوقت طويل، كنا ومازلنا نحن العرب لا نحرك ساكناً أمام أي جهد من هذا النوع.

حسين قطايا